باب الفتوة
202 paragraphs · vol. 1, p. 380
Page 1 of 6
- vol. 1, p. 380
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: ١٣] قَالَ الأستاذ: أصل الفتوة أَن يَكُون العبد أبدا فِي أمر غيره قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يزال اللَّه تَعَالَى فِي حاجة العبد مَا دام العبد فِي حاجة أخيه المسلم
أَخْبَرَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمَزَ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول هَذَا الخلق لا يَكُون كماله إلا لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِن كُل أحد فِي الْقِيَامَة يَقُول: نفسي نفسي وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: أمتي أمتي.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الفتوة بالشأم واللسان بالعراق والصدق بخراسان.
-
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصير بْن مَنْصُور الصائغ يَقُول: سمعت ابْن مردويه الصائغ يَقُول: سمعت الفضل يَقُول: الفتوة الصفح عَن عثرات الإخوان.
-
وقيل: الفتوة أَن لا ترى لنفسك فضلا عَلَى غيرك وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق الفتى من لا يَكُون خصما لأحد.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن تكون خصما لربك عَلَى نفسك ويقال: الفتى من لا خصم لَهُ
vol. 1, p. 381سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول سمي أَصْحَاب الكهف فتية، لأنهم آمنوا بالله تَعَالَى بلا واسطة وقيل: الفتى من كسر الصنم قَالَ اللَّه تَعَالَى: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء: ٥٨] وصنم كُل إِنْسَان نَفْسه فمن خالف هواه فَهُوَ فتى عَلَى الحقيقة.
وَقَالَ الحرث المحاسبي: الفتوة أَن تنصف ولا تنتصف وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان المكي: الفتوة حسن الخلق.
-
وسئل الجنيد عَنِ الفتوة فَقَالَ: أَن لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا وَقَالَ النصرأباذي: المروءة شُعْبَة من الفتوة وَهُوَ الإعراض عَنِ الكونين والأنفة منهما وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن يستوي عندك المقيم والطارئ.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت أبا سهل بْن زِيَاد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل يَقُول سئل أَبِي مَا الفتوة؟ فَقَالَ: ترك مَا تهوى لما تخشى وقيل لبعضهم: مَا الفتوة فَقَالَ: أَن لا يميز بَيْنَ أَن يأكل عنده ولى أَوْ كافر.
-
سمعت بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول: استضاف مجوسي إِبْرَاهِيم الخليل عَلَيْهِ السَّلام فَقَالَ: بشرط أَن تسلم فمر المجوسي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: منذ خمسين سنة نطمعه عَلَى كفره فلو ناولته لقمة من غَيْر أَن تطالبه بتغيير دينه فمضى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام عَلَى أثره حَتَّى أدركه واعتذر إِلَيْهِ فسأله عَنِ السبب فذكر ذَلِكَ لَهُ فأسلم المجوسي.
وَقَالَ الجنيد: الفتوة كف الأذى وبذل الندى وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الفتوة اتباع السنة وقيل: الفتوة الوفاء والحفاظ وقيل: الفتوة فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فِيهَا وقيل: الفتوة أَن لا تهرب إِذَا أقبل السائل
vol. 1, p. 382وقيل: أَن لا تحتجب من القاصدين وقيل: أَن لا تدخر ولا تعتذر وقيل: إظهار النعمة وإسرار المحنة.
-
وقيل أَن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إِن جاء تسعة أَوْ أحد عشر وقيل: الفتوة ترك التمييز.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن خضرويه لأمرأته أم عَلَى أريد أَن أتخذ دعوة أدعو عيارا شاطرا كَانَ فِي بلدهم رأس الفتيان قَالَت امرأته: إنك لا تهتدي إِلَى دعوة الفتيان فَقَالَ: لابد فَقَالَتْ: إِن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحمر وألقها من بَاب دار الرجل إِلَى بَاب دارك فَقَالَ: أما الأغنام والبقر فأعلم فَمَا بال الحمر فَقَالَتْ تدعو فتى إِلَى دارك فلا أقل من أَن يَكُون لكلاب المحلة خير.
