النوع الثامن والخمسون: في بدائع القرآن

111 paragraphs · vol. 4, p. 284

Page 3 of 3

  1. عِتَابُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ

    مِنْهُ: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي} الْآيَاتِ

    وَقَوْلُهُ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} الْآيَاتِ.

    vol. 4, p. 317
  2. الْعَكْسُ

    هُوَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلَامٍ يُقَدَّمُ فِيهِ جُزْءٌ وَيُؤَخُّرُ آخَرُ ثُمَّ يُقَدَّمُ الْمُؤَخَّرَ وَيُؤَخَّرُ الْمُقَدَّمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}

  3. وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَكْسِ هَذَا اللَّفْظِ فَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ

    وَقَالَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الصاحِبِ: الْحَقُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكَافِرُ مَنْفِيٌّ عن الْحِلُّ أَمَّا فِعْلُ الْمُؤْمِنَةِ فَيَحْرُمُ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ وَأَمَّا فِعْلُ الْكَافِرِ فَنُفِيَ عَنْهُ الْحِلُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فَلَيْسَ الْكُفَّارُ مَوْرِدَ الْخِطَابِ بَلِ الْأَئِمَّةُ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُمْ مُخَاطَبُونَ بمنع ذلك لأن الشرح أَمَرَ بِإِخْلَاءِ الْوُجُودِ مِنَ الْمَفَاسِدِ فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُؤْمِنَةَ نُفِيَ عَنْهَا الْحِلُّ بِاعْتِبَارٍ وَالْكَافِرُ نُفِيَ عَنْهُ الْحِلُّ بِاعْتِبَارٍ.

    vol. 4, p. 318قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ: وَمِنْ غَرِيبِ أُسْلُوبِ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} فَإِنَّ نَظْمَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَكْسُ نَظْمِ الْأُولَى لِتَقْدِيمِ الْعَمَلِ فِي الْأُولَى عَلَى الْإِيمَانِ وَتَأْخِيرِهِ فِي الثَّانِيَةِ عَنِ الْإِسْلَامِ

    وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى الْقَلْبُ وَالْمَقْلُوبُ الْمُسْتَوِي وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكَاسِ وَهُوَ أَنْ تُقْرَأَ الْكَلِمَةُ مِنْ آخِرِهَا إِلَى أَوَّلِهَا كَمَا تُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} ، {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ.

  4. الْعُنْوَانُ

    قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُتَكَلِّمُ فِي غَرَضٍ فَيَأْتِي لِقَصْدِ تَكْمِيلِهِ وَتَأْكِيدِهِ بأسئلة فِي أَلْفَاظٍ تَكُونُ عُنْوَانًا لِأَخْبَارٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَقِصَصٍ سَالِفَةٍ وَمِنْهُ نَوْعٌ عَظِيمٌ جِدًّا وَهُوَ عُنْوَانُ الْعُلُومِ بِأَنْ يُذْكَرَ فِي الْكَلَامِ أَلْفَاظًا تَكُونُ مفاتيح لعلوم وَمَدَاخِلَ لَهَا

    فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} الْآيَةَ، فَإِنَّهُ عُنْوَانُ قِصَّةِ بَلْعَامَ وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} الْآيَةَ، فِيهَا عُنْوَانُ عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ فَإِنَّ الشَّكْلَ الْمُثَلَّثَ أَوَّلُ الْأَشْكَالِ،

    vol. 4, p. 319وَإِذَا نُصِبَ فِي الشَّمْسِ عَلَى أَيِّ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، لَا يَكُونُ لَهُ ظِلٌّ لِتَحْدِيدِ رؤوس زَوَايَاهُ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ جَهَنَّمَ بِالِانْطِلَاقِ إِلَى ظِلِّ هَذَا الشَّكْلِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الْآيَاتُ، فِيهَا عُنْوَانُ عِلْمِ الْكَلَامِ وَعِلْمِ الْجَدَلِ وَعِلْمِ الْهَيْئَةِ.

