الجبهة الأولى (أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما)

86 paragraphs · vol. 1, p. 291

Page 2 of 3

  1. ذلك لأنه كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس لسانا وأوضحهم بيانا وأجودهم إلقاء ينتقي عيون الكلام وهو الذي أوتي جوامع الكلم ويفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ويفصله تفصيلا يراعي فيه المقام والأفهام ولا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بشيء منه بل يتكلم كلاما لو عده العاد لأحصاه. وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا. وكما جاء في حديث البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثا قلنا: بلى يا رسول الله قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور وشهادة الزور" - وكان متكئا فجلس- فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

    vol. 1, p. 305
  2. ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" . ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا١ فإلي وعلي" رواه مسلم.

  3. ومن وسائل إيضاحه صلى الله عليه وسلم أنه كان يضرب لهم الأمثال الرائعة التي تجلي لهم المعاني كأنها العروس بارعة ليلة الزفاف أو الشمس ساطعة ليس دونها سحاب. تأمل قوله وهو يضرب المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما ثم قل لي بربك: هل يبارح ذاكرتك هذا التمثيل البديع؟.

  4. يروي البخاري عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذي في أسفلها إذا استقو من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" .

    vol. 1, p. 306
  5. ومن وسائل إيضاحه صلى الله عليه وسلم أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه فيوقظ بها انتباههم ويرهف بسببها شعورهم حتى يستقبلوا هديه بنفوس عطاش وقلوب ظماء فيستقر فيها أثبت استقرار ويعلق بها علوق الروح بالأجسام.

  6. وإليك مثلا واحدا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" رواه مسلم.

  7. ومن العجائب في وسائل إيضاحه عليه الصلاة والسلام أنه كان يستعين برسم يديه الكريمتين على توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان مع أنه النبي الأمي الذي لم يقرأ كتابا ولم يجلس إلى أستاذ ولم يذهب إلى مدرسة ولم يدرس الرسم ولا الهندسة.

  8. نقرأ في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط وسطه خطا وخط خطوطا إلى جنب الخط أي الذي في الوسط وخط خطا خارجا. فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا الإنسان يريد الخط الذي في الوسط وهذا الأجل محيط به يريد الخط المربع

    vol. 1, p. 307وهذه الأعراض تنهشه يشير إلى الخطوط التي حوله إن أخطأه هذا نهشه هذا وهذا الأمل يعني الخط الخارج ".

  9. ومن سياسته الحكيمة في التعليم والتربية أنه كان ينتهز فرصة الخطأ في أفهامهم فيصحح لهم الفكرة في حينها ويلقنهم تعاليمه السامية ونفوسهم مستشرفة لها.

  10. من ذلك ما يقصه علينا البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها أي رأوها قليلة وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ".

  11. وكان من وسائل إيضاحه تمثيله صلى الله عليه وسلم بالعمل. يصلي ويقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي " ويحج ويقول: " خذوا عني مناسككم " ويشير بأصبعيه السبابة والوسطى ويقول: " بعثت أنا والساعة كهاتين" كما تقدم في رواية مسلم.

  12. العامل الحادي عشر

    الترغيب والترهيب اللذان يفيض بهما بحر الكتاب والسنة ولا ريب أن غريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير وأن يحميها من كل شر سواء ما كان فيهما من عاجل وما كان من آجل ومن هنا تحرص النفوس الموفقة على وعي هداية القرآن وهدي الرسول وتعمل جاهدة على أن تحفظ منهما ما وسعها الإمكان.

    vol. 1, p. 308
  13. أما النفوس الضالة المخذولة فإنها مصروفة عن هذه السعادة بصوارف الهوى والشهوة أو محجوبة عن هذا المقام بحجاب التعصب والجمود على الفتنة أو مرتطمة بظلام الجهل في أوحال الضلال والنكال.

  14. ولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد الترغيب والترهيب من الكتاب والسنة فمددها فياض بأوفى ما عرف العلم من ضروب الترغيب والترهيب وفنون الوعد والوعيد وأساليب التبشير والإنذار على وجوه مختلفة واعتبارات متنوعة في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق على سواء.

  15. وهاك نموذجا من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكير والذكرى تنفع المؤمنين.

  16. يقول تبارك اسمه في سورة واحدة هي سورة السجدة {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي

    vol. 1, p. 309لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً؟ لا يَسْتَوُونَ، أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} .

  17. فانظر بعين بصيرتك في أساليب هذه الترغيبات وفنون تلك الترهيبات التي احتوتها هذه الآيات والقرآن مليء كله من هذه الأنوار على هذا الغرار.

