ومن ولد عبد الله بن زمعة:
17 paragraphs · vol. 1, p. 482
- vol. 1, p. 482
أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة. وكان شريفاً مطعاماً، وكان ينزل الفرش، وكان كثير الضيفان.
- vol. 1, p. 483
حدثنا الزبير قال، أخبرني عمي مصعب بن عبد الله قال، أخبرني سليمان بن عياش السعدي قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن الحسن بالفرش، معنا شيخ من أهل الفرش قديم، إذ جاءنا رجل فسلم على عبد الله بن حسن وجلس، فساءله عبد الله وقال: كيف وجدت منزلك؟ قال له الرجل: لم أكره منه شيئاً إلا الذر، أراه سيخرجنا منه. وكان الرجل نازلاً منزل أبي عبيدة. قال: فقال له الشيخ: يا ويسة! يحسب أنك أبو عبيدة! لا تنقل عن منزلك، فيوشك الذر أن يعرفك فينتقل عنك!
vol. 1, p. 484قال الزبير: وأحسب أني سمعت هذا الحديث من سليمان بن عياش، وذكر أن الشيخ من أسلم.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن عبد الله بن بعد الرحمن بن القاسم
ابن محمد بن أبي بكر الصديق قال: قال رجل لموسى بن عبد الله بن حسن: إن إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن زيد: يجزع أن يقال: " صخرات أبي عبيدة " ، لنزولهم عندها، قال: فغضب موسى وقال: أيجزع من ذلك؟ والله ما تعرف إلا به، وإن شرفه أظهر وأكثر من ذلك، ولقد أخبرني أبي، عبد الله ابن حسن: أنه تزوج إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أمي هند بنت أبي عبيدة، وهو فتى شاب، قال: فكنت أمر بناس من الأسلميين، فيقول بعضهم: هذا صهر أبي عبيدة!
vol. 1, p. 485قال: فكان عبد الله بن حسن بعد أن كبر وظهر شرفه يقول للأسلمين: تذكرون حيث كنت أمر بكم فتقولون: هذا صهر أبي عبيدة؟ قال عمي مصعب بن بعد الله: وكان أبو عبيدة يقول من الشعر شيئاً، وكان رجل من هذيل يسكن ملل، يقال له: عمر بن عائذ، وكان شاعراً، وكان إنسان من بني تيم بن مرة، من الصبيحيين يقال له: عمران، وكان يهوى إلى امرأة بمراخ، بين عمر بن عائد وبينها رحم من قبل النساء.
-
فخرج عمران مع عمر بن عائد متوصلاً حتى دخل على المرأة، ويجده أهلها عندها، فضربوه، فنزى في ضربهم، فمات فيه بعد حين، فقال أبو عبيدة يعبث مع عمر بن عائد الهذلي:
ألا سَلْ أبَا حَفْصٍ إذا ما لَقِيتَهُ ... على مَلَلٍ، ما كان شأنُ المُجَاوِرِ
قَبَلْتَ بِهِ تُرْبَانَ تَبْغِي به الرَّدَىرَدَى الحَيْنِ لاَ أخْطَاك حَيْنُ المقَادِرِ
vol. 1, p. 486فلا سَلِمتْ تَيْمُ بن مُرّةَ، إنْ نَجَا ... بها عُمَرٌ، أخْرَى اللَّيالِي الغَوابرِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: ركب إبراهيم ابن هشام إلى عينه بملل، فلما أراد الانصراف قال: اجعلوا طريقنا على أبي عبيدة ابن عبد الله نتفجؤه عسى أن نبخله. قال: فهجم على أبي عبيدة، فرحب به واسْتَنْزَ لَهُ، فقال: إن كان شيء عاجل وإلا فإني لست أجلس. فقال: وما عسيت أن يكون عندي عاجلاً يكفيك ويكفي جماعتك هذه؟ ولكن تنزل ونذبح لكم. فأبى، وأراد الانصراف، فقال له: انزل، عندي عاجل. فجاءه بسبعين كرشاً فيها رؤوس، وأمر بالذبح لهم، فعجب ابن هشام وقال: ترونه ذبح في ليلة من الغنم عدد هذه الرؤوس؟ حدثنا الزبير قال، وأخبرني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم قال: كان أبو عبيدة إذا صدر إلى الفرش صدر بلقح وغنم ودجاج كثير.