  5. الْفَرَائِدُ

    هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَصَاحَةِ دُونَ الْبَلَاغَةِ لِأَنَّهُ الْإِتْيَانُ بِلَفْظَةٍ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْفَرِيدَةِ مِنَ الْعِقْدِ- وَهِيَ الْجَوْهَرَةُ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا- تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ فَصَاحَةِ هَذَا الْكَلَامِ وَقُوَّةِ عَارِضَتِهِ وَجَزَالَةِ مَنْطِقِهِ وَأَصَالَةِ عَرَبِيَّتِهِ بِحَيْثُ لَوْ أُسْقِطَتْ مِنَ الكلام عزت على الفصحاء " غرابتها "

  6. وَمِنْهُ لَفْظُ: " حَصْحَصَ " فِي قَوْلِهِ: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} "والرفث " فِي قَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وَلَفْظَةُ " فُزِّعَ " فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} {خَائِنَةَ الأَعْيُنِ} فِي قَوْلِهِ: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ}

  7. وَأَلْفَاظُ قَوْلِهِ: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً} وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ}

  8. الْقَسَمُ

    هُوَ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ الْحَلِفَ عَلَى شَيْءٍ فَيَحْلِفُ بِمَا يَكُونُ فِيهِ فَخْرٌ لَهُ أَوْ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ أَوْ تَنْوِيهٌ لِقَدْرِهِ أَوْ ذَمٌّ لِغَيْرِهِ أَوْ جَارِيًا مجرى الغزل والترقق أَوْ خَارِجًا مَخْرَجَ الْمَوْعِظَةِ وَالزُّهْدِ كَقَوْلِهِ: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} أقسم سبحانه وتعالى بقسم يوجب الْفَخْرُ لِتَضَمُّنِهِ التَّمَدُّحَ بِأَعْظَمِ قُدْرَةٍ وَأَجَلِّ عَظَمَةٍ

    {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحَيَاةِ نَبِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَتَنْوِيهًا بَقَدْرِهِ وَسَيَأْتِي فِي نَوْعِ الْأَقْسَامِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بذَلِكَ.

    vol. 4, p. 320
  9. اللَّفُّ وَالنَّشْرُ

    هُوَ أَنْ يُذْكَرَ شَيْئَانِ أَوْ أَشْيَاءُ، إِمَّا تَفْصِيلًا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ إِجْمَالًا بِأَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ ثُمَّ يُذْكَرَ أَشْيَاءُ عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ يَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ وَيُفَوِّضُ إِلَى عَقْلِ السَّامِعِ رَدَّ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فَالْإِجْمَالِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} أَيْ وَقَالَتِ الْيَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا الْيَهُودُ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا النَّصَارَى وَإِنَّمَا سَوَّغَ الْإِجْمَالَ فِي اللَّفِّ ثُبُوتُ الْعِنَادِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِدُخُولِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ الْجَنَّةَ فَوُثِقَ بِالْعَقْلِ فِي أَنَّهُ يَرُدُّ كُلَّ قَوْلٍ إِلَى فَرِيقِهِ لِأَمْنِ اللَّبْسِ وَقَائِلُ ذَلِكَ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ

    vol. 4, p. 321قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَالُ فِي النَّشْرِ لَا فِي اللَّفِّ بِأَنْ يُؤْتَى بِمُتَعَدِّدٍ ثُمَّ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ يَصْلُحُ لَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ أُرِيدَ بِهِ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ لَا اللَّيْلُ وَقَدْ بَيَّنْتُهُ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ

  10. وَالتَّفْصِيلِيُّ قِسْمِانِ:
  11. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} فَالسُّكُونُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّيْلِ وَالِابْتِغَاءُ رَاجِعٌ إِلَى النَّهَارِ

    وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} فاللوم راجع إلى البخل ومحسورا رَاجِعٌ إِلَى الْإِسْرَافِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: مُنْقَطِعًا لَا شَيْءَ عِنْدَكَ

    وَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} الْآيَاتِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: {وَوَجَدَكَ ضَالاً} فَإِنَّ الْمُرَادَ السَّائِلُ عَنِ الْعِلْمِ كَمَا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} رَأَيْتُ هَذَا الْمِثَالَ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ لِلنَّوَوِيِّ المسمى بالتنقيح.

