ومن ولد هبار:
5 paragraphs · vol. 1, p. 515
- vol. 1, p. 515
إسماعيل بن هبار وأمه أم ولد.
-
وكان من فتيان المدينة المشهورين بالجلد والقوة، فأتاه مصعب ابن عبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن عبيد الله بن معمر، وعقبة بن جعونة ابن شعوب الليثي، فصاحوا به ليلاً، فخرج إليهم مغتراً، فاستبغوه في حاجة، فمضى معهم، فقتلوه، فأصبح في خراب لبني زهرة، يسمى حش بني زهرة، أدبار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- vol. 1, p. 516
حدثنا الزبير قال، فأخبرني عمي مصعب بن عبد الله: أن مصعب ابن عبد الرحمن لما قتله، خرج حتى أتى أخاه حميد بن عبد الرحمن فأخبره خبره. فأمر حميد بالتنور فأوقد، ثم أمر بثيابه فطرحت في التنور، ثم ألبسه ثياباً غيرها، وغدا به معه إلى الصبح، وقال: إنك ستسمع قائلاُ يقول: كان من الأمر كيت وكيت، حتى تراه كان معكم، فلا يروعنك ذلك. فأصبح الناس يتحدثون بقتل ابن هبار كأنهم حضروه، وينظرون إلى مصعب جالساً مع أخيه حميد، فيكذبون بذلك. وكانت أخت إسماعيل بن هبار قد قالت لأخيها حين دعوه: لا تخرج إليهم. فعصاها. فلما قتل، أرسلت أخته إلى عبد الله بن الزبير فأخبرته خبرهم. فركب في ذلك عبد الله والمنذر ابنا الزبير وغيرهما من بني أسد بن عبد العزي إلى معاوية بالشأم مرتين. فقالت في ذلك أخت إسماعيل بن هبار:
قل لأبي بَكْرٍ السَّاعِي بِذِمَّتِهِ ... ومُنْذِرٍ مِثْلِ لَيْثِ الغَابة الضَّارِي
شُدَّا فِدًى لكُما أمِّي وما ولَدَتْ ... لاَ يُخْلَصَنَّ إلى المَخْزَاةِ والعارِ
وقال قائل:
فلن أجِيبَ بلَيْلٍ دَاعياً أبَداً ... أخْشَى الغُرُورَ كما غُرَّ ابنُ هَبَّارِ
قَد بَاتَ جارُهُمُ في الحُشِّ مُنْعَفِراً ... بِئْسَ الهدِيَّةُ لاِبن العَمِّ والجَارِ
vol. 1, p. 517فقال لهم معاوية: احلفوا على واحد من الثلاثة. فأبى ابن الزبير أن يحلفوا إلا على الثلاثة. فأمر بهم معاوية فحملوا إلى مكة، فاستحلف كل رجل منهم خمسين يميناً عن نفسه، ثم جلد منهم مئة وسجنهم سنة، ثم خلى سبيلهم.
-
فاستعمل بعد ذلك مروان بن الحكم مصعب بن عبد الرحمن على شرط المدينة، وضم إليه رجالاً من أهل أيلة، وكان سلطان مروان قد ضعف. فلما استعمل مصعب بن عبد الرحمن على شرطه، استدعى الناس، وحبس كل من وجده يخرج باليل، فقال في ذلك عبد الله بن قيس الرقيات:
حَالَ دون الهَوَى ودون سُرَى الليل مُصْعَبُ
وسِياطٌ على أكُفِّ رِجالٍ تُقَلَّبُ
فلما أشتد مصعب على الناس، ومنعهم من إغارة بعضهم على بعض، وضربهم،
vol. 1, p. 518شكوه إلى مروان، فأراد عزله، فدخل عليه المسور بن مخرمة فقال له: ما ترى فيما يصنع مصعب؟ فقال المسور:
لَيْسَ بِهذا من سِيَاقٍ عَتْبُ
تَمْشِى القَطْوفُ ويَنَامُ الركْبُ
قال: فلطم صخير بن أبي جهم وجه مصعب، ومصعب على شرط مروان، ثم أعجزه، وحالت دونه بنو عدي، وجمعت لهم زهرة، وكاد الشر يقع بينهم. وقدم معاوية حاجاً، فمشت إليه رجال من بني عدي، فكلموه يسأل مصعباً أن يعرض عن ذلك وقالوا: كانت طيرة من صاحبنا، فليستقد منه مثل ما صنع به، أو من أينا شاء، وليهب لنا حق السلطان. فكلمه معاوية، فأبى أشد الإباء وامتنع وقال: استخف بسلطاني، لا أرضى حتى يؤتى به وأعاقبه عقوبة مثله. فقيل لبني عدي: أخطأتم موضع الطلب، كلموا مروان. فكلموه، فقال: أبعد أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم، أنت اصطنعته، وأنت أولى به. فأتاه مروان فكلمه، فقال له: فهلا أرسلت إليّ؟ وما عناك؟ لو علمت هواك لفعلته، قد تركت ذلك لك. فبلغ معاوية ما صنع، فغضب عليه وقال: أحببت مروان ولم تجبني! فقال له مصعب: وما تنكر من ذلك؟ أخذني مروان وقد أفسدتني، فاصطنعني وأصلح ما أفسدت مني، فشكرته على
vol. 1, p. 519ذلك. فلم ينكر عليه معاوية.
-
حدثنا الزبير قال، وأخبرني عمي مصعب بن عبد الله قال، أخبرني مصعب بن عثمان: أنه ساء الذي بين معاذ بن عبيد الله، وبين مصعب ابن عبد الرحمن، ونباعدا، ولم يكن شيء أحب إلى مصعب بن عبد الرحمن من أن يؤتى بمعاذ بن عبيد الله في شيء، ومصعب على الشرط. فأتاه رجل من الحاج يدمى أنفه، فاستعداه على معاذ وقال: كسر أنفي، اشترى مني ثوباً واستتبعني إلى منزله، فحبسني بالدراهم، فاستعجلته، فخرج إلى فكسر أنفي. فأرسل إليه مصعب، فأتاه، فلما رآه مصعب استحيي منه، فنكس رأسه، ثم قال: الله أنك اشتريت من رجل من الحاج ثوباً، فحبسته بدراهمهه، فاستعجلك بها، فخرجت عليه فكسرت أنفه، أن ذلك من الحق؟ قال: فنكس معاذ رأسه ثم قال: الله أن يكون الأمر كما وصفت، يستحثني بدراهمه، فأخرج إليه أحملها، وأعيب عليه الصياح، فيقول لي: أتريد أن تقتلني كما قتلت ابن هبار؟ (إنْ تُرِيدُ إلاَّ أنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرْضِ ومَا تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ) ، أن ذلك من الحق؟ فرفع مصعب رأسه مغضباً، ثم أقبل على الحاج فقال: أقلتها؟ قال: قد قلتها، فمه؟ فقال: أردد عليه ثوبه، قم، فقد أهدرت دمك، هلم لك يا معاذ. فأجلسه معه، وكان سبب صلح بينهما.