باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة

335 paragraphs · vol. 1, p. 34

Page 1 of 9

  1. اعلموا رحمكم اللَّه تَعَالَى أَن الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يتسم أفاضلهم فِي عصرهم بتسمية علم سِوَى صحبة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ لا فضيلة فوقها , فقيل لَهُمْ: الصَّحَابَة , ولما أدركهم أهل العصر الثَّانِي سمى من صحب الصَّحَابَة التابعين , ورأوا ذَلِكَ أشرف سمة ثُمَّ قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثُمَّ أختلف النَّاس وتباينت المراتب , فقيل لخواص النَّاس مِمَّن لَهُمْ شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ثُمَّ ظهرت البدع وحصل التداعي بَيْنَ الفرق فَكُل فريق أدعوا أَن فيهم زهدا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مَعَ اللَّه تعالي الحافظون قلوبهم عَن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هَذَا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.

    vol. 1, p. 34
  2. ونحن نذكر فِي هَذَا الباب أسامي جَمَاعَة من شيوخ هذه الطريقة من الطبقة الأولى إِلَى وقت المتأخرين مِنْهُم , وتذكر جملا من سيرهم وأقاويلهم بِمَا يَكُون فِيهِ تنبيه عَلَى أصولهم وآدابهم إِن شاء اللَّه تَعَالَى.

  3. فمنهم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن أدهم بْن مَنْصُور من كورة بلخ رَضِيَ اللَّهُ تعالي عَنْهُ كَانَ من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أَوْ أرنبا وَهُوَ فِي طلبه فهتف بِهِ هاتف: يا إِبْرَاهِيم , ألهذا خلقت أم بِهَذَا أمرت؟ ثُمَّ هتف بِهِ أَيْضًا من قربوس سرجه والله مَا لِهَذَا خلقت ولا بِهَذَا أمرت، فنزل عَن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ إنه دَخَلَ البادية ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة وصحب بِهَا سُفْيَان الثَّوْرِي والفضيل بْن عياض، ودخل الشام وَمَاتَ بِهَا وَكَانَ يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذَلِكَ، وأنه رأى فِي البادية رجلا علمه اسم اللَّه الأعظم , فدعا بِهِ بعده فرأى الخضر عَلَيْهِ السَّلام , وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا علمك أَخِي دَاوُد اسم اللَّه الأعظم.

    vol. 1, p. 35
  4. أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمه اللَّه , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن عَلِي بْن مُحَمَّد الْمِصْرِي , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الخراز , قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار , قَالَ: صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم , فَقُلْتُ: خبرني عَن بدء أمرك فذكر هَذَا.

    vol. 1, p. 36
  5. وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم كبير الشأن فِي بَاب الورع.

  6. يحكي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أطب مطعمك ولا حرج عليك أَن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار، وقيل: كَانَ عامة دعائه اللَّهُمَّ انقلني من ذل معصيتك إِلَى عز طاعتك.

  7. وقيل: لإبراهيم بْن أدهم: إِن اللحم قَدْ غلا , فَقَالَ: أرخصوه أي لا تشتروه، وأنشد فِي ذَلِكَ:

    وإذا غلا شَيْء عَلَي تركته ... فيكون أرخص مَا يَكُون إذ غلا

    أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه تعالي , قَالَ: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد , يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه , يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم لرجل فِي الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حَتَّى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق بَاب النعمة وتفتح بَاب الشدة، وَالثَّانِيَة: تغلق بَاب العز وتفتح بَاب الذل، والثالثة: تغلق بَاب الراحة وتفتح بَاب الجهد، والرابعة: تغلق بَاب النوم وتفتح بَاب السهر، والخامسة: تغلق بَاب الغنى وتفتح بَاب الفقر، والسادسة: تغلق بَاب الأمل وتفتح بَاب الاستعداد للموت.

  8. وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم يحفظ كرما فمر بِهِ جندي , فَقَالَ: أعطنا من هَذَا العنب , فَقَالَ: أمرني بِهِ صاحبه،

    vol. 1, p. 37فأخذ يضربه بسوطه فطأطأ رأسه , وَقَالَ: اضرب رأسا طالما عصى اللَّه فأعجز الرجل ومضي.