-
وقيل: اتخذ بَعْضهم دعوة وفيهم شيخ شيرازي فلما أكلوا وقع عَلَيْهِم النوم فِي حال السماع فَقَالَ الشيخ الشيرازي لصاحب الدعوة: إيش السبب فِي نومنا فَقَالَ: لا أدري اجتهدت فِي جَمِيع مَا أطعمتكم إلا الباذنجان فلم أسأل عَنْهُ فلما اصبحوا سألوا بياع الباذنجان فَقَالَ: لَمْ يكن لي شَيْء فسرقت الباذنجان من الموضع الفلاني وبعته فحملوه إِلَى صاحب الأَرْض ليجعله فِي حل فَقَالَ الرجل: تسألون مني ألف باذنجانة قَدْ وهبته تلك الأَرْض ووهبته ثورين وحمارا وآلة الحرث لئلا يعود إِلَى مثل مَا فعل.
-
وقيل: تزوج رجل بامرأة فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدري فَقَالَ: الرجل اشتكت عيني ثُمَّ قَالَ: عميت فزفت إِلَيْهِ المرأة ثُمَّ ماتت بَعْد عشرين سنة ففتح الرجل عينيه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أعم ولكن تعاميت حذرا أَن تحزن فقيل لَهُ سبقت الفتيان.
-
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي من أراد الظرف فَعَلَيْهِ بسقاة الماء ببغداد
vol. 1, p. 383فقيل لَهُ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ: لما حملت إِلَى الخليفة فيما نسب إِلَى من الزندقة رأيت سقاء عَلَيْهِ عمامة وَهُوَ مترد بمنديل مصري وبيده كيزان خزف رقاق فَقُلْتُ: هَذَا ساقى السلطان فَقَالُوا: لا هَذَا ساقي العامة فأخذت الكوز وشربت وقلت لمن معى أعطه دِينَار فلم يأخذ وَقَالَ: أَنْتَ أسير وليس من الفتوة أَن نأخذ منك شَيْئًا وقيل: لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك قاله بَعْض أصدقائنا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ فتى يسمى أَحْمَد بْن سهل التاجر وَقَد اشتريت منه خرقة بياض فأخذ الثمن رأس ماله فَقُلْتُ: ألا تأخذ ربحا فَقَالَ: أما الثمن فآخذه ولا أحملك منه لأنه لَيْسَ لَهُ من الخطر مَا أتخلق بِهِ معك ولكن لا آخذ الربح إذ لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك.
-
وقيل: خرج إِنْسَان يدعى الفتوة من نيسابور إلى نسا فاستضافه رجل ومعه جَمَاعَة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء عَلَى أيديهم فانقبض النَّيْسَابُورِيّ عَن غسل اليد وَقَالَ: لَيْسَ من الفتوة أَن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال.
فَقَالَ واحد مِنْهُم: أنا منذ سنين أدخل هذه الدار لَمْ أعلم أَن امْرَأَة تصب الماء عَلَى أيدينا أم رجلا.
-
سمعت منصورا المغربي يَقُول: أراد واحد أَن يمتحن نوحا العيار النَّيْسَابُورِيّ فباع منه جارية فِي زي غلام وشرط أَنَّهُ غلام وكانت وضيئة الوجه فاشتراها نوح عَلَى أَنَّهَا غلام ولبثت عنده شهورا كثيرة، فقيل للجارية هل علم أنك جارية؟ فَقَالَتْ: لا إنه مَا مسني ويتوهم أني غلام وقيل: إِن بَعْض الشطار طلب منه تسليم غلام كَانَ يخدمه إِلَى السلطان فأبي فضرب ألف سوط فلم يسلم فاتفق أَنَّهُ احتلم تلك الليلة وَكَانَ بردا شديدا فلما أصبح اغتسل بالماء البارد فقيل لَهُ خاطرت بروحك فَقَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أصبر عَلَى ضرب ألف سوط لأجل مخلوق ولا أصبر عَلَى مقاساة برد الاغتسال لأجله.
- vol. 1, p. 384
وقيل: قدم جَمَاعَة من الفتيان لزيارة وحد يدعى الفتوة فَقَالَ الرجل: يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فَقَالَ الرجل: ثانيا وثالثا فنظر بَعْضهم إِلَى بَعْض وَقَالُوا: لَيْسَ من الفتوة أَن يستخدم الرجل من يتعاصى عَلَيْهِ فِي تقديم السفرة كُل هَذَا فَقَالَ الرجل: لَمْ أبطأت بالسفرة فَقَالَ الغلام: كَانَ عَلَيْهَا نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إِلَى الفتيان مَعَ النمل وَلَمْ يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة فلبثت حَتَّى دب النمل فَقَالُوا: دققت يا غلام مثلك من يخدم الفتيان.
