باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة

335 paragraphs · vol. 1, p. 34

Page 9 of 9

  1. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: قَالَ بَعْض المشايخ لواحد: أيش تمحو وأيش تثبت؟ فسكت الرجل فَقَالَ: أما علمت أَن الوقت محو وإثبات إذ من لا محو لَهُ ولا إثبات فَهُوَ معطل مهمل وينقسم إِلَى محو الزلة عَنِ الظواهر ومحو الغفلة عَنِ الضمائر ومحو العلة عَنِ السرائر، ففي محو الزلة إثبات المعاملات، وَفِي محو الغفلة إثبات المنازلات، وَفِي محو العلة إثبات المواصلات، هَذَا محو وإثبات بشرط العبودية، وَأَمَّا حقيقة المحو والإثبات فصادران عَنِ القدرة فالمحو مَا ستره الحق ونفاه والإثبات مَا أظهره الحق وأبداه والمحو والإثبات مقصوران عَلَى المشيئة قَالَ اللَّه تَعَالَى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: ٣٩] قيل: يمحو عَن قلوب العرافين ذكر غَيْر اللَّه تَعَالَى ويثبت عَلَى ألسنة المريدين ذكر اللَّه ومحو الحق لكل أحد وإثباته عَلَى مَا يليق بحاله ومن محاه الحق سبحانه عَن مشاهدة أثبته بحق حقه

    vol. 1, p. 181ومن محاه الحق عَن إثباته بِهِ رده إِلَى شهود الأغيار وأثبته فِي أودية التفرقة.

    وَقَالَ رجل للشبلي رحمه اللَّه: مالي أراك قلقا أليس هُوَ معك وأنت مَعَهُ؟ فَقَالَ الشبلي: لو كنت أنا مَعَهُ كنت أنا ولكني محو فيما هُوَ والمحق فَوْقَ المحو، لأن المحو يبقى أثرا والمحق لا يبقى أثرا وغاية همة الْقَوْم أَن يمحقهم الحق عَن شاهدهم ثُمَّ لا يردهم إِلَيْهِ بَعْد مَا محقهم عَنْهُم

    vol. 1, p. 182ومن ذَلِكَ الستر والتجلي العوام فِي غطاء الستر والخواص فِي دوام التجلي وَفِي الْخَبَر: إِن اللَّه إِذَا تجلي لشيء خشع لَهُ فصاحب الستر بوصف شهوده وصاحب التجلي أبدا بنعت خشوعه والستر للعوام عقوبة وللخواص رحمة، إذ لولا أَنَّهُ يستر عَلَيْهِم مَا يكاشفهم بِهِ لتلاشوا عِنْدَ سلطان الحقيقة ولكنه كَمَا يظهر لَهُمْ يستر عَلَيْهِم.

    vol. 1, p. 180
  2. سمعت مَنْصُور المغربي يَقُول: وافي بَعْض الفقراء حيا من أحياء العرب فأضافة شاب فبينا الشاب فِي خدمة هَذَا الفقير إذ غشي عَلَيْهِ فسأل الفقير عَن حاله فَقَالُوا لَهُ: بنت عم وَقَدْ علقهم فمشت فِي خيمتها فرأى الشاب غبار ذيلها فغشي عَلَيْهِ فمضى الفقير إِلَى بَاب الخيمة وَقَالَ: إِن للغريب فيكم حرمة وذماما وَقَدْ جئت مستشفعا إليك فِي أمر هَذَا الشاب فتعطفي عَلَيْهِ فيما هُوَ بِهِ من هواك، فَقَالَتْ: سبحان اللَّه أَنْتَ سليم القلب إنه لا يطيق شهود غَيْر ذيلي فكيف يطيق صحبتي؟ وعوام هذه الطائفة عيشهم فِي التجلي وبلاؤهم فِي الستر، وَأَمَّا الخواص: فَهُمْ بَيْنَ طيش وعيش، لأنهم إِذَا تجلى لَهُمْ طاشوا وإذا ستر عَلَيْهِم ردوا إِلَى الحظ فعاشوا،

    vol. 1, p. 183وقيل: إِنَّمَا قَالَ الحق تَعَالَى لموسى عَلَيْهِ السَّلام {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: ١٧] ليستر عَلَيْهِ ببعض مَا يعلله بِهِ بَعْض مَا أثر فِيهِ من المكاشفة بفاجأة السماع وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه فِي اليوم سبعين مرة والاستغفار طلب الستر ولأن الغفر هُوَ الستر ومنه غفر الثوب والمغفرة وغيره فكأنه أخبر أَنَّهُ يطلب الستر عَلَى قلبه عِنْدَ سطوات الحقيقة إذ الخلق لا بقاء لَهُمْ مَعَ وجود الحق وَفِي الْخَبَر لو كشف عَن وجهه لحرقت سبحات وجهه مَا أدرك بصره