    وَقَالَ سهل بْن إِبْرَاهِيم صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم: فمرضت فأنفق عَلِي نفقته , فاشتهيت شهوة , فباع حماره , وأنفق عَلِي ثمنه , فلما تماثلت , قُلْت: يا إِبْرَاهِيم , أين الحمار؟ فَقَالَ: بعناه , فَقُلْتُ: فعلى ماذا أركب؟ فَقَالَ: يا أَخِي عَلَى عنقي , فحملني ثَلاث منازل.

  9. وَمِنْهُم أَبُو الفيض ذو النون الْمِصْرِي واسمه ثوبان بْن إِبْرَاهِيم , وقيل: الفيض بْن إِبْرَاهِيم وأبوه كَانَ نوبيا توفى سنة خمس وأربعين ومائتين فائق هَذَا الشأن وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا سعوا بِهِ إِلَى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دَخَلَ عَلَيْهِ وعظه فبكي المتوكل ورده إِلَى مصر مكرما، وَكَانَ المتوكل إِذَا ذكر بَيْنَ يديه أهل الورع يبكي وَيَقُول: إِذَا ذكر أهل الورع فحيهلا بذي النون، وَكَانَ رجلا نحيفا تعلوه حمرة لَيْسَ بأبيض اللحية.

    vol. 1, p. 38
  10. سمعت أَحْمَد بْن محمود , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان , يَقُول: سمعت ذا النون , يَقُول: مدار الْكَلام عَلَى أربع: حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل.

  11. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سهل , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان , يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي , يَقُول: من علامات المحب لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ متابعة حبيب اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه.

  12. وسئل ذو النون عَنِ السفلة , فَقَالَ: من لا يعرف الطريق إِلَى اللَّه ولا يتعرفه.

    vol. 1, p. 39
  13. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمه اللَّه يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان , يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن , يَقُول: حضرت مجلس ذي النون يوما وجاءه سالم المغربي , فَقَالَ لَهُ: يا أبا الفيض , مَا كَانَ سبب توبتك؟ قَالَ: عجب لا تطيقه , قَالَ: بمعبودك إلا أخبرتني، فَقَالَ ذو النون: أردت الخروج من مصر إِلَى بَعْض القرى فنمت فِي الطريق فِي بَعْض الصحارى ففتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها عَلَى الأَرْض فانشقت الأَرْض فخرج منها سكرجتان , إحداهما ذهب , والأخرى فضة , وَفِي إحداهما سمسم , وَفِي الأخرى ماء , فجعلت تأكل من هَذَا وتشرب من هَذَا فَقُلْتُ: حسبي قَدْ تبت ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني اللَّه عَزَّ وَجَلَّ سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت ابْن رشيق يَقُول: سمعت أبا دجانة يَقُول: سمعت ذا النون يَقُول: لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما.

  14. وسئل ذو النون عَنِ التوبة فَقَالَ: توبة العوام تكون من الذنوب وتوبة الخواص تكون من الغفلة.

  15. وَمِنْهُم أَبُو عَلَى الفضيل بْن عياض خراساني من ناحية مرو وقيل: إنه ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد مَات بمكة فِي المحرم سنة سبع وثمانين ومائة.

    vol. 1, p. 40
  16. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّهِ العسكري قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أخي أَبِي ذرعة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن راهويه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمار عَنِ الفضيل بْن موسي , قَالَ: كَانَ الفضيل شاطرا يقطع الطريق بَيْنَ أبيورد وسرخس وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ عشق جارية , فبينما هُوَ يرتقى الجدران إِلَيْهَا سمع تاليا يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: ١٦] , فَقَالَ: يا رب , قَدْ آن , فرجع فآواه الليل إِلَى خربة , فَإِذَا فِيهَا رفقة , فَقَالَ بَعْضهم: نرتحل، وَقَالَ قوم: حَتَّى نصبح , فَإِن فضيلا عَلَى الطريق يقطع عَلَيْنَا , فتاب الفضيل وأمنهم وجاور الحرم حَتَّى مَات.

    وَقَالَ الفضيل بْن عياض: إِذَا أحب اللَّه عبدا أَكْثَر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عَلَيْهِ دنياه.

