عامر بن عبد الله بن الزبير
19 paragraphs · vol. 1, p. 220
- vol. 1, p. 220
فكان من العباد المنقطين. وكان عبد الله بن الزبير يقول له، لما يرى من تخشعه: يا بني، إني قد رأيت أبا بكر وعمر، فلم يكونا هكذا.
قال: وسمعت عمي مصعب بن عبد الله وغيره من أصحابنا يقولون: إن عامر بن عبد الله أقام يدعو لأبيه سنةُ لا يخلط معه غيره.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن يعلى بن عقبة قال: مر عامر بن عبد الله وأنا معه
vol. 1, p. 221بمنزل خاله المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فرأى جملاً دبرا بفنائه مناخاً، فقال المغيرة: ألك هذا الجمل؟ قال: نعم. قال: أفلا تعالجون دبره؟ قال: ليس الغلام حاضراً. قال: فدعا عامر جارية للمغيرة فقال: هات لي ماء. وألقى إلي رداءه، فعالج دبره بيده حتى فرغ منه، ثم غسل يديه وخرج. فقلت له في ذلك، فقال: إن أمي ماتت وأنا صغير لم أدرك برها، فأحببت أن أبرها في أخيها.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله: أن مالك ابن أنس قال: كان عامر بن عبد الله يواصل الصيام ثلاث ليالٍ، فكنت آتيه آخر يومٍ من صيامه أسأل به وأطلع حاله، فيشير إلى برد السلام.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب قال: سمع عامر ابن عبد الله المؤذن، وهو يجود بنفسه، ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي. فقيل له: أنك عليل! فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده، فدخل في صلاة المغرب، فركع مع الإمام رَكْعةُ ثم مات، رحمه الله.
- vol. 1, p. 222
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قلت لعبد العزيز بن أبي حازم: خلتان كانت في عامر بن عبد الله ما عذره فيهما؟ كان إذا أعرض عن حد لم يكلمه أبداً، وكان لا يزوج بناته؟ فقال لي: كانت هاتان الخصلتان من أعيب ما في عامر. فقلت لعمي: فهل سمعت له في ذلك بمخرج؟ قال: نعم، أما الإعراض، فإنه كان رجلاً في خلقه ضيق، فإذا ناره من أحدٍ شيء، خاف أن يأتيه منه أكثر من ذلك، فقطع ما بينه وبينه. وأما منعه بناته من التزويج، فإني سمعت ناساً يقولون: نرى أن ذلك تخوفاً من أن يحنث من يتزوجهن بأيمان البيعة.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقول: لا أزوج إلا كفؤاً في نسبه، كفؤاً في نشبه أيضاً، كفؤاً في يدنه. فخطب إليه هشام بن عبد الملك فرده، فقيل له: قد اجتمعت لك خصال في هشام، فلم رددته؟ فقال: ما كنت لأزوجها ابن قاتل أبيها.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز
vol. 1, p. 223ابن محمد الدراوردي، عن مصعب بن ثابت قال: كنت جاساً مع عمي عامر ابن عبد الله، فجاءه فتى من قريش شريف النسب، غامض الخال، فسلم عليه فرد عليه السلام، وقال له: يا أبا الحارث، أمتع الله بك، جئتك خاطباً. فأظلم ما بيني وبين عمي، معرفة مني بشدة ما لقيه به عليه، فلم يجبه عمي بشيء، فقال له الفتى: يا أبا الحارث، أمتع الله بك، أما لكلامي جواب؟ فقال عامر: إن من كان بين حسنة يشكرها، وسيئة يستغفر منها، لمشغول عن كلامك، فلما ولى الفتى نظر عامر في قفاه ثم قال:
فلو كَانُوا لِكَيَّسَةٍ أكاسَتْ ... وكَيْسُ الأمِّ أكْيَسُ للبَنِينا
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قيل لعامر بن عبد الله: أخطأ الجراد نخلك وأصاب الناس. فقال: أشهد كم أنها صدقة على المساكين. فقلت له: بالنخل تصدق أم بالثمر؟ قال: لا أراه والله إلا
vol. 1, p. 224بالنخل، وأظنها صدقة من المخدمين بمكة. ولو كان تصدق بالثمر سنة واحدة، ما أنتفع منه بشيء أبداً.
-
وكان ألزم الناس لوتيرة واحدة. لقد سرقت نعلاه مرة من المسجد، فأنصرف حافياً، فما لبس نعلين، وما زال حافياً حتى لقي الله.
-
ولقد انهدمت أظفار من درجته، فبات تلك الليلة في الدار، فعملت الغد، في الدار حتى لقي الله عز وجل.