    vol. 1, p. 184ومن ذَلِكَ المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة ابتداء ثُمَّ المكاشفة ثُمَّ المشاهدة فالمحاضرة حضور القلب وَقَدْ يَكُون بتواتر البرهان وَهُوَ بَعْد وراء الستر وإن كَانَ حاضرا باستيلاء سلطان الذكر ثُمَّ بعده المكاشفة وَهُوَ حضوره بنعت البيان غَيْر مفتقر فِي هذه الحالة إِلَى تأمل الدليل وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب عَن نعت الغيب ثُمَّ المشاهدة وَهِيَ حضور الحق من غَيْر بقاء تهمة فَإِذَا أصحت سماء السر عَن غيوم الستر فشمس الشهود مشرقة عَن برج الشرف وحق المشاهدة مَا قاله الجنيد رحمه اللَّه: وجود الحق مَعَ فقدانك فصاحب المحاضرة مربوط بآياته وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته وصاحب المشاهدة ملقي بذاته وصاحب

    المحاضرة يهديه عقله وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته وَلَمْ يزد فِي بيان تحقيق المشاهدة أحد عَلَى مَا قاله عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي رحمه اللَّه ومعني مَا قاله أَنَّهُ تتوالى أنوار التجلي عَلَى قلبه من غَيْر أَن يتخللها ستر وانقطاع كَمَا لو قدر اتصال البروق فكما أَن الليلة الظلماء بتوالي البروق فِيهَا واتصالها إِذَا قدرت تصير فِي ضوء النهار فَكَذَلِكَ القلب إِذَا دام بِهِ دوام التجلي متع نهاره فلا ليل وأنشدوا:

    ليلي بوجهك مشرق ... وظلامه فِي النَّاس ساري

    vol. 1, p. 185والناس فِي سدف الظلام ... ونحن فِي ضوء النهار

    وَقَالَ النوري: لا يصح للعبد المشاهدة وَقَدْ بقي لَهُ عرق قائم وَقَالَ إِذَا طلع الصباح استغني عَنِ المصباح وتوهم قوم أَن المشاهدة تشير إِلَى طرف من التفرقة، لأن بَاب المفاعلة فِي العربية بَيْنَ اثنين وَهَذَا وَهُمْ من صاحبه فَإِن فِي ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقتضي مشاركة الاثنين نَحْو سافر وطارق النعل وأمثاله وأنشدوا:

    فلما استبان الصبح أدرك ضوؤه ... بأنواره أنوار ضوء الكواكب

    يجرعهم كأسا لو ابتلي بِهِ ... اللظى بتجريعه طارت كأسرع ذاهب

    كأس وأي كأس تصطلمهم عَنْهُم وتفنيهم وتخطفهم مِنْهُم ولا تبقيهم كأس لا تبقي ولا تذر تمحوهم بالكلية ولا تبقي شظية من آثر البشرية كَمَا قَالَ قائلهم: ساروا فلم يبق لا رسم ولا أثر

    vol. 1, p. 186ومن ذَلِكَ اللوائح والطوالع واللوامع قَالَ الأستاذ هذه الألفاظ متقاربة المعنى لا يكاد يحصل بينها كبير فرق وَهِيَ من صفات أَصْحَاب البدايات الصاعدين فِي الترقي بالقلب فلم يدم لَهُمْ بَعْد ضياء شموس المعارف لكن الحق سبحانه وتعالى يؤتي رزق قلوبهم فِي كُل حِينَ كَمَا قَالَ وَلَهُمْ رزقهم فِيهَا بكرة وعشيا فكلما أظلم عَلَيْهِم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لَهُمْ فِيهَا لوائح الكشف وتلألأ لوامع القرب وَهُمْ فِي زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح فَهُمْ كَمَا قَالَ القال: يا أيها البرق الَّذِي يلمع من أي أكناف السما تسطع فتكون أولا لوائح ثُمَّ لوامع ثُمَّ طوالع فاللوائح كالبروق مَا ظهرت حَتَّى استترت كَمَا قَالَ القائل: افترقنا حولا فلما التقينا كَانَ تسليمه عَلِي وداعا وأنشدوا:

