باب الشكر
57 paragraphs · vol. 1, p. 311
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 324
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الصبر كاسمه.
-
وأنشدني الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: أنشدني أَبُو بَكْر الرازي، قَالَ: أنشدني ابْن عَطَاء لنفسه:
سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة ... وحسبي أَن ترضى ويتلفني صبري
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: الصبر عَلَى ثلاثة أقسام: متصبر وصابر وصبار.
وَقَالَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصبر مطية لا تكبو.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البصري، يَقُول: وقف رجل عَلَى الشبلي، فَقَالَ: أي صبر أشد عَلَى الصابرين؟ فَقَالَ: الصبر فِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: لا، فَقَالَ: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: الصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: فأي شَيْء؟ قَالَ: الصبر عَنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ: فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أَن تتلف، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان، يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري، يَقُول: الصبر أَن لا يفرق بَيْنَ حال النعمة والمحنة مَعَ سكون الخاطر فيهما، والتصبر هُوَ السكون مَعَ البلاء مَعَ وجدان أثقال المحنة، وأنشد بَعْضهم:
صبرت وَلَمْ أطلع هواك عَلَى صبري ... وأخفيت مَا بي منك عَن موضع الصبر
مخافة أَن يشكو ضميري صبابتي ... إِلَى دمعتي سرا فتجري ولا أدري
- سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول:
- vol. 1, p. 325
فاز الصابرون بعز الدارين، لأنهم نالوا من اللَّه تَعَالَى معيته، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ١٥٣] ، وقيل: فِي معنى قَوْله: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: ٢٠٠] ، الصبر دُونَ المصابرة، والمصابرة دُونَ المرابطة، وقيل: اصبروا بنفوسكم عَلَى طاعة اللَّه تَعَالَى، وصابروا بقلوبكم عَلَى البلوى فِي اللَّه تَعَالَى، ورابطوا بأسراركم عَلَى الشوق إِلَى اللَّه تَعَالَى، وقيل: اصبروا فِي اللَّه تَعَالَى وصابروا بالله تَعَالَى ورابطوا مَعَ اللَّه تَعَالَى.
-
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلام: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور، وقيل: تجرع الصبر فَإِن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا، وقيل: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى عناء، والصبر بالله تَعَالَى بقاء، والصبر فِي اللَّه تَعَالَى بلاء، والصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى وفاء، والصبر عَنِ اللَّه تَعَالَى جفاء، وأنشدوا:
والصبر عَنْك فمذموم عواقبه ... والصبر فِي سائر الأشياء محمود
- وأنشدوا:
-
وكيف الصبر عمى حل منى ... بمنزلة اليمين من الشمال
إِذَا لعب الرجال بكل شَيْء ... رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل الصبر عَلَى الطلب عنوان الظفر والصبر فِي المحن عنوان الفرج.
-
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: جرد واحد للسياط فلما رد إِلَى السجن دعا ببعض أَصْحَابه فتفل عَلَى يده وألقى من فمه دقاق الفضة عَلَى يده فسئل فَقَالَ: كَانَ فِي فمي درهمان وَكَانَ عَلَى حاشية الحلقة لي عين لَمْ أرد أَن أصيح لرؤيته إياي فكنت أعض عَلَى الدرهمين فتكسرا فِي فهمي
vol. 1, p. 326وقيل: حالك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا رباطك وَمَا دُونَ اللَّه تَعَالَى أعداؤك فأحسن المرابطة فِي رباط حالك.