-
فإذا انقضى المربع، قسم ذلك كله في جيرته. فغفل إنسان أسلمي يقال له: " ملوى " عن اليوم الذي كان أبو عبيدة يقسم ذلك فيه، ونسيه أبو عبيدة، فجاءه وقد قسم اللقح والغنم وبقي الدجاج، فقال له أبو عبيدة:
بَيْتُ دَجَاجي لَكَ يا مَلْوِيّ
مُنَيْزِلٌ أنْتَ بِهِ حَرِىُّ
مُنَيْزِلٌ يَحُلُّهُ الشَّقِىُّ
حدثنا الزبير قال، وحدثني يعقوب بن عبد الله قال، وحدثني عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن قال: كان أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة نازلاً في منزله بصفر من الفرش، فكان يرسل رجلاً من جهينة يقال له: " هلال " ، يمتاز له حنطة من الجار، وكان منزل هلال أقرب إليه إذا جاء من الجار من منزل أبي عبيدة، فكان يأتي بالحنطة التي يمتار لأبي عبيدة فيفرغها في منزله، ولا يأتي أبا عبيدة بشيء. فقال له أبو عبيدة: ويحك يا هلال، فلو كنت تقاسمنا الحنطة كان أمثل، ولا أراني إلا سأرسل إلى الميرة غيرك. قال له: لا تفعل، فأنا لآتيك بميرتك على وجهها. وحلف له على ذلك، فأرسله أبو عبيدة يمتار له، فجاء إلى وكيل أبي عبيدة بالجار كما كان يأتيه في الميرة، وقال: يقول لك أبو عبيدة: أطرفني من حيتان الجار وطرائفها. ففعل الوكيل، فوضع في منزله حيث مر الهدية، وجاء إلى أبي عبيدة بالميرة وافية على حالها، فقال أبو عبيدة:
أوْفَى هلاَلٌ وأدَّى عن أمانته ... كما يُؤَدِّي ذَوُو الأحْسَاب والدِّينِ
فقال له هلال: من أوفى وأدى عن أمانته، فعض على كذا من
vol. 1, p. 488أمه! وأخبره الهدية، فضحك أبو عبيدة وقال: ويحك، فقاسمناها إما لا.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن موسى بن طلحة قال، حدثني عبد الله بن عثمان النحوي، عن أنيس بن ربيعة الأسلمي أنه قال: غدوت يوماً إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة وهو محتل بالدحيلة، فألفيت عنده جماعة منا ومن غيرنا، فأتاه آت فقال له: ذاك النصيب منذ ثلاث بالفرش يتلدد كأنه واله في إثر قوم ظاعنين. فنهض ونهضنا معه حتى نجده على المنتخر من صفر. فلما عايننا وعرف أبا عبيدة، هبط. فسأله أبو عبيدة عن أمره وخبره، فأخبره أنه تبع قوماً سائرين، وأنه وجد آثارهم ومحالهم بالفرش، فاستولهه ذلك. فضحك به أبو عبيدة والقوم وقالوا له: إنما يهتز إذا عشق من
vol. 1, p. 489انتسب يمانياً، فأما أنت فما لك ولهذا؟ فسكن.
