باب الفتوة
202 paragraphs · vol. 1, p. 380
Page 3 of 6
- vol. 1, p. 405
سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي الْحَسَن البوشنجي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي فِي الخلاء فدعا تلميذا لَهُ وَقَالَ لَهُ: انزع عنى هَذَا القميص وادفعه إِلَى فُلان فقيل لَهُ: هلا صبرت حَتَّى تخرج من الخلاء؟ فَقَالَ: لَمْ آمن عَلَى نفسي أَن يتغير عَلِي مَا وقع لي من التخلف منه بِذَلِكَ القميص.
-
وقيل لقيس بْن سَعْد بْن عُبَادَة: هل رأيت أسخى منك؟ فَقَالَ: نعم، نزلنا بالبادية عَلَى امْرَأَة فحضر زوجها فَقَالَتْ: إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا، فلما كَانَ بالغد جاء بأخرى ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا فقلنا: مَا أكلنا من الَّتِي نحرت البارحة إلا اليسير فَقَالَ: إني لا أطعم أضيافي الغاب فبقينا عنده يومين أَوْ ثلاثة والسماء تمطر وَهُوَ يفعل كَذَلِكَ، فلما أردنا الرحيل وضعنا لَهُ مائة دِينَار فِي بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إِلَيْهِ ومضينا فلما متع النهار إِذَا نحن برجل يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ثُمَّ إنه لحقنا وَقَالَ: لتأخذنه وإلا طعنتكم برمحي فأخذناه وانصرف فأنشأ يَقُول: وإذا أخذت ثواب مَا أعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري دار بَعْض أَصْحَابه فوجده غائبا وباب بَيْت لَهُ مقفل فَقَالَ: صوفي وَلَهُ بَاب بَيْت مقفل اكسروا القفل، فكسروا القفل وأمر بجميع مَا وجد فِي الدار والبيت وأنفذه إِلَى السوق وباعوه وأصلحوا وقتا من الثمن وقعدوا فِي الدار فدخل صاحب المنزل وَلَمْ يمكنه أَن يَقُول شَيْئًا،
vol. 1, p. 406فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بياتا ورمت بالكساء وَقَالَتْ: يا أَصْحَابنا هَذَا أَيْضًا من جملة المتاع فبيعوه فَقَالَ الزوج لَهَا: لَمْ تكلفت هَذَا باختيارك فَقَالَتْ: اسكت مثل هَذَا الشيخ يباسطنا ويحكم عَلَيْنَا ويبقى لنا شَيْء ندخره عَنْهُ قَالَ بشر بْن الحرث: النظر إِلَى البخيل يقسى القلب.
-
وقيل: مرض قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَة فاستبطأ إخوانه فسأل عَنْهُم فقيل: إنهم يستحيون مِمَّا لَك عَلَيْهِم من الدين فَقَالَ: أخزى اللَّه تَعَالَى مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثُمَّ أمر من ينادي من كَانَ لقيس عَلَيْهِ دين فَهُوَ منه فِي حل فكسرت عتبته بالعشى لكثرة من عاده، وقيل لعبد اللَّه بْن جَعْفَر: إنك تبذل الكثير إِذَا سئلت وتضن فِي القليل إِذَا نوجزت فَقَالَ: إني أبذل مالي وأضن بعقلي.
-
وقيل: خرج عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر إِلَى ضيعة لَهُ فنزل عَلَى تحيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فِيهَا إذ أتي الغلام بقوته فدخل كلب الحائط ودنا من الغلام فرمى إِلَيْهِ الغلام بقرص فأكله ثُمَّ رمى إِلَيْهِ بالثاني والثالث فأكله وعبد اللَّه ينظر فَقَالَ: يا غلام كم قومك كُل يَوْم؟ قَالَ: مَا رأيت قَالَ: فلم آثرت هَذَا الكلب؟ قَالَ: مَا هِيَ بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده قَالَ: فَمَا أَنْتَ صانع اليوم؟ قَالَ: أطوى يومي هَذَا فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر: إلام عَلَى السخاء إِن هَذَا لأسخى منى فاشترى الحائط والغلام وَمَا فِيهَا من الآلات فأعتق الغلام ووهبها لَهُ.