-
وقيل: إِن رجلا نام بالمدينة من الحاج فتوهم أَن هميانه سرق فخرج فرأى جعفرا الصادق فتعلق بِهِ وَقَالَ: أخذت همياني فَقَالَ: إيش كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ: ألف دِينَار فأدخله داره ووزن لَهُ ألف دِينَار فرجع الرجل إِلَى منزله ودخل بيته فرأى هميانه فِي بيته وَقَدْ كَانَ توهم أَنَّهُ سرق فخرج إِلَى جَعْفَر معتذر ورد عَلَيْهِ الدنانير فأبي أَن يقبلها وَقَالَ شَيْء أخرجته من يدي لا أسترده فَقَالَ الرجل: من هَذَا؟ فقيل جَعْفَر الصادق.
-
وقيل: سأل شقيق البلخي جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنِ الفتوة فَقَالَ: مَا تقول أَنْتَ؟ فَقَالَ شقيق: إِن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا قَالَ جَعْفَر الكلاب عندنا بالمدينة كَذَلِكَ نفعل فَقَالَ شقيق: يا ابْن بنت رَسُول اللَّهِ مَا الفتوة عندكم؟ فَقَالَ: إِن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول دعانا أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق ليلة إِلَى بيته فاستقبلنا صديق لنا فقلنا ارجع معنا فنحن فِي ضيافة الشيخ فَقَالَ: إنه لَمْ يدعني فقلنا نحن نستثني كَمَا استثنى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
vol. 1, p. 385فرددناه فلما بلغ بَاب الشيخ أخبرناه بِمَا قَالَ وقلنا فَقَالَ: جعلت موضعي من قلبك أَن تجئ إِلَى منزلي من غَيْر دعوة عَلَى كَذَا وكذا إِن مشيت إِلَى الموضع الَّذِي تقعد فِيهِ إلا عَلَى خدي وألح عَلَيْهِ ووضع خده عَلَى الأَرْض وحمل الرجل , فوضع قدمه عَلَى خده من غَيْر أَن يوجعه وسحب الشيخ وجهه عَلَى الأَرْض إِلَى أَن بلغ موضع جلوسه.
قَالَ الأستاذ: واعلم أَن من الفتوة الستر عَلَى عيوب الأصدقاء لا سيما إِذَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ شماتة الأعداء.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: كَانَ يقال للنصرأباذي كثيرا: إِن عليا القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار وَكَانَ لا يسمع فِيهِ مَا يقال فاتفق أَنَّهُ كَانَ يمشى يوما ومعه واحد مِمَّن يذكر عليا بِذَلِكَ فوجد عليا مطروحا فِي موضع وَقَدْ ظهر عَلَيْهِ أثر السكر وصار بحيث يغسل فمه فَقَالَ: الرجل إِلَى كم نقول للشيخ ولا يسمع؟ هَذَا عَلَى الوصف الَّذِي نقول فنظر إِلَيْهِ النصر أباذي وَقَالَ للعذول: احمله عَلَى رقبتك وانقله إِلَى منزله فلم يجد بدا من طاعته فِيهِ، وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الفارسي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: دخلنا مَعَ أَبِي حفص عَلَى مريض نعوده ونحن جَمَاعَة فَقَالَ للمريض: أتحب أَن تبرأ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لأَصْحَابه تحملوا عَنْهُ فقام العليل وخرج معنا وأصبحنا كلنا أَصْحَاب فراش نعاد.
- vol. 1, p. 386
بَاب الفراسة قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: ٧٥] قيل: للمتفرسين.
-
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الأستاذ: الفراسة خاطر يهجم عَلَى القلب فينفى مَا يضاده وَلَهُ عَلَى القلب حكم اشتقاقا من فريسة السبع وليس فِي مقابلة الفراسة مجوزات للنفس وَهِيَ عَلَى حسب قوة الإيمان فَكُل من كَانَ أقوى إيمانا كن أحد فراسة
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق وتكون مواد علمه من الحق بلا سهو.
-
ولا غفلة بَل حكم حق جرى عَلَى لسان عَبْد.
-
وقوله: نظر بنور الحق يعنى بنور خصه بِهِ الحق سبحانه.