-
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد لله، عن عمر بن عثمان بن عمر قال: كان جار لعامر بن عبد الله بن الزبير يسئ جواره، فأشترى عامر منه منزله بألف دينار، على أن يجمعها له في ثلاث سنين، وعامر بالخيال في ذلك. فكان يقول لجلسائه: قد أجتمع من ثمن المنزل كذا والحمد لله. إلى أن قال لهم ذات عشية: قد اجتمع ثمن منزله كله والحمد لله، وأرجو أن أدفع ذلك غداً والحمد لله، وأكتب الكتاب. فقال له صديق له: هل لك في صديقك فلان نعوده فإنه مريض؟ قال: نعم. فقام إليه فدخل عليه، فسأله كيف هو؟ فقال له الرجل: واويله ووايلاه مما في الصندوق، ليت فيه بدله عقارب أو أفاعي أو جمراً
vol. 1, p. 225يتلهب. فقال له عامر: لا تقل هذا، وأبشر، فأني أرجو أن يقيل الله ويرفعك حتى تنظر فيما في الصندوق وتستعتب. ثم خرج عامر، فما بلغ منزله حتى أتاه إنسان فأخبره أنه مات، فخرج عامر في جنازته، فجعل يلتفت إليه وهو على سرسه بين ساعتين فيقول: الحمد لله الذي وعظني بك ولم يعظك بي. قال: فما سمع عامر ذاكراً لمنزل حتى مات. فيرى أنه تقرب بثمنه إلى الله عز وجل.
-
أخبرنا الزبير قال، وحدثني عياش بن المغيرة قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذا شهد جنازة وقف على القبر فقال: ألا أراك ضيقاً؟ ألا أراك دقعاء؟ ألا أراك مظلماً؟ لئن سلمت لا تأهبن لك أهبتك. فأول شيء تراه عيناه من ماله يتقرب به إلى ربه. قال: رقيقه ليعترضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن الضحاك، وعبد الرحمن بن المغيرة الحزامي: أن عامر بن عبد الله دفع إلى محمد بن زياد مولى مصعب بن الزبير،
vol. 1, p. 226ثلاثين ألف درهم وقال له: أقسمها في بيوتات الأنصار، ولا تعطين منها بيتاً حارثياً درهماً، فإني سمعت الله عز وجل ذكر أنهم قالوا: " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً " ، وهم الذين دخلوا على قومي يوم الحرة.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عن مسور بن عبد الملك اليربوعي مثله، إلا أنه قال: دفعها إلى عبد الله بن زياد مولى مصعب ابن الزبير.
-
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله، ومحمد بن الضحاك، ومن شئت من أصحابنا: أن رجلاً أودع محمد بن المنكدر خمسمئة دينار، فأستنفقها محمد بن المنكدر، فقدم الرجل، فجعل ابن المنكدر يدعو ويقول: اللهم إنك تعلم أن فلاناً أودعني خمسمئة دينار فاستنفقتها، وقد قدم وليست عندي، اللهم فاقضها عني ولا تفضحني. فسمع عامر دعاءه، فأنصرف إلى منزله فصر خمسمئة دينار، ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر، ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر، فانصرف محمد من لصلاته فرآها بين يديه، فأخذها
vol. 1, p. 227وحمد الله. قال عامر: فخشيت أن يفتتن، فذكرت له أني وضعتها، وأخبرته ما خفت عليه من الفتنة.
-
حدثنا الزبير قال، وأخبرني عثمان وغيره: أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان ربما أنصرف من العشاء الآخرة، قتعرض له الدعوة وقد بلغ موضع الجنائز، فيرفع يديه يدعو حتى يؤذن الصبح. فيرجع من مكانه ذلك إلى المسجد بوضوئه فيصلي الصبح.
-
حدثنا الزبير قال، حدثني محمد بن مسلمة، عن مالك بن أنس: أن عامر بن عبد الله كان يواصل في شهر رمضان ثلاثاً. فقيل له: ثلاثة أيام؟ فقال: لا، ومن يقول يواصل ثلاثة أيام؟ يومين وليلة.
قال: وكان عامر يشرب السمن، ربما أرسلني ربيعة أسأل عنه خلف القبر، فآتيه بعد العصر أسأل عنه.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني سفيان بن عيينة قال: ذهبت أرمي الجمار مع أبي، فرأينا رجلاً يطيل القيام عند الجمار يدعو. فأرسلني أبي فقال:
vol. 1, p. 228سل من هذا؟ قال: فسألت عنه فقيل: هذا عامر بن عبد الله بن الزبير. ورأيت عليه عمامة وقد أرخى فضلها بين كتفيه.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني رجل قال، حدثني إسحاق بن محمد الفروي قال، حدثني مالك بن أنس قال: كنت يوماً مع عامر بن عبد الله بن الزبير، ولم أر مثله في زمانه كان أكثر فضلاً، فوقف عليه ابن ذي الزوائد السعدي في المسجد فقال:
إذا عَدَّتْ منَاقِبهَا قُرَيْشٌ ... فإنّكَ عامرُ بن أبي خُبَيْبِ
أبوك العَاِئذُ المَهْدِيُّ حَبْرٌ ... وأمُّك نِعْمَ والدةُ النَّجِيبِ
فِجْئتَ مُهذَّبَ الأعْراقِ مَحْضاً ... سُلاَلَ الصَّفْوِ من كَرَمٍ قَطيبِ
vol. 1, p. 229قال: فلما أتى عليها، أمر له بأعدادها دنانير، فأخذ لكل بيت ديناراً. قال: وكان إذا مدح فذكر أبواه أو أحدهما، أثاب من فعل ذلك، وإذا لم يذكرا لم يفعل.
-
ومن ولد عامر بن عبد الله
عتيق بن عامر، وابنه عمر بن عتيق، قتلا بقديد.