-
وقيل: أتى رجل صديقا لَهُ ودق عَلَيْهِ الباب فلما خرج إِلَيْهِ قَالَ: لماذا جئتني؟ قَالَ: لأربع مائة درهم دين ركبتي فدخل الدار ووزن لَهُ أربع مائة درهم وأخرجها إِلَيْهِ ودخل الدار باكيا فَقَالَتْ لَهُ أمرأته: هلا تعللت حِينَ شق عليك الإجابة، فَقَالَ: إِنَّمَا أبكي لأني لَمْ أتفقد حاله حَتَّى أحتاج إِلَى مفاتحتي بِهِ.
vol. 1, p. 407وَقَالَ مطرف بْن الشخير: إِذَا أراد أحدكم منى حاجة فليرفعها فِي رقعة فإني أكره أَن أري فِي وجهه ذل الحاجة، قيل: أراد رجل أَن يضاد عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس فأتى وجوه البلد وَقَالَ لَهُمْ: يَقُول لكم ابْن الْعَبَّاس: تغدوا عندي اليوم فأتوه فملأوا الدار فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فأخبر الْخَبَر فأمر بشراء الفواكه فِي الوقت وأمر بالخبز والطبيخ وأصلح أمرا فلما فرغوا قَالَ لوكلائه: أموجود لنا كُل يَوْم هَذَا؟ فَقَالُوا: نعم فَقَالَ: فليتغد هَؤُلاءِ كلهم عندنا كُل يَوْم.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: كَانَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما فِي صحن داره فدخل إِلَيْهِ إِنْسَان وسأله شَيْئًا من الدنيا وَلَمْ يحضره شَيْء فَقَالَ: اصبر حَتَّى أفرغ فصبر فلما فرغ قَالَ: خذ القمقمة واخرج، فأخذها وخرج ثُمَّ صبر حَتَّى علم أَنَّهُ بَعْد فصاح وَقَالَ: دَخَلَ إِنْسَان وأخذ القمقمة فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذَلِكَ لأن أهل المنزل كَانُوا يلومونه عَلَى كثرة البذل.
-
وسمعته يَقُول: وهب الأستاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان من الشتاء وَكَانَ يلبس جبة النِّسَاء حِينَ يخرج إِلَى التدريس إذ لَمْ يكن لَهُ جبة أُخْرَى، فقدم الوفد المعروفون من فارس فيهم من كُل نوع إمام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فأرسل إِلَيْهِ صاحب الجيش أَبُو الْحَسَنِ وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس دراعه فَوْقَ تلك الجبة الَّتِي للنساء وركب فَقَالَ: صاحب الجيش إنه يستخف بي إمام البلد يركب فِي جبة النِّسَاء ثُمَّ إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه عَلَى كَلام جميعهم فِي كُل فن.
-
وسمعته يَقُول: لَمْ يناول الأستاذ أَبُو سهل أحدا شَيْئًا بيده وَكَانَ يطرحه عَلَى الأَرْض ليأخذه الآخذ من الأَرْض:، وَكَانَ يَقُول: الدنيا أقل خطرا من أَن أرى لأجلها يدي فَوْقَ يد أحد، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اليد العليا خير من اليد السفلى وقيل: كَانَ أَبُو مرثد عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ أحد الكرام فمدحه بَعْض الشعراء فَقَالَ: مَا عندي مَا أعطيك ولكن قدمني إلي الْقَاضِي وادع عَلَى عشرة آلاف درهم حَتَّى أقر لَك بِهَا ثُمَّ
vol. 1, p. 408احبسني فَإِن أهلي لا يتركوني مسجونا ففعل ذَلِكَ، فلم يمس حَتَّى دفع إِلَيْهِ عشرة آلاف درهم وخرج من السجن.
-
وقيل: سأل رجل الْحَسَن بْن عَلِي بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَيْئًا فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دِينَار وَقَالَ: ائت بحمال يحمله لَك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وَقَالَ: يَكُون كراء الحمال من قبلي.