  12. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى عَكْسِ تَرْتِيبِهِ كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}

  13. وجَعَلَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى

    vol. 4, p. 322نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ، قَالُوا: " مَتَى نَصْرُ اللَّهِ " قَوْلُ الَّذِينَ آمَنُوا " أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ " قَوْلُ الرَّسُولِ

    وَذَكَرَ الزمخشري قِسْمًا آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} قَالَ: هَذَا مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَتَقْدِيرُهُ: "وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " إِلَّا أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ " مَنَامِكُمْ " و " ابتغاؤكم " بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَنَّهُمَا زَمَانَانِ وَالزَّمَانُ الواقع فِيهِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ مَعَ إِقَامَةِ اللَّفِّ عَلَى الإتحاد

    الْمُشَاكَلَةُ

    ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا

    فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} فَإِنَّ إِطْلَاقَ النَّفْسِ وَالْمَكْرِ فِي جانب البارئ تعالى إنما هو لِمُشَاكَلَةِ مَا مَعَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} لِأَنَّ الْجَزَاءَ حَقٌّ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ سَيِّئَةٌ، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ} {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} {نَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}

  14. ومثال التقديري قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} ، أَيْ تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأَنَّ

    vol. 4, p. 323الْإِيمَانَ يُطَهِّرُ النُّفُوسَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي مَاءٍ أَصْفَرَ يُسَمُّونَهُ الْمَعْمُودِيَّةَ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ تَطْهِيرٌ لَهُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الإيمان ب " صبغة اللَّهِ " لِلْمُشَاكَلَةِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ.

  15. الْمُزَاوَجَةُ

    أَنْ يُزَاوَجَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُمَا كَقَوْلِهِ:

    إِذَا مَا نَهَى النَّاهِي فَلَجَّ بِيَ الْهَوَى

    أَصَاخَتْ إِلَى الْوَاشِي فَلَجَّ بِهَا الْهَجْرُ

    وَمِنْهُ فِي الْقُرْآنِ: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} .

  16. الْمُبَالَغَةُ

    أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَكَلِّمُ وَصْفًا فَيَزِيدُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ وَهِيَ ضَرْبَانِ:

    مُبَالَغَةٌ بِالْوَصْفِ: بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى حَدِّ الِاسْتِحَالَةِ، وَمِنْهُ: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} وَمُبَالَغَةٌ بِالصِّيغَةِ:

    وَصِيَغُ الْمُبَالَغَةِ: "فَعْلَانُ: كَالرَّحْمَنِ وَ" فَعِيلٌ " كَالرَّحِيمِ وَ " فَعَّالٌ " كَالتَّوَّابِ وَالْغَفَّارِ وَالْقَهَّارِ وَ" فَعُولٌ " كَغَفُورٍ وَشَكُورٍ وَوَدُودٍ وَ " فَعِلٌ " كَحَذِرٍ وَأَشِرٍ وَفَرِحٍ وَ" فُعَالٌ " بِالتَّخْفِيفِ كَعُجَابٍ وَبِالتَّشْدِيدِ كَكُبَّارٍ وَ" فُعَلٌ " كَلُبَدٍ وَكُبَرٍ وَ " فُعْلَى" كَالْعُلْيَا وَالْحُسْنَى وَشُورَى وَالسُّوءَى.

  17. فَائِدَةٌ

    الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ "فَعْلَانَ" أَبْلَغُ مِنْ "فَعِيلٍ" وَمِنْ ثَمَّ قيل: "الرَّحْمَنُ" أَبْلَغُ مِنَ "الرَّحِيمِ" وَنَصَرَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالتَّثْنِيَةُ تَضْعِيفٌ فَكَأَنَّ الْبِنَاءَ تَضَاعَفَتْ فِيهِ الصِّفَةُ وَذَهَبَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إِلَى أَنَّ "الرَّحِيمَ" أَبْلَغُ مِنَ "الرَّحْمَنِ" وَرَجَّحَهُ ابن عسكر بِتَقْدِيمِ "الرَّحْمَنِ" عَلَيْهِ وَبِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ كَعَبِيدٍ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَذَهَبُ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.

    vol. 4, p. 324
  18. فَائِدَةٌ

    ذَكَرَ الْبُرْهَانُ الرَّشِيدِيُّ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ كُلُّهَا مَجَازٌ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ وَلَا مُبَالِغَةَ فِيهَا لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ أن تثبت للشيء أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ وَصِفَاتُهُ تَعَالَى مُتَنَاهِيَةٌ فِي الْكَمَالِ لَا يُمْكِنُ الْمُبَالَغَةُ فِيهَا وَأَيْضًا فَالْمُبَالَغَةُ تَكُونُ فِي صِفَاتٍ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَصِفَاتُ اللَّهِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ

    وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ التَّحْقِيقُ أن صيغ المبالغة قسمان:

