فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

94 paragraphs · vol. 2, p. 113

Page 1 of 3

  1. / فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن (١) يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك.

    vol. 2, p. 113
  2. فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى (٢) أن يأتوا بمثله، وقرعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه.

  3. وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز.

  4. وكذلك نقول: ، إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحاً بليغا بارعاً من غيره - فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان، سواء.

  5. فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها -

    فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة - / فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردئ، والفصيح والبديع، والنادر والبارع والغريب.

  6. وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربما (٣) اختلفوا فيه: لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين.

  7. ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه،

    vol. 2, p. 114ويسلس مأخذه، ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى.

  8. كما [قد] (١) يختار (٢) قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان، وسبق إلى البيان.

  9. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف زهيراً، فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه (٣) .

    وقال لعبد بني الحسحاس حين أنشده: / * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا (٤) *: أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه (٥) .

  10. وروي أن جريراً سئل عن أحسن الشعر؟ فقال: قوله:

    إن الشقي الذي في النار منزله * والفوز فوز الذي ينجو من النار (٦) كأنه فضله لصدق معناه.

  11. ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه (٧) ، حتى ربما قالوا: أحسن الشعر أكذبه، كقول النابغة: يَقُدُّ السلوقِيَّ المضاعفَ نسجُه * ويوقدن بالصفّاحِ نارَ الحباحبِ (٨) وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين: في الغلو (٩) والاقتصاد، وفي المتانة والسلاسة.

  12. ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة، وألطف / تعملا، وأن

    يتخير الالفاظ الرشيقة للمعانى البديعية والقوا في الواقعة، كمذهب البحتري، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب (١) [في قوله] (٢) : في نظام من البلاغة ما شك * ك امرؤُ إنه نظام فريد (٣) وبديع كأنه الزَّهَرُ الضا * حكُ في رونق الربيعِ الجديد حُزنَ مستعمل الكلام اختياراً * وتجنبْنَ ظلمةَ التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدرك * ن به غاية المراد البعيد (٤) [كالعذاري غدون في الحلل ال * بيض إذا رحن في الخطوط السود] (٥) ويرون أن من تعدى هذا كان سالكاً مسلكاً عامياً، ولم يروه شاعراً ولا مصيباً.

    vol. 2, p. 115
  13. / وفيما كتب [إلى] الحسن بن عبد الله: أبو (٦) أحمد العسكري، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أخبرني عبد الله بن الحسين (٧) قال: قال لي البحتري: دعاني " علي بن الجهم " فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين، إلى أن ذكرنا شعر أشجع [السلمى] ، فقال لي: إنه يُخْلي، وأعادها مرات، ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع،

    vol. 2, p. 116وإذا هو يريد هذا بعينه: أن يعمل الابيات فلا يصيب فيها بيت نادر (١) ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب بشئ (٢) ، قيل: قد أخلى.

    قال (٣) : وكان " علي بن الجهم " أحسن الناس علما بالشعر (٤) .

  14. وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام، الذي يجمع الغريب والمعاني، مثل أبي عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، والأصمعي.

  15. / ومنهم من يختار الوحشي من الشعر، كما اختار المفضل (٥) للمنصور من " المفضليات " وقيل: إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن.

  16. وذكر الحسن بن عبد الله: أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس، قال: حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (٦) ، وقد سأل البحتري عن أبي نواس ومسلم بن الوليد: أيهما أشعر؟ فقال البحتري: أبو نواس أشعر.

    فقال عبيد الله: إن أبا العباس ثعلباً لا يطابقك على قولك، ويفضل مسلماً.

    فقال البحتري: ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك (٧) الشعر إلى مضايقه، وانتهى إلى ضرواته (٨) .

    فقال له عبيد الله (٩) : وريت بك زنادي يا أبا عبادة، وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق، [فإن دعبلا حدثنى عن أبى نواس، أنه حضر بشارا، وقد سئل عن جرير والفرزدق، و] (١٠) أيهما أشعر؟ فقال: جرير أشعرهما.

  17. فقيل له: / بماذا؟ فقال: لأن جريراً يشتد، إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق، لانه يشتد أبدا.

  18. فقيل له: فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير.

    vol. 2, p. 117فقال: ليس هذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله، وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير: لولا الحياء لعادني استعبار * ولزرت قبرك والحبيب يزار (١) وروي عن أبي عبيدة: أنه قال للفرزدق (٢) : مالك لا تنسب كما ينسب جرير؟ فغاب حولاً، ثم جاء فأنشد: يا أخت ناجية بن سامة إنني * أخشى عليك بنى إن طلبوا دمى (٣) والاعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام (٤) من الجنس الذي جمعه في كتاب " الحماسة " ، وما اختاره من " الوحشيات " ، وذلك أنه تنكب (٥) المستنكر الوحشى، والمبتذل العامي، وأتى بالواسطة.

  19. وهذه طريقة من ينصف في الاختيار، ولا يعدل به غرض (٦) / يخص، لأن الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم، وإظهار (٧) التقدم في معرفته، وعجز غيرهم عنه، ولم يكن قصدهم جيد الاشعار لشئ يرجع إليها في أنفسها.

  20. ويبين هذا: أن الكلام الموضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على (٨) المراد، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الاذن، و [لا] (٩) مستنكر المورد على النفس، حتى يتأبى بغرابته (١٠) في اللفظ عن الافهام، أو يمتنع بتعويص (١١) معناه عن الإبانة.

  21. ويجب أن يتنكب ما كان عامى اللفظ (١٢) ، مبتذل العبارة، ركيك المعنى، سفسافي الوضع، مجتلب

    vol. 2, p. 118التأسيس (١) على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد.

  22. وإنما فضلت العربية على غيرها، لاعتدالها في الوضع.

  23. لذلك وضع أصلها

    على أن أكثرها [هو] (٢) بالحروف المعتدلة، فقد أهملوا الألفاظ / المستكرهة في نظمها، وأسقطوها من كلامهم، وجعلوا عامة (٣) لسانهم على الاعدل.

  24. ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي، لأنهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر، وحعلوا حرفاً وصلة بين الحرفين، ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك.

  25. والثنائي أقل.

  26. وكذلك الرباعي والخماسي أقل، ولو كان ثنائيا لتكررت الحروف.

  27. ولو كان كله رباعيا أو (٤) خماسيا لكثرت الكلمات.

  28. وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا: فأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف، ذكر فيها ثلاثة أحرف.

  29. وما هو أربعة أحرف سورتان.

  30. وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان.

  31. فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا، وإنما جعله فعلا واسما لشئ خاص.

  32. ومن جعل ذلك حرفاً قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها.

  33. ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر (٥) في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً (٦) ، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان / يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التى هي (٧) اسم لشئ واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية.

  34. والعربية أشدها تمكناً، وأشرفها تصرفاً وأعدلها، ولذلك (٨) جعلت حلية لنظم القرآن، وعلق بها الإعجاز، وصار دلالة في النبوة (٩) .

  35. وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقا في الايضاح عن المطلب (١) وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً.

    vol. 2, p. 119
  36. وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة / وصحة، [وملاحة] (٢) ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال.

  37. شبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك، والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر.

  38. وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير.

  39. وفي جملة الكلام ما تقصر (٣) عبارته وتفضل معانيه.

  40. وفيه ما تقصر معانيه (٤) وتفضل العبارات.