-
وسألت امْرَأَة اللَّيْث بْن سَعْد سكرجة عسل فأمر لَهَا بزق من عسل فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنها سألت عَلَى قدر حاجتها ونحن نعطيها عَلَى قدر نعمنا وَقَالَ بَعْضهم: صليت فِي مَسْجِد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريما لي فلما سلمت وضع بَيْنَ يدي كُل واحد حلة ونعلين وَكَذَلِكَ وضع بَيْنَ يدي فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: إِن الأشعث قدم من مَكَّة فأمر بِهَذَا لأهل جَمَاعَة مسجده فَقُلْتُ: إِنَّمَا جئت أطلب غريما لي ولست من جماعته فَقَالُوا: هُوَ لكل من حضر وقيل: لما قربت وفاة الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مروا فلانا يغسلني وَكَانَ الرجل غائبا فلما قدم أخبر بِذَلِكَ فدعا بتذكرته فوجد عَلَيْهِ سبعين ألف درهم دينا فقضاها وَقَالَ: هَذَا غسلي إياه قيل: لما قدم الشَّافِعِي من صنعاء إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَهُ عشرة آلاف دِينَار فقيل لَهُ: تشتري بِهَا قنية فضرب خيمته خارج مَكَّة وصب الدنانير فَكُل من دَخَلَ عَلَيْهِ كَانَ يعطيه قبضة قبضة فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب وَلَمْ يبق شَيْء.
-
وقيل: خرج السري يَوْم عيد فاستقبله رجل كبير الشأن فسلم السرى عَلَيْهِ سلاما ناقصا فقيل لَهُ: هَذَا رجل كبير الشأن فَقَالَ: قَدْ عرفته ولكن رُوِيَ مسند أَنَّهُ إِذَا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشهما فأردت أَن يَكُون مَعَهُ الأكثر وقيل: بكى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يوما فقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ: لَمْ يأتني ضيف منذ سبعة أَيَّام وأخاف أَن يَكُون اللَّه تَعَالَى قَدْ أهانني
vol. 1, p. 409وروي عَن أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ: زكاة الدار أَن يتخذ فِيهَا بَيْت للضيافة وقيل فِي قَوْله تَعَالَى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: ٢٤] قيل قيامه عَلَيْهِم بنفسه وقيل:، لأن ضيف الكريم كريم وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الجنيد: كَانَ يقال أربعة: لا ينبغي للشريف أَن يأنف منهن وإن كَانَ أميرا قيامه من مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه وخدمته لعالم يتعلم منه والسؤال عما لَمْ يعلم.
وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: ٦١] إنهم كَانُوا يتحرجون أَن يأكل أحدهم وحده فرخص لَهُمْ فِي ذَلِكَ وقيل: أضاف عَبْد اللَّهِ بْن عامر بْن كريز رجلا فأحسن قراه فلما أراد الرجل أَن يرتحل عَنْهُ لَمْ يعنه غلمانه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا أنشد عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي قَالَ أنشدني المتنبي فِي معناه:
إِذَا ترحلت عَن قوم وَقَدْ قدروا ... أَن لا تفارقهم فالراحلون هُمْ
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ سخاء النفس عما فِي أيدي النَّاس أفضل من سخاء النفس بالبذل وَقَالَ بَعْضهم دخلت عَلَى بشر بْن الحرث فِي يَوْم شديد البرد وَقَدْ تعرى من الثياب وَهُوَ ينفض فَقُلْتُ: يا أبا نصر النَّاس يريدون فِي الثياب فِي مثل هَذَا اليوم وأنت قَدْ نقصت فَقَالَ: ذكرت الفقراء وَمَا هُمْ فِيهِ وَلَمْ يكن لي مَا أواسيهم بِهِ فأردت أَن أوافقهم بنفسي فِي مقاساة البرد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الدقاق يَقُول: لَيْسَ السخاء أَن يعطي الواجد المعدم إِنَّمَا السخاء أَن يعطي المعدم الواجد.