    أحدهما: مَا تَحْصُلُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْفِعْلِ

    وَالثَّانِي: بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْمَفْعُولَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعَدُّدَهَا لَا يُوجِبُ لِلْفِعْلِ زِيَادَةً إِذِ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ قَدْ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُتَعَدِّدِينَ وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَنْزِلُ صِفَاتُهُ تَعَالَى وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ ولهذا قاله بَعْضُهُمْ فِي "حَكِيمِ" مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ تَكْرَارُ حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرَائِعِ

    وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوَّابِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَثْرَةِ مَنْ يَتُوبُ عَلَيْهِ

    vol. 4, p. 325من عبادة أو لأنه بيلغ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ نُزِّلَ صَاحِبُهَا مَنْزِلَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ لِسَعَةِ كَرَمِهِ

    وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ سُؤَالًا عَلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَهُوَ أَنَّ "قَدِيرًا" مِنْ صِيَغِ الْمُبَالِغَةِ فَيَسْتَلْزِمُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَعْنَى "قَادِرٍ" وَالزِّيَادَةُ عَلَى مَعْنَى "قَادِرٍ" مُحَالٌ إِذِ الْإِيجَادُ مِنْ وَاحِدٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ

    وَأُجِيبُ: بِأَنَّ المبالغة لما تعذر حملها على كُلِّ فَرْدٍ وَجَبَ صَرْفُهَا إِلَى مَجْمُوعِ الْأَفْرَادِ الَّتِي دَلَّ السِّيَاقُ عَلَيْهَا فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ المتعلق لا الوصف.

  19. الْمُطَابَقَةُ

    وَتُسَمَّى الطِّبَاقُ: الْجَمْعُ بَيْنَ مُتَضَادَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ قِسْمِانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌ وَالثَّانِي يُسَمَّى التَّكَافُؤُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ وَإِمَّا طِبَاقُ إِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ

    وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ}

  20. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَجَازِيِّ: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} ، أَيْ ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ

    وَمِنْ أَمْثِلَةِ طِبَاقِ السَّلْبِ: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}

  21. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعْنَوِيِّ: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} مَعْنَاهُ "رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا لَصَادِقُونَ"

    vol. 4, p. 326
  22. {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} قَالَ: أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: لَمَّا كَانَ الْبِنَاءُ رَفْعًا لِلْمَبْنِي قُوبِلَ بِالْفِرَاشِ الَّذِي هُوَ عَلَى خِلَافِ الْبِنَاءِ

    وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى الطِّبَاقَ الْخَفِيَّ كَقَوْلِهِ: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً} لِأَنَّ الْغَرَقَ مِنْ صِفَاتِ الْمَاءِ فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالنَّارِ قَالَ ابْنُ مُنْقِذٍ وَهِيَ أَخْفَى مُطَابَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ

    وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: مِنْ أَمْلَحِ الطِّبَاقِ وَأَخْفَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} لِأَنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ الْقَتْلُ فَصَارَ الْقَتْلُ سَبَبُ الحياة

    وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى تَرْصِيعُ الْكَلَامِ وَهُوَ اقْتِرَانُ الشَّيْءِ بِمَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} أَتَى بِالْجُوعِ مَعَ الْعُرْيِ وَبَابُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الظَّمَأِ وَبِالضُّحَى مَعَ الظَّمَأِ وَبَابُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعُرْيِ لَكِنَّ الْجُوعَ وَالْعُرْيَ اشْتَرَكَا فِي الْخُلُوِّ فَالْجُوعُ خُلُوُّ الْبَاطِنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالْعُرْيُ خُلُوُّ الظَّاهِرِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالظَّمَأُ وَالضُّحَى اشْتَرَكَا فِي الِاحْتِرَاقِ فَالظَّمَأُ احْتِرَاقُ الْبَاطِنِ مِنَ الْعَطَشِ وَالضُّحَى احْتِرَاقُ الظَّاهِرِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ

    vol. 4, p. 327وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى الْمُقَابَلَةُ وَهِيَ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظَانِ فَأَكْثَرُ ثُمَّ أضدادها عَلَى التَّرْتِيبِ.

  23. قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطِّبَاقِ وَالْمُقَابَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطِّبَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ضِدَّيْنِ فَقَطْ وَالْمُقَابَلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَا زَادَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.