-
وسأله أبو عبيدة: هل قلت في مقامك شيئاً؟ قال: نعم. فأنشده:
لعَمْرِي لئن أمسَيْتَ بالفَرْشِ مُقْصَداً ... ثَوِيَّاك عَبُّودُ وعُدْنَةُ أو صَفَرْ
تُفَرِّعُ صَبًّا أو تُنَمِّى مُصَعِّداً ... لرَبْعٍ قديمِ العَهْدِ تَنْتكِفُ الأثَرْ
دَعَا أهلَهُ في الشَّأْمِ بَرْقٌ فأوْجَفُوا ... ولم تَرَ مَتْبُوعاً أضَرَّ من المَطَرْ
لَتَسْتَبْدِلَنْ قلباً وعَيْناً سِوَاهُمَا ... وإلا أتى قَصْداً حُشَاشَتَكَ القَدَرْ
vol. 1, p. 490خَليلَيَّ فيما عِشْتُما ورَأيْتُمَا ... هَلِ اشْتَاق مَضْرُورٌ إلى من بِهِ أضَرّ
نَعَمْ ربَّما كان الشقاء مُتَيَّحاً ... فَغَطَّى على سَمْعِ ابنِ آدَمَ والبَصَرْ
قال: فانصرف به أبو عبيدة إلى منزله، فأطعمه وكساه وحمله، فانصرف وهو يقول:
أصابَ دَواء حِيبَتِك الطَّبِيبُ ... وخَاضَ لك السُّلُوَّ ابنُ الرَّبيبِ
وأبْصَرَ من رُقَاكَ مُنَفِّثَاتٍ ... ودَاؤُك كانَ أعْرفَ بالطَّبيبِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني أسعد بن عبيد الله المزني، عن إبراهيم بن سعيد بن بشر بن عبد الله بن عقيل الخارجي، عن أبيه سعيد بن بشر قال: والله إنا لمع أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بمنى في حواء له ضخم، إن درينا إلا بكثير باكراً قبل أن نطعم شيئاً، فلما رآه أبو عبيدة حياة واقتفى
vol. 1, p. 491به، ودعا بالغداء فأتى به، فلما شرعنا وشرع كثير معنا، إذا رجل يسلم، فرددنا السلام واستدنيناه، فإذا النصيب في بزة جميلة قد وافى الحج قادماً من الشأم، فأكب على أبي عبيدة فقبل رأسه وساءله، وحياه أبو عبيدة واقتفى به، ثم استدعاه إلى الطعام، فوضع مع القوم، وجشع كثير، فأقلع وما استتم لقماً ثلاثاً. فأقبل به أبو عبيدة والقوم وأدبروا أن يأكل، فأبى، فلهوا عنه وأكلوا، ومعهم النصيب، أشدهم بأبي عبيدة اختلاطاً. فلما فرغوا أقبل كثير على النصيب فقال: أما والله يا أبا محجن، لأن أثر الشأم عليك لجميل، لقد رجعت منع هذا المرة ناقصاً كبرك، قليلة خيلاؤك. قال فقال له نصيب: لكن آثر الحجاز، والله يا أبا صخر، عليك غير جميل، لقد رجعت إليه وإنك لزائد تقصيرك، كثيرة حماقتك، عظيم صلفك. فقال له كثير: أما والله إني لأشعر العرب حين أقول لمولاتك:
vol. 1, p. 492إذا أمْسَيْتُ بَطْنُ مُجَاجَ دُونِي ... وعَمْقٌ دُونَ عَزّةَ فالنَّقيعُ
فليسَ بِلائِمي أحَدٌ يُصَلَّي ... إذا أخَذَتْ مَجارِيهَا الدُّمُوعُ
قال فقال له النصيب: أنا والله أشعر منك حيث أقول في بنت عمك:
خليليَّ إن حَلَّتْ كُلَيَّةَ فالرُّبَى ... فَذَا أمَجٍ فالرَّوْضَ ذَا الماءِ والحَمْضِ
وأصبَحَ من حَوْرَان رَحْليِ بمَنْزِلٍ ... يُبَاعِدُهُ من دَارِها نازِحُ الأرْضِ
وآيَسْتُما أن تجمَعَ الدَّارُ بينَنَا ... فخُوضَا لِيَ السَّمَّ المُصَرَّحَ بالمَحْضِ
ففِي ذاكَ من بَعْضِ الأمُورِ سَلامةٌ ... ولَلْمَوتُ خيرٌ من حياةٍ على غُمْضِ
vol. 1, p. 493قال: فاقتحم إليه كثير، وثبت له نصيب فلم يقم، وجعل يرفع رأسه فيذيبه بيد واجدة، حتى طال ذلك بينهما. ثم رمحه نصيب رمحة بساقه حتى طاح منها بعيداً. فما زال راقداً حتى أيقضناه عشية لرمي الجمار.