- vol. 1, p. 410
بَاب الغيرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: ٣٣]
-
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ غِيرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنَانْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَبِي كثير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
قَالَ الأستاذ: الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغير فمعناه أَنَّهُ لا يرضى بمشاركة الغيرة مَعَهُ فيما هُوَ حق لَهُ من طاعة عبده
حكى عَنِ السرى أَنَّهُ قرئ بَيْنَ يديه: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: ٤٥] فَقَالَ السري لأَصْحَابه: أتدرون مَا هَذَا الحجاب؟ هَذَا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من اللَّه تَعَالَى ومعنى قَوْله هَذَا حجاب الغيرة، يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين.
- vol. 1, p. 411
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: إِن أَصْحَاب الكسل عَن عبادته هُم الَّذِينَ ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لَهُم البعد عَنْهُ وأخرهم عَن محل القرب ولذلك تأخروا وَفِي معناه أنشدوا: أناصب لمن هويت ولكن مَا احتيالي بسوء رأي الموالي وَفِي معناه أَيْضًا قَالُوا:
سقيم لَيْسَ يعاد ... ومريد لا يراد
سمعت الأستاذ أبا عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: سمعت الْعَبَّاس الزوزني يَقُول: كَانَ لي بداية حسنة وكنت أعرف كم بقى بيني وبين الوصول إِلَى مقصودي من الظفر بمرادي، فرأيت ليلة من الليالي فِي المنام كأنني أتدهده من حالق جبل فأردت الوصول إِلَى ذروته قَالَ: فحزنت فأخذني اليوم فرأيت قائلا يَقُول: يا عَبَّاس الحق لَمْ يرد منك أَن تصل إِلَى مَا كنت تطلب ولكنه فتح عَلَى لسانك الحكمة، قَالَ: فأصبحت وَقَدْ ألهمت كلمات الحكمة.
-
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: كَانَ شيخ من الشيوخ لَهُ حال ووقت مَعَ اللَّه فخفي مدة لَمْ ير بَيْنَ الفقراء، ثُمَّ إنه ظهر بَعْد ذَلِكَ لا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الوقت فسئل عَنْهُ فَقَالَ: آه وقع حجاب.
-
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا وقع شَيْء فِي خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يَقُول: هَذَا من غيرة الحق سبحانه يريد أَن لا يجري من صفاء هَذَا الوقت وأنشدوا فِي معناه:
همت بإتياننا حَتَّى إِذَا نظرت ... إِلَى المرأة نهاها وجهها الْحَسَن
وقيل لبعضهم: تريد أَن تراه؟ فَقَالَ: لا , فقيل: لَمْ؟ فَقَالَ: أنزه ذَلِكَ الجمال عَن نظر مثلى , وفى معناه أنشدوا:
إني لأحسد ناظري عليكا ... حَتَّى أغض إِذَا نظرت إليكا
وأراك تخطر فِي شمائلك الَّتِي ... هِيَ فتنتي أغار منك عليكا
vol. 1, p. 412وسئل الشبلي مَتَى تستريح فَقَالَ: إِذَا لَمْ أر لَهُ ذاكرا.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فِي قَوْل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فَقَالَ الأعرابي: عمرك اللَّه تَعَالَى مِمَّن أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: امرؤ من قريش، فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه من الحاضرين للأعرابي: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك، فكان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: إِنَّمَا قَالَ امرؤ من قريش غيرة وإلا كَانَ واجبا عَلَيْهِ التعرف إِلَى كُل أحد أَنَّهُ من هُوَ ثُمَّ إِن اللَّه سبحانه أجرى عَلَى لسان ذَلِكَ الصحابي التعريف للأعرابي بقوله: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك.
-
ومن النَّاس من قَالَ: إِن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس لَهُ فيما يجري فِي المملكة تحكم، بَل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضى عَلَى مَا يقضي: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: الغيرة عمل المريدين فأما أهل الحقائق فلا.
-
وسمعته يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية عَلَى النفوس، وغيرة الإلهية عَلَى القلوب.
