الفصل الثاني في تعريف همزة القطع ومواضعها التي تقاس فيها وحركتها.
31 paragraphs · vol. 1, p. 491
- vol. 1, p. 491
تعرف همزة القطع بأنها الهمزة التي تثبت في حالتي الوصل والبدء نحو قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتيا} [الأحقاف: ١٥] . وقوله تعالى: {وبالوالدين إِحْسَاناً} [النساء: ٣٦] . وقوله تعالى: {إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ} [هود: ٥٤، ٥٥] .
-
وسميت بهمزة القطع لثبوتها في الدرج فينقطع بالتلفظ بها الحرف الذي قبلها عن الحرف الذي بعدها بخلاف همزة الوصل فإنها تثبت في البدء وتسقط في الدرج كما مر ومن ثم يتضح الفرق بين الهمزتين.
-
وقد أشار العلامة الطيبي إلى تعريف كل من همزتي القطع والوصل بقوله رحمه الله:
وهمزةٌ تثبتُ في الحالين ... همزة قطع نحو أبيضين
وهمزةٌ تثبتُ في البدء فقطْ ... همزة وصل نحو قولك النمط اهـ
مواضع همزة القطع التي تنقاس فيها وبيان حركتها
أما مواضعها التي تنقاس فيها فهي خمسة إجمالاً:
وهي الأفعال الثلاثية ومصدرا الفعل الماضي الثلاثي والرباعي على تفصيل يأتي بعد.
-
وأما بيان حركتها فيشمل الحركات الثلاث الفتحة والكسرة والضمة وفيها
vol. 1, p. 492يلي تفصيل كل موضع من مواضعها الخمسة مع بيان الحركة فيه فنقول وبالله التوفيق ومنه سبحانه نستمد العون والقول.
-
همزة القطع المفتوحة وموضع وجودها
توجد همزة القطع المفتوحة في خمسة مواضع وإليك بيانها:
الأول: الفعل الماضي الثلاثي المبني للمعلوم نحو "أذن وأمر" في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} [النور: ٣٦] . وقوله عز من قائل: {أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم} [يوسف: ٤٠] وما إلى ذلك.
-
الثاني: الفعل الماضي الرباعي المبني للمعلوم نحو: "ألهاكم وأوحَى وأحسنَ" في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التكاثر} [التكاثر: ١] . وقوله سبحانه: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل} [النحل: ٦٨] . وقوله تعالى: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ} [النساء: ١٦٣] . وقوله تعالى: {إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: ٢٣] ، وما أشبه ذلك.
-
الثالث: الفعل المضارع نحو "أذبح وأعمل وأسمع وأرى" في قوله تعالى: {إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: ١٠٢] ، وقوله سبحانه: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} [الأحقاف: ١٥] ، وقوله عز شأنه: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى} [طه: ٤٦] وما كان على هذا النحو.
-
الرابع: فعل الأمر من الرباعي نحو "أكرم وأحْسِن وأخرج وأصلح" في نحو قوله تعالى: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} [يوسف: ٢١] ، وقوله سبحانه: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله
vol. 1, p. 493إِلَيْكَ} [القصص: ٧٧] ، وقوله سبحانه: {أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: ٣٧] ، وقوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتيا} [الأحقاف: ١٥] وما إلى ذلك.
-
الخامس: مصدر الفعل الماضي الثلاثي. وقد تكون همزة القطع فيه مفتوحة نحو "أمر وأمن وأكل" وقد تكون مكسورة أيضاً نحو "إذن وإفك وإثم" .
-
فمثال المفتوحة في التنزيل قوله تعالى: {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} [الكهف: ٦٩] ، وقوله سبحانه: "من كلّ أَمْرٍ" . وقوله جل شأنه: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [النور: ٥٥] ، وقوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: ١٩] ، وما شابه ذلك.
-
ومثال المكسورة في القرآن الكريم قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: ٤] ، وقوله سبحانه: {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ} [المائدة: ١٦] ، وقوله تعالى: {وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: ١٢] ، وقوله عز وجل: {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً} [النساء: ٤٨] وشبه ذلك.
- همزة القطع المكسورة وموضع وجودها
- توجد همزة القطع المكسورة في موضعين:
-
الأول: مصدر الفعل الماضي الرباعي نحو "إطعام وإخراج وإحسان وإنشاء وإكرام" في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدةك ٨٩] ، وقوله تعالى: {
vol. 1, p. 494وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} [نوح: ١٨] ، وقوله جل وعلا: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً} [الإسراء: ٢٣] ، وقوله عز شأنه: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} [الواقعة: ٣٥] ، وقوله سبحانه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ، وقوله عز وجل: {تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام} [الرحن: ٧٨] .
-
الثاني: مصدر الفعل الماضي الثلاثي فيما صح فيه الكسر نحو "إذن وإثم وإفك" وقد مر ذكر ذلك والتمثيل له من التنزيل آنفاً.