قال: قوله:
فخُوضَا ليَ السَّمَّ المُصَرَّحَ بالمَحْضِ
فإن " المصرح " ههنا: الخالص. قال: وهو إذا خلط بشيء كاد أن يشوى، حتى يخلط باللبن فلا يطنى، ولا سيما إذا كان اللبن محضاً.
-
وأنشدني سليمان بن عياش السعدي، لمحمد بن بشير الخارجي، يبكي أبا عبيدة بن عبد الله بن زمعة:
vol. 1, p. 494ألاَ أيُّها النَّاعي ابنَ زَيْنَبَ غُدْوةً ... نَعَيْتَ الفَتَى، دارتْ عليكَ الدوائرُ
فَظِلْتُ كأنّي أغُبِطَتْ بجبَالهَا ... عليّ بأعْلَى المُقْرحين العواقِرُ
وقلتُ لَهُ والدَّمْعُ منِّي كأنَّهُ ... جُمَانٌ هَوَى من سِلْكِهِ مُتَبَادِرُ
لَعَمْرِي لقد أمسَى قِرَى الناسِ عَاتماً ... بذي الفَرْشِ لمّا غَيَّبَتْهُ المقابِرُ
إذا سُوِّفُوا نَادَوْا صَدَاكَ ودُونَه ... تُرَابٌ وأثْوَابُ الفِرَا والظَّواهِرُ
يُنَادُونَ مَنْ أمْسَى تَقَطَّعُ دُونَه ... من البُعْدِ أنفاسُ الصُّدورِ الزوفرُ
فقومي أضرِبي عينيْك يا هِنْدُ لَنْ تَرَىْ ... أباً مِثْلَهُ يَسْمو إليهِ المُفَاخِرُ
vol. 1, p. 495فإن تعْوِليهِ يَشْفِ يوْماً عَوِيلُهُ ... غَلِيلَكِ أو يَعْذِرْك بالنَّوْح عَاذِرُ
وكنتِ إذا فاخرتِ سَنَّيتِ والداً ... يَزِينُ كما زانَ اليَدَيْن الأساوِرُ
إذا ما ابنُ زادِ الرَّكْبِ لُم يمْسِ نازلاً ... قَفَا صَفَرٍ لم يَقْرَبِ الفَرْشَ زائرُ
وقد عَلِم الأقوامُ أن بَنَاتِهِ ... صَوَادِقُ إذ يَنْدُبُنَهُ وقَوَاصِرُ
قال سليمان بن عياش السعدي: سمعتها من محمد بن بشير الخارجي.
-
وأنشدني مصعب بن عثمان عامتها.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني سليمان بن عياش السعدي قال: قال عبد الله بن حسن لمحمد بن بشير الخارجي: إن هند ابنة أبي عبيدة قد حزنت على أبيها حزناً شديداً، فلو دخلت عليها فعزيتهل وأسيتها، عسى أن تسلو عنه فقال: أفعل. فدخل معه عليها، ثم مثل بين يديها وقال:
vol. 1, p. 496قُومِي اضرِبي يَا هِنْدُ عَيْنَيكِ لن تَرَىْ ... أباً مِثَلهُ يَسْمُو إليه المُفَاخِرُ
وكنتِ إذا فاخرتِ سَنَّيْتِ وَالداً ... يَزينُ كما زانَ اليَديْن الأسَاوِرُ
فضربت وجهها وصاحت بحربها. فلما خرج، قال له عبد الله بن حسن: ألهذا أدخلتك؟ قال: فأنا أعزى أو أؤسى عن أبي عبيدة؟ كيف وأنا أعزى به! وكانت هند بنت أبي عبيدة عند عبد الله بن حسن. هي أم بنيه: محمد، وإبراهيم، وموسى وأمها: قريبة ابنة يزيد بن عبد الله بن وهب ابن زمعة ولابنة محمد بن طليب بن أزهر ولأم مسلم بنت عبد الرحمن بن أزهر ولابنة عبد الله بن الحارث ابن زهرة ولابنة العداء بن ربيعة، من بني عبد بن معيص.