وَقَالَ الشبلي أَيْضًا: غيرة الإلهية عَلَى الأنفاس أَن تضيع فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى، والواجب أَن يقال: الغيرة غيرتان: غيرة الحق سبحانه عَلَى العبد وَهُوَ أَن لا يجعله للخلق فيضن بِهِ عَلَيْهِم , وغيرة العبد للحق وَهُوَ أَن لا يجعل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تَعَالَى , فلا يقال أنا أغار عَلَى اللَّه تَعَالَى ولكن يقال: أنا أغار لِلَّهِ تَعَالَى، فإذن الغيرة عَلَى اللَّه جهل، وربما تؤدي إِلَى ترك الدين، والغيرة لِلَّهِ تَعَالَى توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال لَهُ.
-
واعلموا أَن من سنة الحق تَعَالَى مَعَ أوليائه أنهم إِذَا ساكنوا غَيْر أَوْ لاحظوا شَيْئًا أَوْ ضاجعوا بقلوبهم شَيْئًا شوش عَلَيْهِم ذَلِكَ فيغار عَلَى قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه أَوْ ضاجعوه، كآدم عَلَيْهِ السَّلام لما وطن نَفْسه عَلَى الخلود فِي الْجَنَّة أَخْرَجَهُ منها،
vol. 1, p. 413وإبراهيم عَلَيْهِ السَّلام لما أعجبه إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلام أمره بذبحه حَتَّى أَخْرَجَهُ من قلبه {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: ١٠٣] وصفا سره منه أمره بالفداء عَنْهُ.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا زَيْد الفقيه المروزي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حسان يَقُول: بينا أنا أدور ففي جبل لبنان إذ خرج عَلَيْنَا رجل شاب قَدْ أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلي ولى هاربا فتبعته وقلت: تعظني بكلمة فَقَالَ: احذر فَإِنَّهُ غيور لا يحب أَن يرى فِي قلب عبده سواه.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: قَالَ النصرأباذي: الحق تَعَالَى غيور ومن غيرته، أَنَّهُ لَمْ يجعل إِلَيْهِ طريقا سواه.
-
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه إِن لفلان إلي حاجة ولي أَيْضًا إِلَيْهِ حاجة، فَإِن قضى حاجتي قضيت حاجته، فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مناجاته: إلهي كَيْفَ يَكُون لَك حاجة؟ فَقَالَ: إنه ساكن بقلبه غيرى، فليفرغ قلبه عَنْهُ أقض حاجته.
-
وقيل: إِن أبا يَزِيد البسطامي رأى جَمَاعَة من الحور العين فِي منامه فنظر إليهن فسلب وقته أياما ثُمَّ إنه رأى فِي منامه جَمَاعَة منهن فلم يلتف إليهن وَقَالَ: إنكن شواغل، وقيل: مرضت رابعة العدوية فقيل لَهَا: مَا سبب علتك؟ فَقَالَتْ: نظرت بقلبي إِلَى الْجَنَّة فأدبني فله العتبى لا أعود ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: كنت أطلب رجلا صديقا لي مدة من الأوقات، فمررت فِي بَعْض الجبال فَإِذَا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى فسألت عَن حالهم فَقَالُوا: ههنا رجل يخرج من السنة مرة يدعو لَهُمْ فيجدون الشفاء، فصبرت حَتَّى خرج ودعا لَهُمْ فوجدوا الشفاء فقفوت أثره وتعلقت بِهِ وقلت لَهُ: بي علة باطنة فَمَا دواؤها؟ فَقَالَ: يا سري خل عنى فَإِنَّهُ غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.
قَالَ الأستاذ: وَمِنْهُم من غيرته حِينَ يرى النَّاس يذكرونه تَعَالَى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذَلِكَ ويشق عَلَيْهِ.
- vol. 1, p. 414
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: لما دَخَلَ الأعرابي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبال فِيهِ وتبادر إِلَيْهِ الصَّحَابَة لإخراجه قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا أساء الأعرابي الأدب ولكن الخجل وقع عَلَى الصَّحَابَة والمشقة حصلت لَهُمْ حِينَ رأوا من وضع حشمته كَذَلِكَ العبد إِذَا عرف جلال قدره سبحانه شق عَلَيْهِ سماع ذكره من يذكره بالغفلة وطاعة من لا يعبده بالحرمة.
