باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة
335 paragraphs · vol. 1, p. 34
Page 7 of 9
- vol. 1, p. 134
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: إِن مَا بَيْنَ العبد وبين الوجود أَن تسكن التقوى قلبه، فَإِذَا سكنت التقوى قلبه نزلت عَلَيْهِ بركات العلم، وزالت عَنْهُ رغبة الدنيا.
- vol. 1, p. 135
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس السياري واسمه القاسم بْن القاسم من مرور صحب الواسطي وانتمى إِلَيْهِ فِي علوم هذه الطائفة وَكَانَ عالما، مَات سنة اثنين وأربعين وثلاث مائة، سئل أَبُو الْعَبَّاس السياري بماذا يروض المريد نَفْسه؟ فَقَالَ: بالبصر عَلَى فعل الأوامر واجتناب النواهي وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء، وَقَالَ: مَا التذ عاقل بمشاهدة الحق قط، لأن مشاهدة الحق فناء لَيْسَ فِيهَا لذة.
- vol. 1, p. 136
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري المعروف بالدقي أقام بالشام وعاش أَكْثَر من مائة سنة مَات بدمشق بَعْد الخمسين والثلاث مائة صحب ابْن الجلاء والزقاق، قَالَ أَبُو بَكْر الدقي: المعدة موضوع يجمع الأطعمة فاذا طرحت فِيهَا الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، وإذا طرحت فِيهَا الشبهة اشتبه عليك الطريق إِلَى اللَّه، وإذا طرحت فِيهَا التبعات كَانَ بينك وبين أمر اللَّه حجاب.
- vol. 1, p. 137
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي مولده ومنشؤه بنيسابور صحب أبا عُثْمَان الحيري والجنيد ويوسف بْن الْحُسَيْن ورويما وسمنونا وغيرهم، مَات سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول وَقَدْ سئل: مَا بال النَّاس يعرفون عيوبهم ولا يَرْجِعُونَ إِلَى الصواب؟ فَقَالَ: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم وَلَمْ يشتغلوا باستعماله واشتغلوا بالظواهر وَلَمْ يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى اللَّه قلوبهم وقيد جوارحهم عَنِ العبادات.
- vol. 1, p. 138
وَمِنْهُم أَبُو عُمَر إِسْمَاعِيل بْن نجيد صحب أبا عُثْمَان ولقي الجنيد وَكَانَ كبير الشأن آخر من مَات من أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان.
-
توفي بمكة سنة ست وستين وثلاث مائة، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمه اللَّه يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كُل حال لا يَكُون عَن نتيجة علم فَإِن ضرره عَلَى صاحبه أَكْثَر من نفعه، قَالَ: وسمعته يَقُول: من ضيع فِي وقت من أوقاته فريضة افترضها اللَّه عَلَيْهِ حرم لذة تلك الفريضة ولو بَعْد حِينَ.
قَالَ: وسئل عَنِ التصوف فَقَالَ: الصبر تَحْتَ الأمر والنهي قَالَ: وَقَالَ: آفة العبد رضاه من نَفْسه بِمَا هُوَ فِيهِ.
- vol. 1, p. 139
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن أَحْمَد بْن سهل البوشنجي أحد فتيان خراسان لقي أبا عُثْمَان وابن عَطَاء والجريري وأبا عَمْرو الدمشقي، مَات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
-
وسئل البوشنجي عَنِ المروءة فَقَالَ: هِيَ ترك استعمال مَا هُوَ محرم عليك مَعَ الكرام الكاتبين، وَقَالَ لَهُ إِنْسَان: ادع اللَّه لي فَقَالَ: أعاذك اللَّه من فتنتك، وَقَالَ: أول الإيمان منوط بآخره.
- vol. 1, p. 140
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن خفي الشيرازي صحب رويما والجريري وابن عَطَاء وغيرهم، مَات سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة شيخ الشيوخ وواحد وقته.
قَالَ ابْن خفيف: الإرادة استدامة الكد وترك الراحة وَقَالَ: لَيْسَ شَيْء أضر عَلَى المريد من مسامحة النفس فِي ركوب الرخص وقبول التأويلات.
-
وسئل عَنِ القرب فَقَالَ: قربك منه تَعَالَى بملازمة الموافقات وقربه منك بدوام التوفيق.