    يا ذا الَّذِي زار وَمَا زار ... كَأَنَّهُ مقتبس نارا

    مر بباب الدار مستعجلا ... مَا ضره لو دَخَلَ الدارا

    واللوامع أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فَقَدْ تبقى اللوامع وقتين وثلاثة ولكن كَمَا قَالُوا: والعين باكية لَمْ تشبع النظرا

    vol. 1, p. 187وكما قَالُوا: لَمْ ترد ماء وجهه العين إلا شرقت قبل ريها برقيب فَإِذَا لمع قطعك عَنْك وجمعك بِهِ لكن لَمْ يسفر نور نهاره حَتَّى كر عَلَيْهِ عساكر الليل فهؤلاء بَيْنَ روح ونوح، لأنهم بَيْنَ كشف وستر كَمَا قَالُوا: فالليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحقنا رداء مذهبا الطوالع أبقى وقتا وأقوى سلطانا وأدوم مكثا وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة لكنها موقفة عَلَى خطر الأقوال ليست برفيعة الأوج ولا بدائمة المكث ثُمَّ أوقات حصولها وشيكة الارتحال وأحوال أفوالها طويلة الأذيال وَهَذَهِ المعاني الَّتِي هِيَ اللوائح واللوامع والطوالع تختلف فِي القضايا فمنها مَا إِذَا فات لَمْ يبق عَنْهَا أثر كالشوارق إِذَا أفلت فكأن الليل كَانَ دائما ومنها مَا يبقى عَنْهُ أثر فَإِن زال رقمه بقي ألمه وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بَعْد سكون غلباته يعيش فِي ضياء بركاته فإلي أَن يلوح ثانيا يرجى وقته عَلَى انتظار عوده ويعيش بِمَا وجد فِي حِينَ كونه

  3. ومن ذَلِكَ البواده والهجوم البواده مَا يفاجأ قلبك من الغيب عَلَى سبيل الوهلة إِمَّا موجب فرح وإما موجب ترح والهجوم مَا يرد عَلَى القلب بقوة الوقت من غَيْر تصنع منك ويختلف فِي الأنواع عَلَى حسب قوة الوارد وضعفه فمنهم من تغيره البواده وتصرفه الهواجم وَمِنْهُم من يَكُون فَوْقَ مَا يفجؤه حالا وقوة أولئك سادت الوقت كَمَا قيل: لا تهتدي نوب الزَّمَان إليهم وَلَهُمْ عَلَى الخطب الجليل لجام

    vol. 1, p. 189ومن ذَلِكَ التلوين والتمكين التلوين صفة أرباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق فَمَا دام العبد فِي الطريق فَهُوَ صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إِلَى حال وينتقل من وصف إِلَى وصف ويخرج من مرحل ويحصل فِي مربع فَإِذَا وصل تمكن وأنشدوا:

    ما زلت أنزل فِي ودادك منزلا ... تتحير الألباب دُونَ نزوله

    وصاحب التلوين أبدا فِي الزيادة وصاحب التمكين وصل ثُمَّ اتصل وأمارة أَنَّهُ اتصل أَنَّهُ بالكلية من كليته بطل.

    vol. 1, p. 188
  4. وَقَالَ بَعْض المشايخ انتهى سفر الطالبين إِلَى الظفر بنفوسهم فَإِذَا ظفروا بنفوسهم فَقَدْ وصلوا.

    قَالَ الأستاذ رحمه اللَّه: يريد بِهِ انخناس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة فَإِذَا دام للعبد هذه الحالة فَهُوَ صاحب تمكين كَانَ الشيخ أَبُو عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام صاحب تلوين فرجع من سماع الْكَلام واحتاج إِلَى ستر وجهه لأنه أثر فِيهِ الحال، ونبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صاحب تمكين فرجع كَمَا ذهب لأنه لَمْ يؤثر فِيهِ مَا شاهده تلك الليلة وَكَانَ يتشهد عَلَى هَذَا بقصة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام أَن النسوة اللاتي رأين يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام قطعن أيديهم لما ورد عليهن من شهود يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام عَلَى وجه الفجأة وامرأة

    vol. 1, p. 190الْعَزِيز كانت أتم فِي بلاء يُوسُف منهن ثُمَّ لَمْ تتغير عَلَيْهَا شعرة ذَلِكَ اليوم لأنها كانت صاحبة تمكين فِي حَدِيث يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام.

  5. وَقَالَ الأستاذ واعلم أَن التغير بِمَا يرد عَلَى العبد يَكُون لأحد أمرين: إِمَّا لقوة الوارد أَوْ لضعف صاحبه والسكون من صاحبه لأحد أمرين: إِمَّا لقوته أَوْ لضعف الوارد عَلَيْهِ.