  24. وَالثَّانِي: أَنَّ الطِّبَاقَ لَا يكون إلا بالأضداد والمقابلة بالأضداد وبغيرها قَالَ السَّكَّاكِيُّ: وَمِنْ خَوَاصِّ الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ إِذَا شُرِطَ فِي الْأَوَّلِ أَمْرٌ شُرِطَ فِي الثَّانِي ضِدُّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآيتين قَابَلَ بَيْنَ الْإِعْطَاءِ وَالْبُخْلِ وَالِاتِّقَاءِ وَالِاسْتِغْنَاءِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْيُسْرَى وَالْعُسْرَى وَلَمَّا جُعِلَ التَّيْسِيرُ فِي الْأَوَّلِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْإِعْطَاءِ وَالِاتِّقَاءِ وَالتَّصْدِيقِ جُعِلَ ضِدُّهُ وَهُوَ التَّعْسِيرُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ أَضْدَادِهَا

    وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُقَابَلَةُ إِمَّا لِوَاحِدٍ بِوَاحِدٍ وَذَلِكَ قَلِيلٌ جدا كقوله: {تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}

  25. أَوِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} أَوَ ثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ كَقَوْلِهِ: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} وأربعة بأربعة كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} الآيتين

    وَخَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا} الْآيَاتِ قَابَلَ بَيْنَ "بَعُوضَةً فَمَا فوقه" وبين "فأما الذين آمنو" ،

    vol. 4, p. 328و "وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" وَبَيْنَ يُضِلُّ "وَيَهْدِي" وبين "ينقضون" "وميثاقه" " وَبَيْنَ يَقْطَعُونَ " وَ "أَنْ يُوصَلَ"

  26. أَوْ سِتَّةٍ بِسِتَّةٍ كَقَوْلِهِ: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الْآيَةَ، ثُمَّ قال: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} الآية، قَابَلَ "الْجَنَّاتِ" وَالْأَنْهَارَ وَالْخُلْدَ وَالْأَزْوَاجَ وَالتَّطْهِيرَ وَالرِّضْوَانَ بِإِزَاءِ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثَ

    وَقَسَّمَ آخَرُ الْمُقَابَلَةَ إِلَى ثَلَاثَةِ: أَنْوَاعٍ نَظِيرِيٍّ وَنَقِيضِيٍّ وَخِلَافِيٍّ.

  27. مِثَالُ الْأَوَّلِ: مُقَابَلَةُ السِّنَةِ بِالنَّوْمِ فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا مِنْ بَابِ الرُّقَادِ الْمُقَابَلِ بِالْيَقَظَةِ فِي آيَةِ: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} وَهَذَا مِثَالُ الثَّانِي: فَإِنَّهُمَا نَقِيضَانِ

    وَمِثَالُ الثَّالِثِ: مُقَابَلَةُ الشَّرِّ بِالرَّشَدِ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ لَا نَقِيضَانِ فَإِنَّ نَقِيضَ الشَّرِّ الْخَيْرُ وَالرُّشْدِ الْغَيُّ

    الْمُوَارَبَةُ

    بِرَاءٍ مُهْمِلَةٍ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ أَنْ يَقُولَ الْمُتَكَلِّمُ قَوْلًا يَتَضَمَّنُ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فَإِذَا حَصَلَ الْإِنْكَارُ اسْتَحْضَرَ بِحَذَقِهِ وَجْهًا مِنَ الْوُجُوهِ يَتَخَلَّصُ بِهِ إِمَّا بِتَحْرِيفِ كَلِمَةٍ أَوْ تَصْحِيفِهَا أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَكْبَرِ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ

    vol. 4, p. 329سَرَقَ} فَإِنَّهُ قُرِئَ: " إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَلَمْ يَسْرِقْ" ، فَأَتَى بِالْكَلَامِ عَلَى الصِّحَّةِ بِإِبْدَالِ ضَمَّةٍ مِنْ فَتْحَةٍ وتشديد الراء وكسرتها.

  28. الْمُرَاجَعَةُ

    قَالَ: ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ: هِيَ أَنْ يَحْكِيَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَاجَعَةً فِي الْقَوْلِ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَاوِرٍ لَهُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَعْدَلِ سَبْكٍ وَأَعْذَبِ أَلْفَاظٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} جَمَعَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ- وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ ثَلَاثَ مُرَاجَعَاتِ فِيهَا مَعَانِي الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِالْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ

    قُلْتُ: أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ جَمَعَتِ الْخَبَرَ وَالطَّلَبَ وَالْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ وَالتَّأْكِيدَ وَالْحَذْفَ وَالْبِشَارَةَ وَالنِّذَارَةَ والوعد والوعيد.