وَقَالَ الواسطي: إِن الفراسة سواطع أنوار لمعت فِي القلوب وتمكين معرفة حملت السرائر فِي الغيوب من غيب إِلَى غيب حَتَّى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق سبحانه إياها فيتكلم عَلَى ضمير الخلق.
-
ويحكى عن أَبِي الْحَسَن الديلمي أَنَّهُ قَالَ: دخلت أنطاكية لأجل أسود قيل لي إنه يتكلم عَلَى الأسرار فأقمت فِيهَا إِلَى أَن أخرج من جبل لكام ومعه شَيْء من المباح يبيعه وكنت جائعا منذ يومين لَمْ آكل شَيْئًا فَقُلْتُ لَهُ: بكم هَذَا وأوهمت أني أشتري مَا بَيْنَ يديه فَقَالَ: اقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك
vol. 1, p. 387مَا تشتري بِهِ شَيْئًا فتركه وسرت إِلَى غيره أوهمه أني أساومه ثُمَّ رجعت إِلَيْهِ وقلت لَهُ إِن كنت تبيع هَذَا فقل لي بكم؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جعت يومين أقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك مَا تشترى بِهِ شَيْئًا فقعدت فلما باعه أعطاني شَيْئًا ومشى فتبعته فالتفت إِلَى وَقَالَ إِذَا عرض لَك حاجة فأنزلها بالله تَعَالَى إلا أَن يَكُون لنفسه بها حظ فتحجب عَنِ اللَّه تَعَالَى.
-
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول الفراسة مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وَهِيَ من مقامات الإيمان.
-
وقيل: كَانَ الشَّافِعِي ومحمد بْن الْحَسَن رحمهما اللَّه تَعَالَى فِي الْمَسْجِد الحرام فدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن: أتفرس أَنَّهُ نجار، وَقَالَ الشَّافِعِي: أتفرس أَنَّهُ حداد فسألاه فَقَالَ: كنت قبل هَذَا حدادا والساعة أنجر وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: المستنبط من يلاحظ الغيب أبدا ولا يغيب عَنْهُ ولا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَهُوَ الَّذِي دل عَلَيْهِ قَوْل تَعَالَى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: ٨٣] والمتوسم هُوَ الَّذِي يعرف الوسم وَهُوَ العارف بِمَا فِي سويداء القلوب بالاستدلال والعلامات قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: ٧٥] أي للعارفين بالعلامات الَّتِي يبديها عَلَى الفريقين من أوليائه وأعدائه والمتفرس ينظر بنور اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ سواطع أنوار لمعت فِي قلبه فأدرك بِهَا المعاني وَهُوَ من خواص الإيمان وَالَّذِينَ هُمْ أَكْثَر من حظا الربانيون قَالَ اللَّه تَعَالَى: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: ٧٩] يعنى: علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا وخلقا وَهُمْ فارغون عَنِ الإخبار عَنِ الخلق والنظر إليهم والاشتغال بِهِمْ وقيل: كَانَ أَبُو القاسم المنادي مريضا وَكَانَ كبير الشأن من مشايخ نيسابور فعاده
vol. 1, p. 388أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي , والحسن الحداد , واشتريا بنصف درهم تفاحا فِي الطريق نسيئة وحملاه إِلَيْهِ فلما قعدا قَالَ أَبُو القاسم: مَا هذه الظلمة فخرجا وَقَالا: إيش فعلنا؟ وتفكرا فقالا: لعلنا لَمْ نؤد ثمن التفاح فأعطيا الثمن وعادا إِلَيْهِ فلما وقع بصره عليهما قَالَ: يمكن الإِنْسَان أَن يخرج من الظلمة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فذكرا لَهُ القصة فَقَالَ: نعم كَانَ يعتمد كُل واحد منكما عَلَى صاحبه فِي إعطاء الثمن والرجل يستحي منكما فِي التقاضي فكان يتقي التبعة وأنا السبب إِنَّمَا رأيت ذَلِكَ فيكما وَكَانَ أَبُو القاسم المنادي هَذَا يدخل السوق كُل يَوْم ينادى فَإِذَا وقع بيده مَا فِيهِ كفايته من دانق إِلَى نصف درهم خرج وعاد إِلَى رأس وقته ومراعاة قلبه، وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور
الحق إِذَا استولى عَلَى سر ملكه الأسرار فيعاينها ويخبر عَنْهَا، وسئل بَعْضهم عَنِ الفراسة فَقَالَ: أرواح تتقلب فِي الملكوت فتشرف عَلَى معاني الغيوب فتنطق عَن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق ظن وحسبان، وقيل: كَانَ بَيْنَ زَكَرِيَّا الشختني وبين امْرَأَة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا عَلَى رأس أَبِي عُثْمَان الحيري بَعْد مَا صار من خواص تلامذته فتفكر فِي شأنها فرفع أَبُو عُثْمَان رأسه إِلَيْهِ وَقَالَ: أما تستحيي.