  6. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: أصول الْقَوْم فِي جواز دوام التمكين تتخرج عَلَى وجهين أحدهما لا سبيل إِلَيْهِ لأنه قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو بقيتم عَلَى مَا كنتم عَلَيْهِ عندي لصافحتكم الملائكة ولأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لي وقت لا يسعني فِيهِ غَيْر ربي عَزَّ وَجَلَّ أخبر عَن وقت مخصوص قَالَ رحمه اللَّه تَعَالَى والوجه الثَّانِي أَنَّهُ يصح دوام الأحوال، لأن أهل الحقائق ارتقوا عَن وصف التأثر بالطوارق والذي فِي الْخَبَر أَنَّهُ قَالَ: لصافحتكم الملائكة فلم يعلق الأمر فِيهِ عَلَى أمر مستحيل ومصافحة الملائكة دُونَ مَا أثبت لأهل البداية من قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بِمَا يصنع

    vol. 1, p. 191وَمَا قَالَ لي وقت قائما قَالَ عَلَى حسب فَهُم السامع وَفِي جَمِيع أحواله كَانَ قائما بالحقيقة والأولى أَن يقال إِن العبد مَا دام فِي الترقي فصاحب تلوين يصح فِي نعته الزيادة فِي الأحوال والنقصان منها فَإِذَا وصل إِلَى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنه الحق سبحانه فِي كُل نفس فلا حد لمقدوراته فَهُوَ فِي الزيادات متلون بَل ملون وَفِي أصل حاله متمكن فأبدا يتمكن فِي حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا قبله ثُمَّ يرتقي عَنْهَا إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه فِي كُل جنس، فأما المصطلم عَن شاهده المستوفي إحساسه بالكلية فللبشرية لا محالة حد فَإِذَا بطل عَن جملته ونفسه وحسه وَكَذَلِكَ عَنِ المكونات بأسرها ثُمَّ دامت بِهِ هذه الغيبة فَهُوَ محو فلا تمكين لَهُ إذن ولا تلوين ولا مقام ولا حال وما دام بِهَذَا الوصف فلا تشريف ولا تكليف اللَّهُمَّ إلا أَن يرد بِمَا يجري عَلَيْهِ من غَيْر شَيْء منه فذلك متصرف فِي ظنون الخلق مصرف فِي التحقيق قَالَ اللَّه تعالي: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: ١٨] وبالله التوفيق

    vol. 1, p. 192ومن ذَلِكَ التقرب والبعد أول رتبة فِي القرب القرب من طاعته والاتصاف فِي دوام الأوقات بعبادته.

  7. وَأَمَّا البعد فَهُوَ التدنس بمخالفته والتجافي عَن طاعته فأول البعد بَعْد عَنِ التوفيق ثُمَّ بَعْد عَنِ التحقيق بَل البعد عَنِ التوفيق هُوَ البعد عَنِ التحقيق قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخبرا عَنِ الحق سبحانه: مَا تقرب إلي المتقربون بمثل أداء مَا افترضت عَلَيْهِم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حَتَّى يحبني وأحبه فَإِذَا أحببته كنت لَهُ سمعا وبصرا فبي يبصر وبي يسمع الخير فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه ثُمَّ قرب بإحساسه وتحقيقه وقرب الحق سبحانه مَا يخصه اليوم بِهِ من العرفان وَفِي الآخرة مَا يكرمه بِهِ من الشهود والعيان وَفَيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بوجود اللطف والامتنان ولا يَكُون قرب العبد من الحق إلا ببعدنا من الخلق وَهَذَهِ من صفات القلوب دُونَ أحكام الظواهر والكون فقرب الحق سبحانه بالعلم والقدرة عام للكافة وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ثُمَّ بخصائص التأنيس مختص بالأولياء قَالَ اللَّه تعالي: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: ١٦] وَقَالَ تعالي: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} [الواقعة: ٨٥] وَقَالَ تعالي {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤] وَقَالَ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: ٧] ومن تحقق بقرب الحق سبحانه وتعالى فأدونه دوام مراقبته إياه لأنه عَلَيْهِ رقيب التقوى ثُمَّ رقيب الحفاظ والوفاء ثُمَّ رقيب الحياء

  8. وأنشدوا:
  9. كأن رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعي ناظري ولساني