-
حكى أَن الشبلي مَات لَهُ ابْن كَانَ اسمه أبا الْحَسَن فجزعت أمه عَلَيْهِ وقطعت شعر رأسها فدخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته فَكُل من أتاه معزيا قَالَ: إيش هَذَا يا أبا بَكْر فكان يَقُول: موافقة لأهلي، فَقَالَ لَهُ بَعْضهم: أخبرني يا أبا بَكْر لَمْ فعلت هَذَا؟ فَقَالَ: علمت أنهم يعزونني عَلَى الغفلة ويقولون آجرك اللَّه تَعَالَى ففديت ذكرهم لِلَّهِ تَعَالَى بالغفلة بلحيتي، وسمع النوري رجلا يؤذن فَقَالَ: طعنة وسم الْمَوْت، وسمع كلبا ينبح فَقَالَ: لبيك وسعديك فقيل لَهُ إِن هَذَا ترك للدين فَإِنَّهُ يَقُول للمؤمن فِي تشهده طعنة وسم الْمَوْت ويلبي عِنْدَ نباح الكلب، فسئل عَن ذَلِكَ فَقَالَ: أما ذَلِكَ فكان ذكره لِلَّهِ عَلَى رأس الغفلة، وَأَمَّا الكلب فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: ٤٤] وأذن الشبلي مرة فلما انتهى إِلَى الشهادتين قَالَ: لولا أنك أمرتني مَا ذكرت معك غيرك وسمع رجلا يَقُول:. . اللَّه فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تجله عَن هَذَا.
- vol. 1, p. 415
سمعت بَعْض الفقراء يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الخزفاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول لا اللَّه إلا اللَّه من داخل القلب مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ من القرط ومن نظر إِلَى ظاهر هَذَا اللفظ توهم أَنَّهُ استصغر الشرع ولا كَمَا يخطر بالبال إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إِلَى قدر الحق سبحانه متصاغرة فِي التحقيق.
- vol. 1, p. 416
بَاب الولاية قَالَ اللَّه تَعَالَى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: ٦٢]
-
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَرُونَ الْمُقْرِي قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْخَيَّاطُ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مَيْمُونٍ مَوْلَى عُرْوَةَ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْعَبْدُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رَوْحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: الولي لَهُ معنيان: إحداهما: فعيل بمعنى مفعول وَهُوَ من يتولى اللَّه سبحانه أمره اللَّه تَعَالَى: وَهُوَ يتولى الصلحين فلا يكله إِلَى نَفْسه لحظة بَل يتولى الحق سبحانه رعايته.
-
وَالثَّانِي: فعيل مبالغة من الفاعل وَهُوَ الَّذِي يتولى عُبَادَة اللَّه تَعَالَى وطاعته فعبادته تجرى عَلَى التوالي من غَيْر أَن يتخلاها عصيان، وكلا الوصفين واجب حَتَّى يَكُون الولي وليا بحب قيامه بحقوق اللَّه تَعَالَى عَلَى الاستقصاء والاستيفاء ودوام حفظ اللَّه تَعَالَى إياه فِي السراء والضراء، ومن شرط الولي أَن يَكُون محفوظا كَمَا أَن من شرط النَّبِي أَن يَكُون معصوما فَكُل من كَانَ للشراع عَلَيْهِ اعتراض فَهُوَ مغرور مخدع.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: قصد أَبُو يَزِيد البسطامي بَعْض من
vol. 1, p. 417وصف بالولاية، فلما وافي مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل وتنخم فِي الْمَسْجِد فانصرف أَبُو يَزِيد وَلَمْ يسلم عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا رجل غَيْر مأمون عَلَى أدب من آداب الشريعة، فكيف يَكُون أمينا عَلَى أسرار الحق واختلفوا فِي أَن الولي هل يَجُوز أَن يعلم أَنَّهُ ولي أم لا.
-
فمنهم من قَالَ لا يَجُوز ذَلِكَ وَقَالَ إِن الولي يلاحظ نَفْسه بعين التصغير، وإن ظهر عَلَيْهِ شَيْء من الكرامات خاف أَن يَكُون مكرا وَهُوَ يستشعر الخوف دائما أبدا , وإنما يخاف سقوطه عما هُوَ فِيهِ , وأن تكون عاقبته بخلاف حاله , وَهَؤُلاءِ يجعلون من شرط الولاية وفاء المآل.
