القول الثاني في المسألة: الاحتجاج بالمرسل

18 paragraphs · vol. 1, p. 542

  1. وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم وذكر كلام إبراهيم النخعي أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد وان أسند لم يكن عنده إلا عمن سماه. وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة.

    vol. 1, p. 542
  2. وقد قال أحمد في مراسيل النخعي، لا بأس بها.

    وقال ابن معين: مرسلات ابن المسيب أحب إلي من مرسلات الحسن. ومرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. وقال أيضا: إبراهيم أعجب إلي مرسلات من سالم والقاسم وسعيد بن المسيب.

    قال البيهقي: والنخعي نجده يروي عن قوم مجهولين لا يروي عنهم غيره، مثل هنى بن نويرة وخزام الطائي، قرثع الضبي ويزيد

    vol. 1, p. 543ابن أوس، وغيرهم.

    وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا.

    وقال الحسن بن شجاع البلخي: سمعت علي بن المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.

  3. وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأصحاب مالك أيضا هكذا أطلقوه.

  4. وفي ذلك نظر سنبين علته - إن شاء الله - تعالى.

  5. وحكي الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة، وعن أهل العراق جملة، وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وصاحبيه.

    وقال أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره.

    قال أبو داود: فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد (مسند) ، فالمراسيل يحتج بها، وليس هو مثل المتصل في القوة، انتهى.

  6. وأعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ، وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن

    vol. 1, p. 544الحفاظ إما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا، وهو ليس بصحيح، على طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  7. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.

  8. وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ.

  9. وقد سبق قول أحمد في مرسلات ابن المسيب: صحاح. ووقع مثله في كلام ابن المديني، وغيره.

  10. قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه هو منقطع، وهو حديث ثبت.

    قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر.

  11. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين. ونحن نذكر كلام الشافعي وأحمد في ذلك بحروفه:

    vol. 1, p. 545قال الشافعي - رحمه الله - في الرسالة:

    والمنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (من التابعين، فحدث حديثا منقطعا عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر عليه بأمور منها:

    أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن ينظر:

    - هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل عنه العلم، من غير رجاله الذي قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله، وهي أضعف من الأولى.

  12. - وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله -.

  13. وكذلك إن وجد عوام (من) أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روي عنه.

  14. ويكون إذا شرك أحد من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه (ووجد) حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه.

  15. ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، (حتى) لا يسع أحدا قبول مرسله.

    قال: وإذا (وجدت) الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن يقبل مرسله. ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه، إذا سمي، وأن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله قد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدا من حيث لو سمي لم يقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال برأيه لو وافقه (لم) يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها:

    ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن يوافقه بعض الفقهاء.

    قال: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم منهم أحدا يقبل مرسله لأمور:

    - أحدهما أنهم أشد تجوزا فيمن يروون عنه.

    vol. 1, p. 546
  16. - والآخر أنهم توجد عليهم دلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.

  17. والآخر كثرة الإحاطة في الأخبار، وإذا كثرت الإحاطة، كان أمكن للوهم، وضعف من يقبل عنه.

  18. انتهى كلامه.