  29. النزاهة

    هي خلوص ألفاظ الهجاء مِنَ الْفُحْشِ حَتَّى يَكُونَ كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَحْسَنِ الْهِجَاءِ هُوَ الَّذِي إِذَا أَنْشَدَتْهُ الْعَذْرَاءُ فِي خِدْرِهَا لَا يَقْبُحُ عَلَيْهَا

    وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} ثُمَّ قَالَ: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فَإِنَّ أَلْفَاظَ ذَمِّ هَؤُلَاءِ

    vol. 4, p. 330الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَتَتْ مُنَزَّهَةً عَمَّا يَقْبُحُ فِي الْهِجَاءِ مِنَ الْفُحْشِ وَسَائِرِ هِجَاءِ الْقُرْآنِ كذلك.

  30. الْإِبْدَاعُ

    بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْكَلَامُ عَلَى عِدَّةِ ضُرُوبٍ مِنَ الْبَدِيعِ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَلَمْ أَرَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} فَإِنَّ فِيهَا عِشْرِينَ ضَرْبًا مِنَ الْبَدِيعِ وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً وَذَلِكَ: الْمُنَاسِبَةُ التَّامَّةُ فِي "ابْلَعِي" وَ "أَقْلِعِي" ، وَالِاسْتِعَارَةُ فِيهِمَا وَالطِّبَاقُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْمَجَازُ فِي قوله تعالى: {يَا سَمَاءُ} فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ يَا مَطَرَ السَّمَاءِ وَالْإِشَارَةُ فِي "وَغِيضَ الْمَاءُ" فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَغِيضُ حَتَّى يُقْلِعَ مَطَرُ السَّمَاءِ وَتَبْلَعَ الْأَرْضُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ عُيُونِ الْمَاءِ فَيَنْقُصُ الْحَاصِلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَاءِ وَالْإِرْدَافُ فِي "وَاسْتَوَتْ" وَالتَّمْثِيلُ فِي: "وَقُضِيَ الْأَمْرُ " وَالتَّعْلِيلُ فَإِنَّ "غِيضَ الْمَاءُ" عِلَّةُ الِاسْتِوَاءِ وَصِحَّةُ التَّقْسِيمِ فَإِنَّهُ اسْتَوْعَبَ فِيهِ أَقْسَامَ الْمَاءِ حَالَةَ نَقْصِهِ إِذْ لَيْسَ إِلَّا احْتِبَاسُ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ النَّابِعِ مِنَ الْأَرْضِ وَغِيضَ الْمَاءُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهَا وَالِاحْتِرَاسُ فِي الدُّعَاءِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْغَرَقَ لِعُمُومِهِ شمل مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْهَلَاكَ فَإِنَّ عَدْلَهُ تَعَالَى يَمْنَعُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ وَحُسْنُ النَّسَقِ وَائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى وَالْإِيجَازُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَصَّ الْقِصَّةَ مُسْتَوْعَبَةً بِأَخْصَرِ عِبَارَةٍ وَالتَّسْهِيمُ لأن أَوَّلَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى آخِرِهَا وَالتَّهْذِيبُ لِأَنَّ مُفْرَدَاتِهَا مَوْصُوفَةٌ بِصِفَاتِ الْحُسْنِ كُلُّ لَفْظَةٍ سَهْلَةُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ عَلَيْهَا رَوْنَقُ

    vol. 4, p. 331الْفَصَاحَةِ مَعَ الْخُلُوِّ مِنَ الْبَشَاعَةِ وَعَقَادَةِ التَّرْكِيبِ وَحُسْنُ الْبَيَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّامِعَ لَا يَتَوَقَّفُ فِي فَهْمِ مَعْنَى الْكَلَامِ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَالتَّمْكِينُ لِأَنَّ الْفَاصِلَةَ مُسْتَقِرَّةٌ فِي مَحَلِّهَا مُطَمْئِنَةٌ فِي مَكَانِهَا غَيْرُ قَلِقَةٍ ولا مستدعاة والانسجام "وهو تحدر الكلام بسهوله وعذوبة وسبك مع جزالة لفظ كما ينسجم الماء القليل من الهواء "

  31. هذا ما ذكر ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ

    قُلْتُ فِيهَا أَيْضًا الِاعْتِرَاضُ.