-
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: رُبَّمَا كنت أقرأ فِي ابتداء أمرى فِي ركعة واحدة عشر آلاف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وربما كنت اقرأ فِي ركعة واحدة الْقُرْآن كُلهُ، وربما كنت أصلي من الغداة إِلَى العصر ألف ركعة.
-
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الشيرازي رحمه اللَّه يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول: دَخَلَ يوما من الأيام فَقِير، فَقَالَ للشيخ أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: بي وسوسة، فَقَالَ الشيخ: عهدي بالصوفية يسخرون من الشَّيْطَان والآن الشَّيْطَان يسخر مِنْهُم، وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الكرخي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: ضعفت عَنِ القيام فِي النوافل فجعلت بدل كُل ركعة من أورادي ركعتين قاعدا للخبر: صلاة القاعد عَلَى النصف من صلاة القائم.
- vol. 1, p. 141
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بندار بْن الْحُسَيْن الشيرازي كَانَ عالما بالأصول كبيرا فِي الحال صحب الشبلي.
-
مَات بأرجان سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
-
قَالَ بندار بْن الْحُسَيْن لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لَك دعها لمالكها يفعل بِهَا مَا يريد، وَقَالَ بندار: صحبة أهل البدع تورث الإعراض عَنِ الحق، وَقَالَ بندار: أترك مَا تهوى لما تأمل.
- vol. 1, p. 142
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر الطمستاني: صحب إِبْرَاهِيم الدباغ وغيره، وَكَانَ أوحد وقته علما وحالا.
-
مَات بنيسابور بَعْد سنة أربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو بَكْر الطمستاني: النعمة العظمي الخروج من النفس والنفس أَعْظَم حجاب بينك وبين اللَّه.
-
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي رحمه اللَّه يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الطمستاني يَقُول: إِذَا هُم القلب عوقب فِي الوقت، وَقَالَ: الطريق واضح والكتاب والسنة قائم بَيْنَ أظهرنا وفضل الصَّحَابَة معلوم لسبقهم إِلَى الهجرة ولصحبتهم، فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عَنْهُ نَفْسه والخلق وهاجر بقلبه إِلَى اللَّه فَهُوَ الصادق المصيب
vol. 1, p. 143وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدينوري صحب يُوسُف بْن الْحُسَيْن وابن عَطَاء والجريري وَكَانَ عالما فاضلا ورد نيسابور وأقام بِهَا مدة وَكَانَ يعظ النَّاس، ويتكلم عَلَى لسان المعرفة، ثُمَّ ذهب إِلَى سمرقند وَمَاتَ بِهَا بَعْد الأربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: أدنى الذكر أَن تنسى مَا دونه، ونهاية الذكر أَن يغيب الذاكر فِي الذكر عَنِ الذكر، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: نقضوا أركان التصوف وعدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عَنِ الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع عَلَى الدنيا وصلا، وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان ملامة، وَمَا هَذَا كَانَ طريق الْقَوْم
vol. 1, p. 144وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن سلام المغربي أوحد عصره لَمْ يوصف مثله قبله، صحب ابْن الكاتب وحبيبا المغربي وأبا عَمْرو الزجاجي ولقي النهرجوري وابن الصائغ وغيرهم.
-
مَات بنيسابور سنة ثَلاث وسبعين وثلاث مائة، وأوصي بأن يصلي عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك رحمه اللَّه تَعَالَى.
-
سمعت الأستاذ أبا بَكْر بْن فورك يَقُول: كنت عِنْدَ أَبِي عُثْمَان المغربي حِينَ قرب أجله وعلى القوال الصغير يَقُول شَيْئًا، فلما تغير عَلَيْهِ الحال أشرنا عَلَى عَلِي بالسكوت ففتح الشيخ أَبُو عُثْمَان عينيه، وَقَالَ: لَمْ لا يَقُول عَلِي شَيْئًا؟ فَقُلْتُ لبعض الحاضرين: سلوه علام يسمع المستمع فإني أحتشمه فِي تلك الحالة، فسألوه فَقَالَ: إِنَّمَا يسمع من حيث يسمع وَكَانَ فِي الرياضة كبير الشأن.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: التقوى هِيَ الوقوف مَعَ الحدود لا يقصر فِيهَا ولا يتعداها، وَقَالَ: من آثر صحبة الأغنياء عَلَى مجالسه الفقراء ابتلاه اللَّه بموت القلب.