-
قَالَ الأستاذ الإِمَام رَحِمَهُ اللَّهُ كنت فِي ابتداء وصلتي بالأستاذ أَبِي عَلِي رضى اللَّه عَنْهُ عقد لي المجلس فِي مَسْجِد المطرز فاستأذنته وقتا للخروج إِلَى نسا فأذن لي فكنت أمشى مَعَهُ يوما فِي طريق مجلسه فخطر ببالي ليته يتوب عنى فِي مجالسي أَيَّام غيبتي فالتفت إِلي وَقَالَ أنوب عَنْك أَيَّام غيبتك فِي عقد المجالس فمشيت قليلا فخطر ببالي أَنَّهُ عليل يشق عَلَيْهِ أَن ينوب عنى فِي الأسبوع يومين فليته يقتصر عَلَى يَوْم واحد فِي الأسبوع فالتفت إلي وَقَالَ: إِن لَمْ يمكني فِي الأسبوع يومان أنوب عَنْك فِي الأسبوع مرة واحدة فمشيت مَعَهُ قليلا , فخطر ببالي شَيْء ثالث فالتفت إلي وصرح بالإخبار عَنْهُ عَلَى القطع.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كَانَ شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ وَيَقُول: من غض بصره عَنِ المحارم
vol. 1, p. 389وأمسك نَفْسه عَنِ الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الحلال لَمْ تخطئ فراسته، وسئل أَبُو الْحَسَنِ النوري من أين تولدت فراسة المتفرسين فَقَالَ: من قَوْله تَعَالَى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: ٢٩] فمن كَانَ حظه من ذَلِكَ النور أتم كانت مشاهدته أحكم وحكمه بالفراسة أصدق ألا ترى كَيْفَ أوجب نفخ الروح فِيهِ السجود لَهُ بقوله تَعَالَى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: ٢٩] قَالَ الأستاذ: وَهَذَا الْكَلام من أَبِي الْحَسَن النوري فِيهِ أدنى غموض وإبهام بذكر نفخ الروح لا لتصويب من يَقُول بقدم الأرواح ولا كَمَا يلوح لقلوب المستضعفين فَإِن الَّذِي يصح عَلَيْهِ النفخ والاتصال والانفصال فَهُوَ قابل للتأثير والتغيير وَذَلِكَ من سمات الحدوث وإن اللَّه سبحانه وتعالى خص الْمُؤْمِنيِنَ ببصائر وأنوار بِهَا يتفرسون وَهِيَ فِي الحقيقة معارف وعليه يحمل قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ ينظر بنور اللَّه أي: بعلم وبصيرة يخصه اللَّه تَعَالَى بِهِ ويفرده بِهِ من دُونَ أشكاله , وتسمية العلوم والبصائر أنوار غَيْر مستبدع ولا يبعد وصف ذَلِكَ بالنفخ والمراد منه الخلق.
وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: المتفرس هُوَ المصيب بأول مرماه إِلَى مقصده ولا يعرج عَلَى تأويل وظن وحسبان وقيل: فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي: إِذَا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون فِي قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت
vol. 1, p. 390الخلدي يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول: الفراسة أول خاطر بلا معارض فَإِن عارض معارض من جنسه فَهُوَ خاطر وحَدِيث نفس.
-
ويحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ الرازي نزيل نيسابور قَالَ كساني ابْن الأنباري صوفا ورأيت عَلَى رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بِذَلِكَ الصوف فتمنيت فِي نفسي أَن يكونا جميعا لي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إِلَى فتبعته وَكَانَ عادته إِذَا أراد أَن أتبعه يلتفت إِلَى فلما دَخَلَ داره دخلت فَقَالَ: انزع الصوف فنزعنه فلفه وطرح القلنسوة عَلَيْهِ ودعا بنار فأحرقهما.