    فَمَا رمقت عيناي بعدك منظرا ... يسوؤك إلا قُلْت: قَدْ رقاني

    ولا بدرت من فِي دونك لفظة ... لغيرك إلا قُلْت: قَدْ سماني

    ولا خطرت فِي السر بعدك خطرة ... لغيرك إلا عرجا بعناني

    وإخوان صدق قَدْ سئمت حَدِيثهم ... وأمسكت عَنْهُم ناظري ولساني

    وَمَا الزهد أسلي عَنْهُم غَيْر أنني ... وجدجتك مشهودي بكل مكان

    وَكَانَ بَعْض المشايخ يخص واحدا من تلامذته إقباله عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابه لَهُ فِي ذَلِكَ فدفع إلي كُل واحد مِنْهُم طيرا وَقَالَ اذبحوه بحيث لا يراه أحد فمضى كُل واحد وذبح الطير بمكان خال وجاء هَذَا الإِنْسَان والطير مَعَهُ غَيْر مذبوح فسأله الشيخ فَقَالَ: أمرتني أَن أذبحه بحيث لا يراه أحد وَلَمْ يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه فَقَالَ الشيخ لِهَذَا أقدم هَذَا عليكم إذ الغالب عليكم حَدِيث الخلق وَهَذَا غَيْر غافل عَنِ الحق ورؤية القرب حجاب عَنِ القرب فمن شاهد لنفسه محلا أَوْ نفسا فَهُوَ ممكور بِهِ ولهذا قَالُوا أوحشك اللَّه تَعَالَى من قربه أي من شهودك لقربه فَإِن الاستئناس بقربه من سمات العزة بِهِ إذ الحق سبحانه وراء كُل أَنَس وإن مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو وَفِي قريب من هَذَا قَالُوا: محنتي فيك إنني مَا أبالي بمحنتي قربكم مثل بعدكم فَمَتَى وقعت راحتي وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق رحمه اللَّه كثيرا مَا ينشد:

    ودادكم هجر وحبكم قلى ... وقربكم بَعْد وسلمكم حرب

    vol. 1, p. 194ورأى أَبُو الْحُسَيْن النوري بَعْض أَصْحَاب أَبِي حمزة فَقَالَ: أَنْتَ من أَصْحَاب أَبِي حمزة الَّذِي يشير إِلَى القرب، إِذَا لقيته فقل لَهُ إِن أبا الْحُسَيْن النوري يقرئك السَّلام وَيَقُول لَك: قرب القرب فيما نحن فِيهِ بَعْد البعد فأما القرب بالذات فتعالى اللَّه الْمَلِك الحق عَنْهُ فَإِنَّهُ متقدس عَنِ الحدود والأقطار والنهاية والمقدار مَا اتصل بِهِ مخلوق ولا انفصل عَنْهُ حادث مسبوق بِهِ جلت العملية عَن قبول الوصل والفصل فقرب هُوَ فِي نعته محال وَهُوَ تداني الذوات وقرب هُوَ واجب فِي نعته وَهُوَ قرب بالعلم والرؤية وقرب هُوَ جائز فِي وصفه يخص بِهِ من يشاء من عباده وَهُوَ قرب الفضل باللطف

    vol. 1, p. 195ومن ذَلِكَ الشريعة والحقيقة الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوية فَكُل شريعة غَيْر مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول وكل حقيقة غَيْر مقيدة بالشريعة فغير محصول فالشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عَن تصريف الحق فالشريعة أَن تعبده والحقيقة أَن تشهده والشريعة قيام بِمَا أمر والحقيقة شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر.

  10. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: قَوْله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: ٥] حفظ الشريعة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥] إقرار بالحقيقة.

  11. واعلم أَن الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره والحقيقة أَيْضًا شريعة من حيث إِن المعارف بِهِ سبحانه أَيْضًا وجبت بأمره

    vol. 1, p. 196ومن ذَلِكَ النفس ترويح القلوب بلطائف الغيوب وصاحب الأنفاس أرق وأصفي من صاحب الأحوال فكان صاحب الوقت مبتدئا وصاحب الأنفاس منتهيا وصاحب الأحوال بينهما فالأحوال وسائط والأنفاس نهاية الترقي فالأوقات لأَصْحَاب القلوب والأحوال لأرباب الأرواح والأنفاس لأهل السرائر وَقَالُوا أفضل العبادات عد الأنفاس مَعَ اللَّه سبحانه وتعالى وَقَالُوا خلق اللَّه القلوب وجعلها معادن المعرفة وخلق الأسرار وراءها وجعلها محلا للتوحيد فَكُل نفس حصل من غَيْر دلالة المعرفة وإشارة التوحيد عَلَى بساط الاضطرار فَهُوَ ميت وصاحبه مسئول عَنْهُ.