- vol. 1, p. 145
وَمِنْهُم أَبُو القاسم إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد النصرأباذي شيخ خراسان فِي وقته صحب الشبلي وأبا عَلِي الروذباري والمرتعش، جاور بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى سنة ست وستين وثلاث مائة وَمَاتَ بِهَا سنة تسع وستين وثلاث مائة وَكَانَ عالما بالحَدِيث كثيرا الرواية.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: إِذَا بدا لَك شَيْء من بوادي الحق فلا تلتفت معها إِلَى جنة ولا إِلَى نار فَإِذَا رجعت عَن تلك الحال فعظم مَا عظمه اللَّه.
-
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قبل للنصر أباذي: إِن بَعْض النَّاس يجالس النسوان يَقُول: أنا معصوم فِي رؤيتهن فَقَالَ: ما دامت الأشباح باقية فان الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب بِهِ ولن يجترئ عَلَى الشبهات إلا من تعرض للمحرمات.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قَالَ النصراباذي: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة عَلَى الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
- vol. 1, p. 146
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الحصري البصري سكن بغداد عجيب الحال واللسان شيخ وقته ينتمي إِلَى الشبلي مَات ببغداد سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة قَالَ الحصري: النَّاس يقولون الحصري لا يَقُول بالنوافل وعلى أوراد من حال الشباب لو تركت ركعة لعوتبت، وَقَالَ: من ادعى فِي شَيْء من الحقيقة كذبته شواهد كشف البراهين
vol. 1, p. 147وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري ابْن أخت الشيخ أَبِي عَلِي الروذباري شيخ الشام فِي وقته مَات بصور سنة تسع وستين وثلاث مائة.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن سَعِيد المصيصي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري: يَقُول كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل فِي الرمل فَقُلْتُ: جل اللَّه فَقَالَ الجمل: جل اللَّه، وكأن أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري إِذَا دعا أَصْحَابه مَعَهُ إِلَى دعوة فِي دور السوقة ومن لَيْسَ من أهل التصوف لا يخبر الفقراء بِذَلِكَ، وَكَانَ يطمعهم شَيْئًا فاذا فرغوا أخبرهم ومضى بِهِمْ، فكانوا قَدْ أكلوا فِي الوقت فلا يمكنهم أَن يمدوا أيديهم إِلَى طَعَام الدعوة إلا بالتعزز، وإنما كَانَ يفعل ذَلِكَ لئلا تسوء ظنون النَّاس بهده الطائفة، فيأثموا بسببهم، وقيل: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري يمشي عَلَى أثر الفقراء يوما، وكذا كانت عادته أَن يمشي عَلَى أثرهم وكانوا يمضون إِلَى دعوة، فَقَالَ إِنْسَان: يقال هَؤُلاءِ المستحلون وبسط لسانه فيهم وَقَالَ فِي أثناء كلامه: إِن واحدا مِنْهُم قَد استقرض مني مائة درهم وَلَمْ يردها، ولست أدري أين أطلبه، فلما دخلوا دار الدعوة قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري لصاحب الدار وَكَانَ من محبي هذه الطائفة: ائتني بمائة درهم إِن أردت سكون قلبي
vol. 1, p. 148فأتاه بِهَا فِي الوقت فَقَالَ لبعض أَصْحَابه: احمل هذه المائة إِلَى البقال الفلاني وقل لَهُ: هذه المائة الَّتِي استقرضها منك بَعْض أَصْحَابنا وَقَدْ وقع لَهُ فِي التأخير بِهَا عذر وَقَدْ بعثها الآن فاقبل عذره، فمضى الرجل وفعل، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال فأخذ البقال فِي مدحهم يَقُول: هَؤُلاءِ هُم الثقاة الأمناء الصلحاء وَمَا أشبه ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: أقبح من كُل قبيح صوفي شحيح.