وَقَالَ أَبُو حفص النَّيْسَابُورِيّ: لَيْسَ لأحد أَن يدعى الفراسة ولكن يتقى الفراسة من الغير، لأن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اتقوا فراسة المؤمن وَلَمْ يقل تفرسوا وكيف يصح دعوى الفراسة لمن هُوَ فِي محل اتقاء الفراسة وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق: دخلت عَلَى شيخ من أَصْحَابنا أدعوه فوجدته عَلَى حال رثة فَقُلْتُ فِي نفسي: من أين يرتزق هَذَا الشيخ فَقَالَ: يا أبا الْعَبَّاس دع عَنْك هذه الخواطر الدنيئة فَإِن لِلَّهِ ألطافا خفية.
-
ويحكى عَنِ الزبيدي قَالَ: كنت فِي مَسْجِد ببغداد مَعَ جَمَاعَة من الفقراء فلم يفتح عَلَيْنَا بشيء أياما فأتيت الخواص لأسأله شَيْئًا فلما وقع بصره عَلَى قَالَ: الحاجة الَّتِي جئت لأجلها يعلمها اللَّه تَعَالَى أم لا فَقُلْتُ: بلى فَقَالَ: اسكت ولا تبدها لمخلوق فرجعت وَلَمْ ألبث إلا قليلا حَتَّى فتح عَلَيْنَا بِمَا فَوْقَ الكفاية وقيل: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ يوما فِي الجامع فوقع حمام فِي الْمَسْجِد من شدة مَا لحقه من الحر والمشقة فَقَالَ سهل: إِن شاه الكرماني مَات الساعة إِن شاء اللَّه تَعَالَى فكتبوا ذَلِكَ فكان كَمَا قَالَ.
-
وقيل: خرج أَبُو عَبْد اللَّهِ التروغندي وَكَانَ كبير الوقت إِلَى طوس فلما بلغ خر وَقَالَ لصاحبه اشتر الخبز فاشترى مَا يكفيهما فَقَالَ: اشتر أَكْثَر فاشترى صاحبه مَا يكفى عشرة أنفس تعمدا فكأنه لَمْ يجعل لقول ذَلِكَ الشيخ تحقيقا قَالَ فلما صعدنا إِلَى الجبل إِذَا بجماعة قيدتهم اللصوص لَمْ يأكلوا منذ مدة فسألونا الطعام فَقَالَ: قدم إليهم السفرة
vol. 1, p. 391قَالَ الأستاذ الإِمَام رضى اللَّه عَنْهُ كنت بَيْنَ يدي الأستاذ أَبِي عَلِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ يوما فجرى حَدِيث الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ وأنه يقوم فِي السماع موافقة للفقراء فَقَالَ الأستاذ أَبُو عَلَى مثله فِي حاله لعل السكون أولى بِهِ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ المجلس أمض إِلَيْهِ فتجده وَهُوَ قاعد فِي بَيْت كتبه وعلى وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فِيهَا أشعار الْحُسَيْن بْن مَنْصُور فاحمل تلك المجلدة ولا تقل لَهُ شَيْئًا وجئني بِهَا وَكَانَ وقت هاجر فدخلت عَلَيْهِ وإذا هُوَ فِي بَيْت كتبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكر فلما قعدت أخذ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ فِي الْحَدِيث وَقَالَ كَانَ بَعْض النَّاس ينكر عَلَى أحد من الْعُلَمَاء حركته فِي السماع فرأى ذَلِكَ الإِنْسَان يوما خاليا فِي بَيْت وَهُوَ يدور كالمتواجد فسئل عَن حاله فَقَالَ: كانت مسألة مشكلة عَلَى فتبين لي معناها فلم أتمالك من السرور حَتَّى قمت أدور فقيل لَهُ مثل هَذَا يَكُون حالهم فلما رأيت مَا أمرني بِهِ الأستاذ أَبُو عَلِي وَمَا وصف لي عَلَى الوجه الَّذِي قَالَ وجرى عَلَى لسان الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ مَا كَانَ قَدْ ذكره بِهِ تحيرت وقلت: كَيْفَ أفعل بينهما ثُمَّ فكرت فِي نفسي وقلت: لا وجه إلا الصدق فَقُلْتُ: إِن الأستاذ أبا عَلِي وصف لي هذه المجلدة وَقَالَ لي احملها إلي من غَيْر أَن تستأذن الشيخ وأنا هُوَ ذا أخافك وليس يمكنني مخالفته فأي شَيْء تأمر فأخرج مسدسا من كَلام الْحُسَيْن وفيه تصنيف لَهُ سماه كتاب الصيهور فِي نقض الدهور وَقَالَ: احمل هَذَا إِلَيْهِ وقل لَهُ: إني أطالع تلك المجلدة وأنقل منها أبياتا إِلَى مصنفاتي فخرجت.