-
ولهند يقول عبد الله بن حسن، كما اخبرني محمد بن الضحاك الحزامي، وعمي مصعب بن عبد الله، ومن شئت من قريش:
vol. 1, p. 497يا هنْدُ إنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ بعَاذِلَيْنِ تَتَابعَا
قالاَ فلم أسْمَعْ لما قالاَ وقُلْت بَلِ اسْمَعَا
هِنْدٌ أحبُّ إليّ من أهْلِي ومَالِي فارْجعَا
ولقد عَصَيْتُ عواذلاً وأطَعْتُ قلباً مُوزَعَا
حدثنا الزبير قال، وحدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب ابن الزبير قالت: كان جدك عبد الله بن مصعب يستنشدني كثيراً قول عبد الله ابن حسن:
إنّ عَيْني تَعوّدتْ كَحْلَ هِنْدٍ ... جَمَعَتْ كَفُّها مَع الرَّفْقِ لِينَا
ويعجب به.
-
حدثنا الزبير قال، وحدثني سليمان بن عياش السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر، الذي يعرف بالعبلى، سويقة، وهو طريد من بني العباس،
vol. 1, p. 498وذلك بربان خروج مُلْك بني أمية وانتقاله في بني العباس، إلى عبد الله ابن حسن، وحسن بن حسن، فاستنشده عبد الله بن حسن من شعره، فأنشدهم. فقالوا: نريد بعض ما كان من شعرك فيما كان من أمركم وأمر القوم.
- فأنشدهم قوله:
-
تَقولُ أمامَةُ لمّا رَأَتْ ... نُشُوزِي عن المَنْزِلِ المُنْفِسِ
وقِلَّةَ نَوْمِي على مَضْجَعِي ... لدَى هَجْعَةِ الأعيُنِ النُّعَّسِ
أبِي مَا عَراكَ؟ فقلتُ: الهُمومُ ... عَرَيْن أبَاكِ فلا تُبْلِسِي
عَرَيْنَ أباكِ فحبَّسْنَهُ ... من الطَّرْدِ في شرّ ما مَحْبِسِ
vol. 1, p. 499لِفَقْدِ العَشيرةِ إذْ نالهَا ... سِهَامٌ من الحَدَثِ المُؤْيِسِ
رَمَتْهَا المَنُونُ بلاَ نُصَّل ... ولا طائِشاتٍ ولا نُكَّسِ
بأسْهُمِها الخالِسَاتِ النُّفُوسَ ... مَتَى ما تُصِبْ مُهْجَةً تَخْلِسِ
فصَرْعاهُمُ في نواحِي البلادِ ... تُلْقَى بأرْضٍ ولمْ تُرْسَسِ
تَقِيٌّ أصِيبَ وأثْوابُهُ ... من العَار والعَيْبِ لم تَدْنَسِ
وآخَرُ قد رُسَّ في حُفْرَةٍ ... وآخَرُ طَار فلَمْ يُحْسَسِ
فكم تركُوا منْ بَواكِي العُيُو ... نِ حَرْبَى ومِنْ صِبْيَةٍ بُؤسِ
vol. 1, p. 500إذا ما ذكَرْتُهُمُ لم تَنَمْ ... صِباحُ الوجُوهِ ولَم تَجْلِسِ
يُرَجِّعْنَ مِثْلَ بُكاء الحَمَا ... مِ في مَأتَمٍ قُلُلَ المَجُلِسِ
فذاك الَّذِي غَالَني فاصْمُتِي ... ولا تَسَلِينيِ وتَسْتَنْحِسيِ
وفي ذاك أشْياءُ قد ضِفْنَنيِ ... ولَسْتُ لَهُنَّ بمُسُتَحْلِسِ
أفاضَ المدامِعَ قَتْلَى كُدًي ... وقتْلَى بكُثْوَةَ لم تُرْمَسِ
vol. 1, p. 501وبالزَّابِيَيْنِ نُفُوسٌ ثَوَتْ ... وقَتْلَى بنَهْر أبي فُطْرُسِ
أولئك قومِي أذَاعَتْ بهم ... حَوادثُ من زَمَنٍ مُتْعِسِ
أذَلَّتْ جِبَالي لَمنْ رَامَها ... وأنْزَلَتِ الرَّغْمَ بالمَعْطِسِ
فلما أتى عليها، استبكي محمد بن عبد الله بن حسن. قال: فنظر
vol. 1, p. 502عبد الله إلى أخيه حسن، فقال حسن: مالك تنظر؟ أما والله لو كان ابنك على غير ما ترى، لكان خيراً لنا وله. قال: وقام حسن إلى منزله فبعث إلى عبد الله بن عمر المعروف بالعبلي، بخمسين ديناراً، يقول له: استعن بهذه على نفسك، وارحل عنا إلى حيث شئت، فإنا نخاف يعرنا قربك. قال: وأعطاه عبد الله بن حسن وابناه محمد وإبراهيم، كل واحد منهما مثل ذلك.