-
قَالَ أَبُو القاسم الأستاذ الإِمَام جمال الإِسْلام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
-
هَذَا هُوَ ذكر جَمَاعَة من شيوخ هذه الطائفة كَانَ الغرض من ذكرهم فِي هَذَا الموضوع التنبيه عَلَى أنهم مجمعون عَلَى تعظيم الشريعة متصفون بسلوك طرق الرياضة مقيمون عَلَى متابعة السنة غَيْر مخلين بشيء من آداب الديانة، متفقون عَلَى أَن من خلا من المعاملات والمجاهدات وَلَمْ يبن أمره عَلَى أساس الورع والتقوى كَانَ مفتريا عَلَى اللَّه سبحانه وتعالى فيما يدعيه مفتونا هلك فِي نَفْسه، وأهلك من أغتر بِهِ مِمَّن ركن إِلَى أباطيله ولو تقصينا وتتبعنا ورد عَنْهُم من ألفاظهم وحكاياتهم ووصف سيرهم، مِمَّا يدل عَلَى أحوالهم لطال بِهِ الكتاب وحصل منه الملال، وَفِي هَذَا القدر الَّذِي لوحنا بِهِ فِي تحصيل المقصود غنية، وبالله التوفيق.
-
فأما المشايخ الَّذِينَ أدركناهم وعاصرناهم وإن لَمْ يتفق لنا لقياهم مثل الأستاذ الشهيد لسان وقته وأوحد عصره: أَبِي عَلِي الْحَسَن بْن عَلِي الدقاق، والشيخ نسيج وحده فِي وقته: أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، وأبي الْحَسَن عَلِي بْن جهضم مجاور الحرم، والشيخ أَبِي الْعَبَّاس القصار بطبرستان، وَأَحْمَد الأسود بالدينور، وأبي القاسم الصيرفي بنيسابور، وأبي سهل الخشاب الكبير بِهَا، ومنصور بْن خلف المغربي، وأبي سَعِيد الماليني،
vol. 1, p. 149وأبي طاهر الخوزندي قدس اللَّه أرواحهم وغيرهم، فلو اشتغلنا بذكرهم وتفصيل أحوالهم لخرجنا عَنِ المقصود فِي الإيجاز، وغير ملتبس من أحوالهم حسن سيرهم فِي معاملاتهم.
-
وسنورد من حكاياتهم طرفا فِي مواضع من هذه الرسالة إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
- vol. 1, p. 150
بَاب فِي تفسير ألفاظ تدور بَيْنَ هذه الطائفة وبيان مَا يشكل منها اعلم أَن من المعلوم أَن كُل طائفة من الْعُلَمَاء لَهُمْ ألفاظ يستعملونها انفردوا بِهَا عمن سواهم تواطأوا عَلَيْهَا لأغراض لَهُمْ فِيهَا من تقريب الفهم عَلَى المخاطبين بِهَا أَوْ تسهيل عَلَى أهل تلك الصنعة فِي الوقوف عَلَى معانيهم بإطلاقها، وَهَذَهِ الطائفة مستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بِهَا الكشف عَن معانيهم لأنفسهم والإجمال والستر عَلَى من باينهم فِي طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة عَلَى الأجانب غيرة مِنْهُم عَلَى أسرارهم أَن تشيع فِي غَيْر أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أَوْ مجلوبة بضرب تصرف، بَل هِيَ معان أودعها اللَّه تَعَالَى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم ونحن نريد شرح هذه الألفاظ تسهيل الفهم عَلَى من يريد الوقوف عَلَى معانيهم من سالكي طرقهم ومتبعي سننهم.
- vol. 1, p. 151
فمن ذَلِكَ الوقت حقيقة الوقت عِنْدَ أهل التحقيق حادث متوهم علق حصوله عَلَى حادث متحقق، فالحادث المتحقق وقت الحادث المتوهم تقول: آتيك رأس الشهر، فالإتيان متوهم ورأس الشهر حادث متحقق فرأس الشهر وقت الإتيان.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: الوقت مَا أَنْتَ فِيهِ إِن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن، يريد بِهَذَا أَن الوقت مَا كَانَ هُوَ الغالب عَلَى الإِنْسَان، وَقَدْ يعنون بالوقت مَا هُوَ فِيهِ من الزَّمَان، فَإِن قوما قَالُوا: الوقت مَا بَيْنَ الزمانين يَعْنِي الماضي والمستقبل، ويقولون: الصوفي ابْن وقته.
-
يريدون بِذَلِكَ أَنَّهُ مشتغل بِمَا هُوَ أولى بِهِ فِي الحال قائم بِمَا هُوَ مطالب بِهِ فِي الحين.