-
ويحكى عَنِ الْحَسَن الحداد أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ أَبِي القاسم المنادي وعنده جَمَاعَة من الفقراء فَقَالَ لي: اخرج وائتهم بشيء فسررت حيث أذن لي فِي التكلف للفقراء وأن آتيهم بشيء بَعْد مَا علم فقري قَالَ: فأخذت مكتلا وخرجت فلما أتيت سكة سيار رأيت شيخا بهيا , فسلمت عَلَيْهِ وقلت: جَمَاعَة من الفقراء فِي موضع فهل لَك أَن تتخلق معهم بشيء فأمر حَتَّى إِذَا أخرج إلي شَيْئًا من الخبز واللحم والعنب فلما بلغت الباب ناداني أَبُو القاسم المنادي من وراء
vol. 1, p. 392الباب: رده إِلَى الموضع الَّذِي أخذته منه فرجعت واعتذرت إِلَى الشيخ وقلت: لَمْ أجدهم وعرضت بأنهم تفرقوا فرددت السبب عَلَيْهِ ثُمَّ جئت إِلَى السوق ففتح عَلَى بشيء فحملته فَقَالَ: ادخل فقصصت عَلَيْهِ القصة فَقَالَ: نعم ذاك ابْن سيار رجل سلطاني إِذَا جئت للفقراء بشيء فأتهم بمثل هَذَا لا بمثل ذاك.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن القرافي: زرت أبا الخير التيناتي فلما ودعته خرج معى إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ: يا أبا الْحُسَيْن أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما ولكن احمل هاتين التفاحتين فأخذتهما ووضعتهما فِي جيبي وسرت فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أَيَّام فأخرجت واحدة منهما وأكلتها ثُمَّ أردت أَن أخرج الثَّانِيَة فَإِذَا هما جميعا فِي جيبي فكنت آكل منهما ويعودان إِلَى بَاب الموصل فَقُلْتُ فِي نفسي: إنهما يفسدان عَلِي حال توكلي إِذَا صارتا معلوما لي فأخرجتهما من جيبي بمرة فنظرت فَإِذَا فَقِير ملفوف فِي عباءة يَقُول: أشتهى تفاحة فناولتهما إياه فلما عبرت وقع لي أَن الشيخ إِنَّمَا بعثهما إِلَيْهِ وكنت فِي رفقة فِي الطريق فانصرفت إِلَى الفقير فلم أجده.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا عُمَر بْن علوان يَقُول: كَانَ شاب يصحب الجنيد وَكَانَ يتكلم عَلَى خواطر النَّاس فذكر للجنيد فَقَالَ لَهُ الجنيد: إيش هَذَا الَّذِي ذكر عَنْك؟ فَقَالَ للجنيد: أعتقد شَيْئًا فَقَالَ: اعتقدت فَقَالَ الشاب: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ الجنيد: لا فَقَالَ: اعتقد ثانيا ففعل فَقَالَ: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ: لا فَقَالَ: ثالثا فَقَالَ: مثله فَقَالَ الشاب: هَذَا عجب أَنْتَ صدوق وأنا أعرف قلبي فَقَالَ الجنيد: صدقت فِي الأَوَّل وَالثَّانِي والثالث ولكني أردت أَن أمتحنك هل يتغير قلبك.
