شيخ الإسلام ابن تيمية

85 paragraphs

Page 3 of 3

  1. وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ. وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام {إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه} وكما قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: {لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض}

    vol. 1, p. 50
  2. فإن ذلك يوقع الشك في قلوبهم. ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.

    vol. 1, p. 51
  3. ومما يبين الفرق بين " المعنى " و " التأويل " أن صبيغا سأل عمر عن (الذاريات وليست من الصفات وقد تكلم الصحابة في تفسيرها مثل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها كره سؤاله لما رآه من قصده؛ لكن علي كانت رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه. و (الذاريات و (الحاملات و (الجاريات و (المقسمات فيها اشتباه لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف. والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها ومتى تهب وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر وكذلك في (الجاريات و (المقسمات فهذا لا يعلمه إلا الله. وكذلك في قوله: (إنا و (نحن ونحوهما من أسماء الله التي فيها معنى الجمع كما اتبعه النصارى؛ فإن معناه معلوم وهو الله سبحانه

    لكن اسم الجمع يدل على تعدد المعاني؛ بمنزلة الأسماء المتعددة: مثل العليم والقدير والسميع والبصير فإن المسمى واحد ومعاني الأسماء متعددة فهكذا الاسم الذي لفظه الجمع.

  4. وأما التأويل الذي اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك. والكيف مجهول. فإذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره قيل هذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله. فإن قيل: فقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} قيل: أما تأويل الأمر والنهي فذاك يعلمه واللام هنا للتأويل المعهود لم يقل: تأويل كل القرآن فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة مخبرها إلا الله والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله وهذا كقوله: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} وقوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} فإن المراد تأويل الخبر الذي أخبر فيه عن المستقبل فإنه هو الذي " ينتظر " " ويأتي " و " لما يأتهم " . وأما تأويل الأمر والنهي فذاك في الأمر. وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى إن أدخل في التأويل لا ينتظر.

    vol. 1, p. 52
  5. والله سبحانه أعلم وبه التوفيق؟