  12. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: العارف لا يسلم لَهُ النفس لأنه لا مسامحة تجري مَعَهُ والمحب لا بد لَهُ من نفس إذ لولا أَن يَكُون لَهُ نفس لتلاشى لعدم طاقته

    vol. 1, p. 197ومن ذَلِكَ الخواطر والخواطر خطاب يرد عَلَى الضمائر فَقَدْ يَكُون بإلقاء الشَّيْطَان ويكون أحاديث النفس ويكون من قبل الحلق سبحانه فَإِذَا كَانَ من الْمَلِك فَهُوَ الإلهام وإذا كَانَ من قبل النفس قيل لَهُ الهواجس وإذا كَانَ من قبل الشَّيْطَان فَهُوَ الوسواس وإذا كَانَ من قبل اللَّه سبحانه وتعالى وإلقائه فِي القلب فَهُوَ خاطر حق وجملة ذَلِكَ من قبيل الْكَلام فَإِذَا كَانَ من قبل الْمَلِك فإنما يعلم صدقه بموافقة العلم ولهذا قَالُوا كُل خاطر لا يشهد لَهُ ظاهر فَهُوَ باطل وإذا كَانَ من قبل الشَّيْطَان فأكثره مَا يدعوه عَلَى المعاصي وإذا كَانَ من قبل النفس فأكثره مَا يدعو إِلَى اتباع شهوة أَوِ استشعار كبر أَوْ مَا هُوَ من خصائص أوصاف النفس واتفق المشايخ عَلَى أَن من كَانَ أكله من الحرام لَمْ يفرق بَيْنَ الإلهام والوسواس سمعت الشيخ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: من كَانَ قوته معلوما لَمْ يفرق بَيْنَ الإلهام والوساوس وأن من سكنت عَنْهُ هواجس نَفْسه بصدق مجاهدته نطق بيان قلبه بحكم مكايدته وأجمع الشيوخ عَلَى أَن النفس لا تصدق وأن القلب لا يكذب

    vol. 1, p. 198وَقَالَ بَعْض المشايخ: إِن نفسك لا تصدق وقلبك لا يكذب ولو اجتهدت كُل الجهد أَن تخاطبك روحك لَمْ تخاطبك وفرق الجنيد بَيْنَ هواجس النفس ووساوس الشَّيْطَان بأن النفس إِذَا طالبتك بشيء ألحت فلا تزال تعاودك ولو بَعْد حِينَ حَتَّى تصل إِلَى مرادها ويحصل مقصودها اللَّهُمَّ إلا أَن يدوم صدق المجاهدة ثُمَّ إنها تعاودك وتعاودك وَأَمَّا الشَّيْطَان إِذَا دعاك إِلَى زلة فخالفته بترك ذَلِكَ يوسوس بزلة أُخْرَى، لأن جَمِيع المخالفات لَهُ سواء وإنما يريد أَن يكن داعيا أبدا إِلَى زلة مَا ولا غرض لَهُ فِي تخصيص واحد دُونَ واحد وقيل: كُل خاطر يَكُون من الْمَلِك فربما يوافقه صاحبه وربما يخالفه فأما خاطر يَكُون من الحق سبحانه فلا يحصل خلاف من العبد لَهُ وتكلم الشيوخ فِي الخاطر الثَّانِي إِذَا

    كَانَ الخاطران من الحق سبحانه هل هُوَ أقوى من الأَوَّل فَقَالَ الجنيد: الخاطر الأَوَّل أقوى لأنه إِذَا بقي رجع صاحبه عَلَى التأمل وَهَذَا بشرط العلم فترك الأَوَّل يضعف الثَّانِي وَقَالَ ابْن عَطَاء الثَّانِي أقوى لأنه ازداد قوة بالأول وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف من المتأخرين هما سواء، لأن كليهما من الحق فلا مزية لأحدهما عَلَى الآخر وَالأَوَّل لا يبقى فِي حال وجود الثَّانِي، لأن الآثار لا يَجُوز عَلَيْهَا البقاء

    vol. 1, p. 199ومن ذَلِكَ علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وَهَذَهِ عبارات عَن علوم جلية فاليقين هُوَ العلم الَّذِي لا يتداخل صاحبه ريب عَلَى مطلق العرف ولا يطلق فِي وصف الحق سبحانه لعدم التوقيف فعلم اليقين هُوَ اليقين وَكَذَلِكَ عين اليقين نفس اليقين وحق اليقين نفس اليقين فعلم اليقين عَلَى موجب اصطلاحهم مَا كَانَ بشرط البرهان وعين اليقين مَا كَانَ بحكم البيان وحق اليقين مَا كَانَ بنعت العيان فعلم اليقين لأرباب العقول وعين اليقين لأَصْحَاب العلوم وحق اليقين لأَصْحَاب المعارف والكلام فِي الإفصاح عَن هَذَا بحال تحقيقه يعود إِلَى مَا ذكرناه فاقتصرنا عَلَى هَذَا القدر عَلَى جهة التنبيه