-
وقيل: الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بَل يهمه وقته الَّذِي هُوَ فِيهِ.
-
وقيل: الاشتغال بفوات وقت ماض تضييع وقت ثان، وَقَدْ يريدون بالوقت مَا يصادفهم من تصريف الحق لَهُمْ دُونَ مَا يختارون لأنفسهم، ويقولون فُلان بحكم الوقت، أي أَنَّهُ مستسلم لما يبدو لَهُ من الغيب من غَيْر اختيار لَهُ، وَهَذَا فيما لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِم فِيهِ أمر أَوِ اقتضاء بحق شرع، إذ التضييع لما أمرت بِهِ، وإحالة الأمر فِيهِ عَلَى التقدير، وترك المبالاة بِمَا يحصل منك من التقصير خروج عَنِ الدين.
- vol. 1, p. 152
ومن كلامهم: الوقت سَيْف، أي: كَمَا أَن السَيْف قاطع، فالوقت بِمَا يمضيه الحق ويجريه غالب.
-
وقيل: السَيْف لين مسه قاطع حده، فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم، كَذَلِكَ الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى، وأنشدوا فِي ذَلِكَ:
وكالسَيْف إِن لاينته لان مسه ... وحداه إِن خاشنته خشنان
ومن ساعده الوقت فالوقت لَهُ وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عَلَيْهِ مقت.
-
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك، يَعْنِي: لو محاك وأفناك لتخلصت حِينَ فنيت، لكنه يأخذ منك ولا يمحوك بالكلية، وَكَانَ ينشد فِي هَذَا المعنى:
كُل يَوْم يمر يأخذ بعضي ... يورث القلب حسرة ثُمَّ يمضي
وَكَانَ ينشد أيضًا:
كأهل النار إِن نضجت جلود ... أعيدت للشقاء لَهُمْ جلود
وَفِي معناه:
لَيْسَ من مَات فاستراح بميت ... إِنَّمَا الميت ميت الأحياء
والكيس من كَانَ يحكم وقته إِن كَانَ وقته الصحو فقيامه بالشريعة، وإن كَانَ وقته المحو فالغالب عَلَيْهِ أحكام الحقيقة،
vol. 1, p. 153ومن ذَلِكَ المقام والمقام: مَا يتحقق بِهِ العبد بمنازلته من الآداب بِمَا يتوصل إِلَيْهِ بنوع تصرف، ويتحقق بِهِ بضرب تطلب ومقاساة تكلف فمقام كُل أحد موضع إقامته عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا هُوَ مشتغل بالرياضة لَهُ وشرطه أَن لا يرتقي من مقام إِلَى مقام آخر مَا لَمْ يستوف أحكام ذَلِكَ المقام فان من لا قناعة لَهُ لا يصح لَهُ التوكل ومن لا توكل لَهُ لا يصح لَهُ التسليم، وَكَذَلِكَ من لا توبة لَهُ لا تصح لَهُ الإنابة ومن لا ورع لَهُ لا يصح لَهُ الزهد، والمقام هُوَ الإقامة كالمدخل بمعنى الإدخال والمخرج بمعنى الإخراج، ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة اللَّه تَعَالَى إياه بِذَلِكَ المقام ليصح بناء أمره عَلَى قاعدة صحيحة، سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول: لما دَخَلَ الواسطي بنيسابور سأل أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان بماذا كَانَ يأمركم شيخكم؟ فَقَالُوا: كَانَ يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التفسير فِيهَا، فَقَالَ: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عَنْهَا برؤية منشئها ومجريها، وإنما أراد الواسطي بِهَذَا صبيانهم عَن محل الإعجاب لا تعريجًا فِي أوطان للتقصير أَوْ تجويزًا للإخلال بأدب من الأداب،
vol. 1, p. 154ومن ذَلِكَ الحال والحال عِنْدَ الْقَوْم: معنى يرد عَلَى القلب من غَيْر تعمد مِنْهُم ولا اجتلاب ولا اكتساب لَهُمْ من طرب أَوْ حزن أَوْ بسط أَوْ قبض أَوْ شوق أَوِ انزعاج أَوْ هيبة أَوِ احتياج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من غَيْر الوجود والمقامات تحصل ببذل المجهود وصاحب المقام ممكن فِي مقامه وصاحب الحال مترق عَن حاله.