    وَقَالَ ابْن المبارك: إِذَا مَات الفضيل ارتفع الحزن.

    vol. 1, p. 41وَقَالَ الفضيل: لو أَن الدنيا بحذافيرها عرضت عَلَى ولا أحاسب بِهَا لكنت أتقذرها كَمَا يتقذر أحدكم الجيفة إِذَا مر بِهَا أَن تصيب ثوبه.

    وَقَالَ الفضيل: لو حلفت أنى مراء أحب إلي من أَن أحلف أنى لست بمراء.

    وَقَالَ الفضيل: ترك العمل لأجل النَّاس هُوَ الرياء , والعمل لأجل النَّاس هُوَ الشرك.

    وَقَالَ أَبُو عَلَى الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة مَا رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يَوْم مَات ابنه عَلَى، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِن اللَّه أحب أمرا فأحببت ذَلِكَ.

    وَقَالَ الفضيل: إني لأعصي اللَّه , فأعرف ذَلِكَ فِي خلق حماري وخادمي.

  17. وَمِنْهُم أَبُو محفوظ معروف بْن فيروز الكرخي كَانَ من المشايخ الكبار مجاب الدعوة يستشفي بقبره , يَقُول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب وَهُوَ من موالي عَلِي بْن موسي الرضا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَات سنة مائتين، وقيل: سنة إحدى ومائتين، وَكَانَ أستاذ السري السقطي , وَقَدْ قَالَ لَهُ يوما: إِذَا كانت لَك حاجة إِلَى اللَّه فأقسم عَلَيْهِ بي.

    vol. 1, p. 42
  18. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول: كَانَ معروف الكرخي أبواه نصرانيان فسلموا معروفا إِلَى مؤديهم وَهُوَ صبي فكان المؤدب يَقُول لَهُ: قل: ثالث ثلاثة، فَيَقُول: بَل هُوَ واحد فضربه المعلم يوما ضربا مبرحا , فهرب معروف فكان أبواه , يقولان: ليته يرجع إلينا عَلَى أي دين يشاء فنوافقه عَلَيْهِ، ثُمَّ إنه أسلم عَلَى يدي عَلِي بْن موسي الرضا ورجع إِلَى منزله ودق الباب , فقيل: من بالباب؟ فَقَالَ: معروف، فَقَالُوا: عَلَى أي دين جئت؟ فَقَالَ: عَلَى الدين الحنيفي , فأسلم أبواه.

  19. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحربي يقول: سمعت سريا السقطي , يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم كَأَنَّهُ تَحْتَ العرش فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لملائكته: من هَذَا؟ فيقولون: أَنْتَ أعلم يا رب،

    vol. 1, p. 43فَيَقُول: هَذَا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي.

    وَقَالَ معروف: قَالَ لي بَعْض أَصْحَاب دَاوُد الطائي: إياك أَن تترك العمل , فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يقربك إِلَى رضا مولاك، فَقُلْتُ: وَمَا ذَلِكَ العمل؟ فَقَالَ: دوام طاعة ربك وخدمة الْمُسْلِمِينَ والنصيحة لَهُمْ.

  20. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد الدلال يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَبِي , يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم بَعْد موته , فَقُلْتُ لَهُ: ماذا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي , فَقُلْتُ: بزهدك وورعك؟ فَقَالَ: لا بقبولي موعظة ابْن السماك ولزوم الفقر ومحبتي للفقراء، وموعظة ابْن السماك مَا قاله معروف كنت مارا بالكوفة , فوفقت عَلَى رجل , يقال لَهُ: ابْن السماك وَهُوَ يعظ النَّاس , فَقَالَ فِي خلال كلامه: من أعرض عَنِ اللَّه بكليته أعرض اللَّه عَنْهُ جملة، ومن أقبل عَلَى اللَّه بقلبه أقبل اللَّه برحمته إِلَيْهِ، , وأقبل بجميع وجوه الخلق إِلَيْهِ، ومن كَانَ مرة ومرة فالله يرحمه وقتا مَا , فوقع كلامه فِي قلبي , فأقبلت عَلَى اللَّه تعالي , وتركت جَمِيع مَا كنت عَلَيْهِ إلا خدمة مولاي عَلِي بْن موسي الرضا , وذكرت هَذَا الْكَلام لمولاي، فَقَالَ: يكفيك بِهَذَا موعظة إِن اتعظت، أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ: سمعت عَبْد الرحيم بْن عَلِيّ الحافظ ببغداد , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر بْن الفضل , يَقُول: سمعت عَلِي بْن عيسى , يَقُول: سمعت سريا السقطي , يَقُول: سمعت معروفا , يَقُول ذَلِكَ، وقيل لمعروف فِي مرض موته: أوص ,