    vol. 1, p. 200ومن ذَلِكَ الوارد ويجرى فِي كلامهم ذكر الواردات كثيرا والوارد مَا يرد عَلَى القلوب من الخواطر المحمودة مِمَّا لا يَكُون بتعمد العبد وَكَذَلِكَ مَا لا يَكُون من قبل الخواطر فَهُوَ أَيْضًا وارد ثُمَّ قَدْ يَكُون وارد من الحق ووارد من العلم فالواردات أعم من الخواطر لأن الخواطر تختص بنوع الْخَطَّاب أَوْ مَا يتضمن معناه والواردات تكون وارد سرور ووارد حزن ووارد قبض ووارد بسط إِلَى غَيْر ذَلِكَ من المعاني

    vol. 1, p. 201ومن ذَلِكَ لفظ الشاهد كثيرا مَا يجرى فِي كلامهم لفظ الشاهد فُلان يشاهد العلم وفلان يشاهد الوجد وفلان يشاهد الحال ويريدون بلفظ الشاهد مَا يَكُون حاضر قلب الإِنْسَان وَهُوَ مَا كَانَ الغالب عَلَيْهِ ذكره حَتَّى كَأَنَّهُ يراه ويبصره وإن كَانَ غائبا عَنْهُ فَكُل مَا يستولي عَلَى قلب صاحبه ذكره فَهُوَ يشاهده فَإِن كَانَ الغالب عَلَيْهِ العلم فَهُوَ يشاهد العلم وإن كَانَ الغالب عَلَيْهِ الوجد فَهُوَ

    يشاهد الوجود ومعنى الشاهد الحاضر فَكُل مَا هُوَ حاضر قلبك فَهُوَ شاهدك.

  13. وسئل الشبلي عَنِ المشاهدة فَقَالَ: من أين لنا مشاهدة الحق؟ الحق لنا شاهد، أشار بشاهد الحق إِلَى المستولي عَلَى قلبه والغالب عَلَيْهِ من ذكر الحق والمحضار فِي قلبه دائما من ذكر الحق ومن حصل لَهُ مَعَ مخلوق تعلق بالقلب يقال إنه شاهده يَعْنِي أَنَّهُ حاضر قلبه فَإِنَّهُ المحبة توجب دوام ذكره المحبوب واستيلائه عَلَيْهِ وبعضهم تكلف فِي مراعاة هَذَا الاشتقاق فَقَالَ: إِنَّمَا سمي الشاهد من الشهادة فكأنه إِذَا طالع شخصا يُوسُف الجمال فَإِن كانت بشريته ساقطة عَنْهُ وَلَمْ يشغله شهود ذَلِكَ الشخص عما هُوَ بِهِ من الحال ولا أثرت فِيهِ صحبته بوجه فَهُوَ شاهد لَهُ عَلَى فناء نَفْسه ومن أثر فِيهِ ذَلِكَ فَهُوَ شاهد عَلَيْهِ فِي بقاء نَفْسه

    vol. 1, p. 202وقيامه بأحكام بشريته إِمَّا شاهد لَهُ أَوْ شاهد عَلَيْهِ وعلى هَذَا حمل قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رأيت ربي ليلة المعراج فِي أَحْسَن صورة أي أَحْسَن صورة رأيتها تلك الليلة لَمْ تشغلني عَن رؤيته تَعَالَى بَل رأيت المصور فِي الصورة والمنشئ فِي الإنشاء ويريد بِهِ رؤية العلم لا إدراك البصر

    vol. 1, p. 203ومن ذَلِكَ النفس نفس الشيء فِي اللغة وجوده وعند الْقَوْم لَيْسَ المراد من إطلاق لفظ النفس الوجود ولا القالب الموضوع إِنَّمَا أرادوا بالنفس مَا كَانَ معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أخلاقه وأفعاله ثُمَّ إِن المعلولات من أوصاف العبد عَلَى ضربين: أحدهما يَكُون كسبا لَهُ كمعاصيه ومخالفاته.