-
وَقَدْ ورد فِي هَذَا الباب حكايات كثيرة عَنِ الشيوخ وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جَمَاعَة لا يحصون ولو اشتغلنا بذكر مَا قَالُوا لخرجنا عَن حد الاختصار، وإلى هَذَا كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك، وَمِنْهُم من قَالَ يَجُوز أَن يعلم الولي أَنَّهُ ولي وليس من شرط تحقيق الولاية فِي الحال الوفاء فِي المآل، ثُمَّ إِن كَانَ ذَلِكَ من شرطه أَيْضًا فيجوز أَن يَكُون هَذَا الولي خص بكرامة هِيَ تعريف الحق إياه أَنَّهُ مأمون العاقبة إذ القول بجوز كرامات الأولياء واجب وَهُوَ وإن فارقه خوف العاقبة فَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الهيبة والتعظيم والإجلال فِي الحال أتم وأشد فَإِن اليسير من التعظيم والهيبة أهدى للقلوب من كثير من الخوف ولما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة فِي الْجَنَّة من أَصْحَابه فالعشرة لا محالة صدقوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعروفوا سلامة عاقبتهم ثُمَّ لَمْ يقدح ذَلِكَ فِي حالهم ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف عَلَى حد المعجزة ويدخل فِي جملته العلم بحقيقة الكرامات فَإِذَا رأى الكرامات ظاهرة عَلَيْهِ لا يمكنه أَن لا يميز بينها وبين غيرها فَإِذَا رأى شَيْئًا من ذَلِكَ علم أَنَّهُ فِي الحال عَلَى الحق ثُمَّ يَجُوز أَن يعرف أَنَّهُ فِي المآل يبقى عَلَى هذه الحالة ويكون هَذَا التعريف كرامة لَهُ , والقول بكرامات الأولياء صحيح ,
vol. 1, p. 418وكثير من حكايات الْقَوْم تَدُل عَلَى ذَلِكَ كَمَا نذكر طرفا من ذَلِكَ فِي بَاب كرامات الأولياء إِن شاء اللَّه تَعَالَى وإلى هَذَا القول كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وقيل: إِن إِبْرَاهِيم بْن أدهم قَالَ لرجل أتحب أَن تكون لِلَّهِ وليا؟ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لا ترغب فِي شَيْء من الدنيا والآخرة وفرغ نفسك لِلَّهِ تَعَالَى وأقبل بوجهك عَلَيْهِ ليقبل عليك ويواليك وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ فِي صفة الأولياء: هُمْ عباد تسربلوا بالأنس بَعْد المكابدة واعتنقوا الروح بَعْد المجاهدة بوصولهم إِلَى مقام الولاية.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت عمي البسطامي يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: سمعت أبا يَزِيد يَقُول: أولياء اللَّه عرائس اللَّه تَعَالَى ولا يرى العرائس إلا المحرمون فَهُمْ مخدرون عنده فِي حجاب الأنس لا يراهم أحد فِي الدنيا ولا فِي الآخرة.