    vol. 1, p. 44فَقَالَ: إِذَا مت فتصدقوا بقميصي , فأنى أريد أَن أخرج من الدنيا عريانا كَمَا دخلتها عريانا، ومر معروف بسقاء , يَقُول: رحم اللَّه من يشرب وَكَانَ صائما فتقدم , فشرب , فقيل لَهُ: ألم تكن صائما؟ ، فَقَالَ: بلى , ولكني رجوت دعاءه.

  21. وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ سري بْن المغلس السقطي خال الجنيد وأستاذه , وَكَانَ تلميذ معروف الكرخي , كَانَ أوحد زمانه فِي الورع وأحوال السنة وعلوم التوحيد.

    vol. 1, p. 45
  22. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي , يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن علوان , يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن مسروق , يَقُول: بلغني أَن السري السقطي كَانَ يتجر فِي السوق وَهُوَ من أَصْحَاب معروف الكرخي , فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم , فَقَالَ: اكس هَذَا اليتيم , قَالَ سرى: فكسوته ففرح بِهِ معروف , وَقَالَ: بغض اللَّه إليك الدنيا وأراحك مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، فقمت من الحانوت وليس شَيْء أبغض إِلَى من الدنيا وكل مَا أنا فِيهِ من بركات معروف.

  23. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمه اللَّه يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: مَا رأيت أعبد من السري أتت عَلَيْهِ ثمان وتسعون سنة مَا رؤي مضطجعا إلا فِي علة الْمَوْت.

  24. ويحكي عَنِ السري , أَنَّهُ قَالَ: التصوف اسم لثلاث معان , وَهُوَ الَّذِي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه،

    vol. 1, p. 46ولا يتكلم بباطن فِي علم ينقضه عَلَيْهِ ظاهر الكتاب أَوِ السنة، ولا تحمله الكرامات عَلَى هتك أستار محارم اللَّه.

  25. مَات السري سنة سبع وخمسين ومائتين.

  26. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يحكي عَنِ الجنيد رحمه اللَّه أَنَّهُ قَالَ: سألني السري يوما عَنِ المحبة فَقُلْتُ: قَالَ قوم: هِيَ الموافقة وَقَالَ قوم: الإيثار.

    وَقَالَ قوم: كَذَا وكذا، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد، ثُمَّ قَالَ: وعزته تَعَالَى لو قُلْت: إِن هذه الجلدة يبست عَلَى هَذَا العظم من محبته لصدقت، ثُمَّ غشي عَلَيْهِ فدار وجهه كَأَنَّهُ قمر مشرق وَكَانَ السري بِهِ أدمة.

  27. ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: منذ ثلاثين سنة أنا فِي الاستغفار من قولي الحمد لِلَّهِ مرة قيل: وكيف ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فَقَالَ لي: نجا حانوتك، فَقُلْتُ: الحمد لِلَّهِ فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم عَلَى مَا قُلْت: حيث أردت لنفسي خيرا مِمَّا حصل للمسلمين.

  28. أخبرني بِهِ عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ , قَالَ: سمعت أبا بَكْر الرازي , يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحريري , يَقُول: سمعت السري يَقُول ذَلِكَ.

  29. ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: أنا أنظر فِي أنفى فِي اليوم كَذَا وكذا مرة مخافة أَن يَكُون قَدْ أسود خوفا من اللَّه أَن يسود صورتي لما أتعاطاه.

  30. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت الجنيد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: أعرف طريقا مختصرا قصدا إِلَى الْجَنَّة , فَقُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ .

    فَقَالَ: لا تسأل من أحد شَيْئًا ولا تأخذ من أحد شَيْئًا ولا يكن معك شَيْء تعطي منه أحدا.

  31. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت الجنيد بْن مُحَمَّد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: أشتهي أَن أموت ببلد غَيْر بغداد، فقيل لَهُ: وَلَمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أخاف أَن لا يقبلني قبري فافتضح.

    vol. 1, p. 47
  32. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن بْن عَبْد اللَّهِ الغوطي الطرسوسي , يَقُول: سمعت الجنيد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: اللَّهُمَّ مهما عذبتني بشيء , فلا تعذبني بذل الحجاب.