-
وكانت هند بنت أبي عبيدة مقتفية به، فقال العبلي:
أقامَ ثَوِىُّ بِنْتِ أبي عُبَيْدٍ ... بخير مَنَازِلِ الجِيرَانِ جَارَا
vol. 1, p. 503أتاهُمْ خَائفاً وَجِلاً طريداً ... فَصَادفَ خيرَ دُور الناسِ دَارَا
إذا ذَمَّ الجِوَارَ نَزِيلُ قَوْمِ ... شَكَرْتُهُمُ ولم أذُممْ جِوارَا
فقالت هند بنت أبي عبيدة لعبد الله بن الحسن، ولابنيها محمد وإبراهيم: والله ما مدحكم بأفضل مما مدحني به، ولتعطنه عني مثل ما أعطاه أحدكم. فأعطوه عنها خمسين ديناراً.
-
حدثنا الزبير قال، حدثني سليمان بن عياش السعدي قال: قال محمد بن بشير الخارجي يذكر عبد الرحمن بن أبي عبيدة، ويرثى أباه أبا عبيدة ابن عبد الله بن زمعة:
أعينَيَّ لا تَسْتَعْجِلاَ الدَّمْعَ وانظُرَا ... شَبِيهَ ابْنِ أمِّ المؤمنين المُوَدِّعِ
ولا تَأيَسَا أن يَشْعَبَ الصَّدْعَ بَعْدَهُ ... أريبٌ كفَرْعِ النَّبْعةِ المتزعزِعِ
جَديرٌ بأنْ يَسْعَى ابن صِدْق كما سَعَى ... أبوهُ على مَسْعَى أبٍ لم يُضَيَّعِ
vol. 1, p. 504فإنَّ أخِلاَّء ابنِ زَيْنَبَ أصْبَحُوا ... شَتَاتَ النَوَى من مُصْعِدٍ ومُفرِّعِ
وكانوا كحَيٍ قَبْلَهُمْ ذَعْذَعَتْ بهمْ ... نوائبُ من أيّام دَهْرٍ مُذَعْذِعِ
فلمّا تبيّنْتُ النَّعِيَّ تبادرتْ ... دُمُوعي كسَكْبِ الواكِفِ المُتَسَرِّعِ
بمكحُولَةٍ بالصَّابِ ظَلَّتْ كأنَّهَا ... كُلَى الغَرْبِ أثْآهُ طِبابُ المُرَقِّعِ
عَلَى هالِكٍ مُسْتَوْدَعٍ قَعْرَ حُفْرَةٍ ... على جَالِها الأعْلَى مَقَامُ المُشَيِّعِ
فكيفَ سَلِمتُمَ لم تَمُوتُوا وعَهْدُكُمْ ... به وهو يُذْرَي عَنْ أكُفٍ وأذْرُعِ
vol. 1, p. 505وأم أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة: زينب بنت أبي سلمة ابن عبد الأسد وأمها: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
-
وكانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة قبل عبد الله ابن حسن، عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان فطلقها.