- همزة القطع المضمومة وموضع وجودها
- توجد هذه الهمزة في أربعة مواضع:
-
الأول: الفعل المضارع من الثلاثي المزيد نحو "أُبرئ وأحيى وأميت" كما في قوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله} [آل عمران: ٤٩] ، وقوله سبحانه: {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: ٢٥٨] وما كان من هذا الباب.
-
ثانيها: الفعل المضارع من الثلاثي المضعف نحو "أُبرىءُ" كما في قوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} [يوسف: ٥٣] .
-
ثالثها: الفعل الماضي الثلاثي المبني للمجهول نحو "أمر وأذن" كما في قوله تعالى: {وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلاها وَاحِداً} [التوبة: ٣١] ، وقوله تعالى: {لاَ شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} [الأنعام: ١٦٣] ، وقوله سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
vol. 1, p. 495بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} [الحج: ٣٩] .
-
رابعها: الفعل الماضي الرباعي المبني للمجهول أيضاً نحو: "أُوتي وأوحي وأخرج" كما في قوله تعالى: {قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى} [القصص: ٤٨] ، وقوله سبحانه: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن: ١] ، وقوله سبحانه: {أتعدانني أَنْ أُخْرَجَ} [الأحقاف: ١٧] .
-
"تتمة" : ما تقدم هو المواضع القياسية لهمزة القطع في الأسماء والأفعال.
-
أما في الحروف فهي فيها همزة قطع من غير شرط نحو "أن وكأن" المشددتين والمخففتين أيضاً نحو قوله تعالى: {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: ٢٠] ، وقوله سبحانه: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: ٢٠] ، وقوله عز شأنه: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: ٦] ، وقوله تعالى: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} [الأعراف: ٩٢] وما شابه ذلك.
-
ويستثنى من الحروف "ال" عند سيبويه ومذهب الخليل أنها قطعية ووصلت لكثرة الاستعمال.
-
هذا: وكل ما يرد ذكره من همزات في غير ما تقدم قياسية في همزتي الوصل والقطع أو سماعية بالنسبة لهمزة الوصل فهو من همزات القطع سواء أكانت ساكنة متوسطة أم متطرفة وسواء كانت متحركة مبتدأة أو متوسطة أو متطرفة أو كانت للاستفهام أو لغيره وهي على هذا المنوال كثيرة يصعب حصرها وترد في الأسماء والأفعال والحروف بلا شرط وهي ظاهرة لا تخفى وتدرك بأدنى تأمل.
-
فإن قلت حيث إن همزات القطع في غير ما تقدم كثيرة وترد في الأسماء والأفعال والحروف بلا قيد فما وجه ذكرها أولاً في أبواب خاصة بها مقيسة فيها.
vol. 1, p. 496قلت: وجه ذكرها في تلك الأبواب هو الخوف من وقوع التشابه بينها وبين الأبواب التي تنقاس فيها همزة الوصل إذ يخفى أمرها على المبتدئين وللتنبيه على أنها في هذه الأبواب تأتي همزة قطع لا همزة وصل: وهذا هو محل بحث الصرفيين فيها فتأمل.
-
وإليك طائفة من أمثلة همزة القطع من غير الأبواب المقيسة فيها والتي مر ذكرها آنفاً.
-
فمثالها ساكنة في الوسط وفي الطرف نحو "بئر ومأكول ويؤمنون وهيئ" في قوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: ٤٥] ، وقوله سبحانه: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: ٥] ، وقوله تعالى: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [البقرة: ٣] ، وقوله جل شأنه: {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف: ١٠] وما إلى ذلك.
-
ومثالها متحركة مطلقاً مبتدأة ومتوسطة ومتطرفة نحو "إنا وقرآن وسئل وسنقرئك وينشئ وبدأ ومن ماء" في قوله تعالى: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة: ١٥٦] ، وقوله سبحانه: {وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: ٧٨] ، وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ} [البقرة: ١٠٨] ، وقوله عز شأنه: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: ٦] ، وقوله عز من قائل: {وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال} [الرعد: ١٢] ، وقوله جل وعلا: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ} [السجدة: ٧] ، وقوله سبحانه: {والله خَلَقَ
vol. 1, p. 497كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} [النور: ٤٥] وما شابه ذلك.
-
ومثالها للاستفهام ولا تكون إلا مفتوحة نحو "أطلع أتتركون أألد الذكرين" في قوله تعالى: {أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمان عَهْداً} [مريم: ٧٨] ، وقوله سبحانه: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ} [الشعراء: ١٤٦] ، وقوله جلت قدرته: {ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: ٧٢] ، وقوله سبحانه: {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين} [الأنعام: ١٤٤] وما كان على هذا النحو.
-
ومن ثم يتضح جليًّا أن همزة القطع تأتي ساكنة في الوسط وفي الطرف وتأتي متحركة مطلقاً في الابتداء والوسط والطرف وتوجد في الأسماء والأفعال والحروف بخلاف همزة الوصل فإنها لا توجد إلا في أول الكلمة ولا تقع ساكنة بحال: فخالفت همزة القطع في أنها لا تأتي ساكنة، ولا توجد في وسط الكلمة ولا في آخرها فتأمل هذا. والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.