-
سمعت أبا بَكْر الصيدلاني وَكَانَ رجلا صالحا قَالَ: كنت أصلح اللوح فِي قبر أَبِي بَكْر الطمستاني أنقر فِيهِ اسمه فِي مقبرة الحيرة كثيرا وَكَانَ يقام ذَلِكَ اللوح ويسرق وَلَمْ يقلع من غيره من القبور فكنت أتعجب منه فسألت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ يوما عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إِن ذَلِكَ الشيخ آثر الخفاء فِي الدنيا وأنت تريد أَن تشهر قبره باللوح الَّذِي تصلحه فِيهِ وإن الحق سبحانه يأبي إلا إخفاء قبره كَمَا آثر هُوَ ستر نَفْسه وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: الولي قَدْ يَكُون مشهورا ولكن لا يَكُون مفتونا.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: لَيْسَ للأولياء سؤال إِنَّمَا هُوَ الذبول والخمول قَالَ: وسمعته يَقُول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الوالي الَّذِي توالت أفعاله عَلَى الموافقة
vol. 1, p. 419وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق وَمَا أقل صديق من كَانَ هَذَا خلقه وَقَالَ أَبُو عَلَى الجوزجاني: الولي هُوَ الفاني فِي حاله الباقي فِي مشاهدة الحق سبحانه تولى اللَّه سياسته فتوالت عَلَيْهِ أنوار التولي لَمْ يكن لَهُ عَن نَفْسه إخبار ولا مَعَ غَيْر اللَّه قرار وَقَالَ أَبُو يَزِيد: حظوظ الأولياء مَعَ تباينها من أربعة أسماء وقيام كُل فريق مِنْهُم باسم منها وَهُوَ الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن فَمَتَى فنى عَنْهَا بَعْد ملابستها فَهُوَ الكامل التام فمن كَانَ حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كَانَ حظه من اسمه الباطن لا حظ مَا جرى فِي السرائر من أنواره ومن كَانَ حظه من اسمه الأَوَّل كَانَ شغله بِمَا سبق ومن كَانَ حظه من اسمه الآخر كَانَ مرتبطا بِمَا يستقبله وكل كوشف عَلَى قدر طاقته إلا من تولاه الحق سبحانه ببره وقام عَنْهُ بنفسه وَهَذَا الَّذِي قاله أَبُو يَزِيد يشير إِلَى أَن الخواص من عباده ارتقوا عَن هذه الأقسام فلا العواقب هُمْ فِي ذكرها ولا السوابق هُمْ فِي فكرها ولا الطوارق هُمْ فِي أسرها وكذا أَصْحَاب الحقائق يكونون محوا عَن نعوت الخلائق قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} [الكهف: ١٨] وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي ريحان اللَّه تَعَالَى فِي الأَرْض يشمه الصديقون فتصل رائحته إِلَى قلوبهم فيشتاقون بِهِ إِلَى مولاهم ويزدادون عُبَادَة عَلَى تفاوت أخلاقهم.
-
وسئل الواسطي كَيْفَ يغذي الولي فِي ولايته فَقَالَ: فِي بدايته بعبادته وَفِي كهولته بستره بلطافته ثُمَّ يجذبه إِلَى مَا سبق لَهُ من نعوته وصفاته ثُمَّ يذيقه طعم قيامه بِهِ فِي أوقاته، وقيل: علامة الولي ثلاثة: شغله بالله تَعَالَى وفراره إِلَى اللَّه تَعَالَى وهمه إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ الخراز: إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يوالي عبدا من عبيده فتح عَلَيْهِ بَاب ذكره فَإِذَا استلذ الذكر فتح عَلَيْهِ بَاب القرب ثُمَّ رفعه إِلَى مجلس الأنس بِهِ ثُمَّ أجلسه عَلَى كرسي التوحيد ثُمَّ رفع عَنْهُ الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف لَهُ عَنِ الجلال والعظمة فَإِذَا وقع بصره عَلَى الجلال والعظمة بقى بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع فِي حفظه سبحانه وبرئ من دعاوي نَفْسه.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت
vol. 1, p. 420أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: قَالَ أَبُو تراب النخشبي: إِذَا ألف القلب الإعراض عَنِ اللَّه تَعَالَى صحبته الوقيعة فِي أولياء اللَّه تَعَالَى ويقال: صفة الولي أَن لا يَكُون لَهُ خوف، لأن الخوف ترقب مكروه يحل فِي المستقبل أَوِ انتظار محبوب يفوت فِي المستأنف والولي ابْن وقته لَيْسَ لَهُ مستقبل فيخاف شَيْء وكما لا خوف لَهُ لا رجاء لَهُ، لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أَوْ مكروه يكشف وَذَلِكَ فِي الثَّانِي من الوقت وَكَذَلِكَ لا حزن لَهُ، لأن الحزن من حزونه الوقت ومن كَانَ فِي ضياء الرضا وبرد الموافقة فأنى يَكُون لَهُ حزن قَالَ اللَّه تَعَالَى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: ٦٢] .
- vol. 1, p. 421
بَاب الدعاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ٥٥] وَقَالَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] .