  14. وَالثَّانِي أخلاقه الدنيئة فَهِيَ فِي أنفسها مذمومة فَإِذَا عالجها العبد ونازلها تنتفي عَنْهُ بالمجاهدة تلك الأخلاق عَلَى مستمر العادة والقسم الأَوَّل من أحكام النفس مَا نهي عَنْهُ نهي تحريم أَوْ نهي تنزيه وَأَمَّا القسم الثَّانِي من قسمي النفس فسفساف الأخلاق والدنئ منها هَذَا حده عَلَى الجملة ثُمَّ تفصيلها فالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال وغير ذَلِكَ من الأخلاق المذمومة وأشد أحكام النفس وأصعبها توهمها أَن شَيْئًا منها حسن أَوْ أَن لَهَا استحقاق قدر ولهذا عد ذَلِكَ من الشرك الخفي ومعالجة الأخلاق فِي ترك النفس وكسرها أتم من مقاساة الجوع والعطش والسهر وغير ذَلِكَ من المجاهدات الَّتِي تتضمن سقوط القوة وإن كَانَ ذَلِكَ أيضًا من جملة ترك النفس ويحتمل أَن تكون النفس لطيفة مودعة فِي هَذَا القالب هِيَ محل الأخلاق المعلومة

    vol. 1, p. 204كَمَا أَن الروح لطيفة فِي هَذَا القالب هِيَ محل الأخلاق المحمودة وتكون الجملة مسخرا بَعْضهَا لبعض والجميع إِنْسَان واحد وكون الروح والنفس من الأجسام اللطيفة فِي الصورة ككون الملائكة والشياطين بصفة اللطافة وكما يصح أَن يَكُون البصر محل الرؤية والأذن محل السمع والأنف محل الشم والفم محل الذوق والسميع والبصير والشام والذائق إِنَّمَا هِيَ الجملة الَّتِي هِيَ الإِنْسَان فَكَذَلِكَ محل الأوصاف الحميدة القلب والروح ومحل الأوصاف المذمومة النفس والنفس جزء من هذه الجملة والقلب جزء من هذه الجملة والحكم والاسم راجع إِلَى الجملة

    vol. 1, p. 205ومن ذَلِكَ الروح الأرواح مختلف فِيهَا عِنْدَ أهل التحقيق من أهل السنة فمنهم من يَقُول إنها الحياة وَمِنْهُم من يَقُول إنها أعيان مودعة فِي هذه القوالب.

  15. لطيفة أجرى اللَّه العادة بخلق الحياة فِي القالب ما دامت الأرواح فِي الأبدان فالإِنْسَان حي بالحياة ولكن الأرواح مودعة فِي القوالب وَلَهَا ترق فِي حال النوم ومفارقة للبدن ثُمَّ رجوع إِلَيْهِ وأن الإِنْسَان هُوَ الروح والجسد، لأن اللَّه سبحانه وتعالى سخر هذه الجملة بَعْضهَا لبعض والحشر يَكُون للجملة والمثاب والمعاقب الجملة والأرواح مخلوقة ومن قَالَ بقدمها فَهُوَ مخطئ خطأ عظيما والأخبار تَدُل عَلَى أَنَّهَا أعيان لطيفة

    vol. 1, p. 206ومن ذَلِكَ السر يحتمل أَنَّهَا لطيفة مودعة فِي القالب كالأرواح وأصولهم تقتضي أَنَّهَا محل المشاهدة كَمَا أَن الأرواح محل للمحبة والقلوب محل للمعارفة وَقَالُوا السر مَالِك عليك إشراف وسر السر مَا لا اطلاع عَلَيْهِ لغير الحق وعند الْقَوْم عَلَى موجب مواصفاتهم ومقتضى أصولهم السر ألطف من الروح والروح أشرف من القلب ويقولون الأسرار معتقة عَن رق الأخبار من الآثار والأطلال ويطلق لفظ السر عَلَى مَا يَكُون مصونا مكتوما بَيْنَ العبد والحق سبحانه فِي الأحوال وعليه يحمل قَوْل من قَالَ: أسرارنا بَكْر لَمْ يفتضها وَهُمْ واهم، ويقولون: صدور الأحرار قبور الأسرار، وَقَالُوا: لو عرف زرى سري لطرحته، فهذا طرف من تفسير إطلاقاتهم وبيان عباراتهم فيما انفردوا بِهِ من ألفاظ ذكرناها عَلَى شرط الإيجاز، ونذكر الآن أبوابا فِي شرح المقامات الَّتِي هِيَ مدراج أرباب السلوك ثُمَّ بعدها أبوابا فِي تفصيل الأحوال عَلَى الحد الَّذِي يسهله اللَّه بفضله إِن شاء اللَّه تَعَالَى.