  33. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: دخلت يوما عَلَى السري السقطي وَهُوَ يبكي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: جاءتني البارحة الصبية , فَقَالَتْ: يا أبتي هذه الليلة حارة وَهَذَا الكوز أعلقه هاهنا , ثُمَّ إني حملتني عيناي فنمت , فرأيت جارية من أَحْسَن الخلق قَدْ نزلت من السماء , فَقُلْتُ: لمن أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: لمن لا يشرب الماء المبرد فِي الكيزان، فتناولت الكوز فضربت بِهِ الأَرْض فكسرته , قَالَ الجنيد: فرأيت الخزف لَمْ يرفعه وَلَمْ يمسه حَتَّى عفا عَلَيْهِ التراب.

  34. وَمِنْهُم أَبُو نصر بشر بْن الْحَارِث الحافي أصله من مرو وسكن بغداد وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ ابْن أخت عَلِي بْن خشرم، مَات سنة سبع وعشرين ومائتين وَكَانَ كبير الشأن، وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ أصاب فِي الطريق كاغدة مكتوبا فِيهَا اسم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وطئتها الأقدام فأخذها واشترى بدرهم كَانَ مَعَهُ غالية فطيب بِهَا الكاغدة وجعلها فِي شق حائط، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا , يَقُول لَهُ: يا بشر , طيبت اسمي لأطيبن اسمك فِي الدنيا والآخرة.

    vol. 1, p. 48
  35. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه , يَقُول: مر بشر ببعض النَّاس فَقَالُوا: هَذَا الرجل لا ينام الليل كُلهُ ولا يفطر إلا فِي كُل ثلاثة أَيَّام مرة فبكى بشر فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ.

  36. فَقَالَ إني لا أذكر أنى سهرت ليلة كاملة ولا أنى صمت يوما لَمْ أفطر من ليلته ولكن اللَّه سبحانه وتعالى يلقى فِي القلوب أَكْثَر مِمَّا يفعله العبد لطفا منه سبحانه وكرما، ثُمَّ ذكر ابتداء أمره كَيْفَ كَانَ عَلَى مَا ذكرناه.

  37. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمه اللَّه , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي حاتم , يَقُول: بلغني أَن بشر بْن الْحَارِث الحافي , قَالَ: رأيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام , فَقَالَ لي: يا بشر , أتدري لَمْ رفعك اللَّه من بَيْنَ أقرانك؟ قُلْت: لا يا رَسُول اللَّهِ، قَالَ: باتباعك لسنتي , وخدمتك للصالحين , ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأَصْحَابي , وأهل بَيْتِي، وَهُوَ الَّذِي بلغك منازل الأبرار.

  38. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت بلالا الخواص , يَقُول: كنت فِي تية بنى إسرائيل فَإِذَا رجل يماشيني فتعجبت منه ثُمَّ ألهمت أَنَّهُ الخضر عَلَيْهِ السَّلام فَقُلْتُ لَهُ: بحق الحق من أَنْتَ.

    فَقَالَ: أخوك الخضر.

    فَقُلْتُ لَهُ: أريد أَن أسألك فَقَالَ: سل.

    فَقُلْتُ: مَا تقول فِي الشَّافِعِي رحمة اللَّه؟ فَقَالَ: هُوَ من الأوتاد , فَقُلْتُ: مَا تقول أَحْمَد بْن حنبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ: رجل صديق.

    قُلْت: فَمَا تقول فِي بشر بْن الْحَارِث الحافي؟ فَقَالَ: لَمْ يخلق بعده مثله.

    فَقُلْتُ: بأي وسيلة رأيتك.

    فَقَالَ: ببرك لأمك.

    vol. 1, p. 49
  39. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول: أتى بشر الحافي بَاب المعافى بْن عمران فدق عَلَيْهِ الباب فقيل: من فَقَالَ: بشر الحافي.

    فَقَالَتْ لَهُ: بنية من داخل الدار لو اشتريت لَك نعلا بدانقين لذهب عَنْك اسم الحافي.

  40. أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الفضل قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ المغازلي يَقُول: سمعت بشرا الحافي يذكر هذه الحكاية.