- vol. 1, p. 393
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول اعتل ابْن الرقي فحمل إِلَيْهِ دواء فِي قدح فأخذه ثُمَّ قَالَ: وقع اليوم فِي المملكة حدث لا آكل ولا أشرب حَتَّى أعلم مَا هُوَ فورد الْخَبَر بعده بأيام أَن القرمطي دَخَلَ مَكَّة فِي ذَلِكَ اليوم وقتل بِهَا تلك المقتلة العظيمة.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت أبا عثمان المغربي يَقُول: ذكر لابن الكاتب هذه الحكاية فَقَالَ: هَذَا عجب لَهُ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بعجب فَقَالَ لي أَبُو عَلِي بْن الكاتب: إيش خبر مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى اليوم فَقُلْتُ: ذا تحارب الطلحيون وبنو الْحَسَن ومقدم الطلحيين أسود عَلَيْهِ عمامة حمراء وعلى مَكَّة اليوم غيم عَلَى مقدار الحرم فكتب أَبُو عَلَى إِلَى مَكَّة فكان كَمَا ذكرت.
-
ويروى عَن أَنَس بْن مَالِك رضى اللَّه عَنْهُ قَالَ: دخلت عَلَى عُثْمَان رضى اللَّه عَنْهُ وكنت رأيت فِي الطريق امْرَأَة تأملت محاسنها فَقَالَ عُثْمَان رضى اللَّه عَنْهُ: يدخل عَلَى أحدكم وآثار الزنا ظاهرة عَلَى عينه فَقُلْتُ: أوحي بَعْد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الخراز: دخلت الْمَسْجِد الحرام فرأيت فقيرا عَلَيْهِ خرقتان يسأل شَيْئًا فَقُلْتُ فِي نفسي: مثل هَذَا كُل عَلَى النَّاس فنظر إلي وَقَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: ٢٣٥] قَالَ: فاستغفرت فِي سرى فناداني وَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: ٢٥] .
-
وحكي عَن إِبْرَاهِيم الخواص أَنَّهُ قَالَ: كنت ببغداد فِي جامع الْمَدِينَة وهناك جَمَاعَة من الفقراء فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة حسن الحرمة حسن الوجه فَقُلْتُ لأَصْحَابنا: يقع لي أَنَّهُ يهودي فكلهم كرهوا ذَلِكَ فخرجت وخرج الشاب ثُمَّ رجع إليهم وَقَالَ: إيش قَالَ الشيخ فِي؟
- vol. 1, p. 394
فاحتشموه فألح عَلَيْهِم فَقَالُوا: قَالَ: إنك يهودي.
قَالَ: فجاءني وأكب عَلَى يدي وأسلم؟ فقيل لَهُ: مَا السبب؟ قَالَ: نجد فِي كتبنا أَن الصديق لا تخطئ فراسته فَقُلْتُ: أمتحن الْمُسْلِمِينَ فتأملتهم فَقُلْتُ: إِن كَانَ فيهم صديق ففي هذه الطائفة، لأنهم يقولون حَدِيثه سبحانه فلبست عليكم فلما اطلع هَذَا الشيخ عَلِي وتفرس فِي علمت أَنَّهُ صديق وصار الشاب من كبار الصوفية.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم بْن العلاء يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد يَقُول: كُنَّا عِنْدَ الجريري رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ: هل فيكم من إِذَا أراد الحق سبحانه أَن يحدث فِي المملكة حدثا أعلمه قبل أَن يبديه قُلْنَا: لا فَقَالَ: ابكوا عَلَى قلوب لَمْ تجد من اللَّه تَعَالَى شَيْئًا وَقَالَ أَبُو مُوسَى الديلمي: سألت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَحْيَي عَنِ التوكل فَقَالَ: لو أدخلت يدك فِي فم التنين حَتَّى تبلغ الرسغ لا تخف مَعَ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا غيره قَالَ: فخرجت إِلَى أَبِي يَزِيد لاسأله عَنِ التوكل فدققت الباب فَقَالَ: أليس لَك فِي قَوْل عَبْد الرَّحْمَنِ كفاية فَقُلْتُ: افتح الباب فَقَالَ: مَا زرتني أتاك الجواب من وراء الباب وَلَمْ يفتح لي الباب قَالَ فمضيت ولبثت سنة ثُمَّ قصدته فَقَالَ: مرحبا جئتني زائرا فكنت عنده شهرا فكان لا يخطر بقلبي شَيْء إلا حَدَّثَنِي عَنْهُ فعند وداعه قُلْت: أفدني فائدة فَقَالَ: حَدَّثَنِي أخي أَنَّهَا كانت حاملا بي , فكانت إِذَا قدم لَهَا طَعَام من حلال امتدت يدها إِلَيْهِ , وإذا كَانَ فِيهِ شبهة انقبضت يدها عَنْهُ.