-
وقيل: المصابرة هِيَ الصبر عَلَى الصبر حَتَّى يستغرق الصبر فِي الصبر فيعجز الصبر عَنِ الصبر كَمَا قيل: صابر الصبر فاستغاث بِهِ الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا وقيل حبس الشبلي وقتا فِي المارستان فدخل عَلَيْهِ جَمَاعَة فَقَالَ: من أنتم؟ فَقَالُوا: أحباؤك جاءوا زائرين فأخذ يرميهم بالحجر وأخذوا يهربون فَقَالَ: يا كذابون لو كنتم أحبائي لصبرتم عَلَى بلائي وَفِي بَعْض الأخبار: بعيني مَا لَمْ يتحمل المتحملون من أجلى وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: ٤٨] وَقَالَ بَعْضهم: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فرأيت فقيرا طاف بالبيت وأخرج من جيبه رقعة ونظر فِيهَا ومر فلما كَانَ بالغد فعل مثل ذَلِكَ فترقبته أياما وَهُوَ يفعل مثله فيوما من الأيام طاف ونظر فِي الرقعة وتباعد قليلا وسقط ميتا فأخرجت الرقعة من جيبه فَإِذَا فِيهَا: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: ٤٨] وقيل: رؤى حدث يضرب وجه شيخ بنعله فقيل لَهُ: ألا تستحي تضرب حر وجه شيخ مثل هَذَا فَقَالَ: جرمه عظيم فقيل: وَمَا ذاك؟ فَقَالَ: هَذَا الشيخ يدعى أَنَّهُ يهواني ومنذ ثَلاث مَا رآني، وَقَالَ بَعْضهم: دخلت بلاد الهند فرأيت رجلا بفرد عين يسمى فلانا الصبور فسألت عَن حاله فقيل هَذَا فِي عنفوان شبابه سافر صديق لَهُ فخرج فِي وداعه فدمعت إحدى عينيه وَلَمْ تبك الأخرى فَقَالَ: لعينه الَّتِي لَمْ تدمع لِمَ لَمْ تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه فمنذ ستين سنة لَمْ يفتح عينه.
- vol. 1, p. 327
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا} [المعارج: ٥] الصبر الجميل أَن يَكُون صاحب المصيبة فِي الْقَوْم لا يدرى من هُوَ وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رضى اللَّه عَنْهُ: لو كَانَ الصبر والشكر بعيرين لَمْ أبال أيهما ركبت وَكَانَ ابْن شبرمة إِذَا نزل بِهِ بلاء قَالَ: سحابة ثُمَّ تنقشع وَفِي الْخَبَر.
-
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عَنِ الإيمان فَقَالَ: الصبر والسماحة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ الصُّوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّيجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ
وسئل السري عَنِ الصبر فجعل يتكلم فِيهِ فدب عَلَى رجله عقرب وَهِيَ تضربه بإبرتها ضربات كثيرة وَهُوَ ساكن فقيل لَهُ: لِمَ لَمْ تنحها؟ قَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أتكلم فِي الصبر وَلَمْ أصبر وَفِي بَعْض الأخبار: الفقراء الصبر هُمْ جلساء اللَّه يَوْم الْقِيَامَة.
-
وأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني فَقُلْتُ: عبدي كَيْفَ أرحمك من شَيْء بِهِ أرحمك وَقَالَ ابْن عيينة فِي معنى قَوْله تَعَالَى: وجعلنا مِنْهُم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا قَالَ: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: إِن الصبر حده أَن لا تعترض عَلَى التقدير فأما إظهار البلاء عَلَى غَيْر وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قصة أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: ٤٤] مَعَ مَا أَخْبَرَنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: ٨٣]
- vol. 1, p. 328
وسمعته يَقُول: استخرج اللَّه منه هذه المقالة يَعْنِي قَوْله: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: ٨٣] لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.
وَقَالَ بَعْضهم: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: ٤٤] وَلَمْ يقل: صبورا لأنه لَمْ يكن جَمِيع أحواله الصبر بَل كَانَ فِي بَعْض أحواله يستلذ البلاء ويستعذبه فلم يكن فِي حالة الاستلذاذ صابرا فلذلك لَمْ يقل صبورا.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: حقيقة الصبر الخروج من البلاء عَلَى حسب الدخول فِيهِ مثل أيوب عَلَيْهِ السَّلام قَالَ فِي آخر بلائه: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: ٨٣] فحفظ أدب الْخَطَّاب حيث عرض بقوله: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: ٨٣] وَلَمْ يصرح بقوله ارحمني.
-
واعلم أَن الصبر عَلَى ضريين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أَن يَكُون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أَن يَكُون مرفوضا.
-
وَفِي معناه أنشدوا:
تبين يَوْم البين أَن اعتزامه ... عَلَى الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وَفِي هَذَا المعني سمعت الأستاذ أبا عَلي رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول أصبح يعقوب عَلَيْهِ السَّلام وَقَدْ وعد الصبر من نَفْسه فَقَالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: ٨٣] أي: فشأني صبر جميل , ثُمَّ لَمْ يمس حَتَّى قَالَ {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: ٨٤] .