  18. ولا تحسبن السنة النبوية إلا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب. وهاك نموذجا بل نماذج منها تدلك على مدى ما تتأثر به النفوس البشرية عند ما يمر بها الوعد والوعيد وما يتركه هذا التأثر من ثبات الأوامر والنواهي واستقرارها في الذهن وانتقاشها في صحيفة الفكر ثم اندفاع الإنسان من ورائها إلى العمل والاتباع.

  19. ها هو صلى الله عليه وسلم يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" أخرجه البخاري والترمذي.

  20. وها هو صلى الله عليه وسلم يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همه وبالوعيد لمن جعل الدنيا همه

    vol. 1, p. 310فيقول: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله الفقر بين عينيه وفرق الله عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" رواه الترمذي.

  21. وها هو صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال ويحثهم على الدفاع والنضال فيقول: "تضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل" أخرجه الثلاثة والنسائي.

  22. فأنت ترى في هذه الكلمات النبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما تجعل النفوس رخيصة هينة في سبيل الدفاع عن الدين والأوطان. حتى لقد كان الرجل يستمع إلى هذه المرغبات والمشوقات وهو يأكل فما يصبر حتى يتم طعامه بل يرمي بما في يده ويقوم فيجاهد متشوقا إلى الموت متلهفا على أن يستشهد في سبيل الله. كذلك أخرج مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الجهاد وذكر الجنة ورجل من الأنصار يأكل تمرات فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن فرمى ما في يده وحمل بسيفه فقاتل حتى قتل".

  23. العامل الثاني عشر

    اهتداء الصحابة رضوان الله عليهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يحلون ما فيهما من حلال ويحرمون ما فيهما من حرام ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد ويتعهدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن وإمامهم الرسول عليه الصلاة والسلام.

    vol. 1, p. 311
  24. وما من شك أن العمل بالعلم يقرره في النفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش على نحو ما هو معروف في فن التربية وعلم النفس من أن التطبيق يؤيد المعارف والأمثلة تقيد القواعد ولا تطبيق أبلغ من العمل ولا مثال أمثل من الاتباع خصوصا المعارف الدينية فإنها تزكو بتنفيذها وتزيد باتباعها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} الأنفال أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل وبين الرشد والغي كما جاء في بعض وجوه التفاسير. وذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة والعناية بطهارة القلوب وتزكية النفوس تفجر الحكمة في قلب العبد. قال الغزالي رحمه الله: أما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك أي بالحكمة تتفجر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله عز وجل عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف؟ فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة. وكم من مقتصر على المهم في التعليم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم" ١.

  25. العامل الثالث عشر

    وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم يحفظهم من الكتاب والسنة ما لم يحفظوه ويعلمهم ما جهلوه ويجيبهم إذا سألوه ويريهم شاكلة الصواب فيما أخطؤوه ويقفهم على حقيقة الأمر إذا تشككوه في صبر وأناة وسعة صدر وكرم نفس وطيب قلب.

    vol. 1, p. 312
  26. ولا ريب أن هذا عامل مهم ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم الاستظهار ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم مرجع واضح ومنهم عذب لا سيما إذا لاحظنا أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب وأن من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس علم وحياء وأمانة وصبر يدرس فيه القرآن وتذاع فيه السنة ويعبق منه أريج الهداية.

  27. عوامل خاصة بالقرآن الكريم.

  28. تلك العوامل التي ذكرناها عوامل مشتركة بين الكتاب والسنة طوعت للصحابة حفظهما واستظهارهما والإحاطة بهما وحذقهما.

  29. بيد أن هناك عوامل خاصة توافرت في حفظ الصحابة للقرآن دون السنة.

  30. أولها: أن الله تعالى تحدى بالقرآن أمة العرب بل كافة الخلق فقال سبحانه: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} ولما عجزوا قال: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} ولما عجزوا أيضا قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} ولما عجزوا الثالثة سجل عليهم

    vol. 1, p. 313هزيمتهم وأعلن فلج القرآن بالإعجاز في هذا الميدان إذ قال عز اسمه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} .

  31. هذا التحدي الذي امتاز به القرآن فتح عيون الناس جميعا ولفتهم بقوة إليه لا فرق بين أوليائه وأعدائه. أما أولياؤه ومتبعوه فقرؤوه من هذه الناحية ليفحموا به أعداءهم ويؤيدوا بإعجازه دينهم ونبيهم. وأما أعداؤه ومخالفوه فاقتفوا أثره وتتبعوه أملا في أن يجدوا فيه مغمزا ويأخذوا عليه مطعنا. فلا جرم كان هذا التحدي من الدواعي التي توافرت على نقل القرآن وتواتره وجريانه على كل لسان.

  32. ثانيها: عنايته صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة إذ اتخذ كتابا للوحي من أصحابه. وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الذي نهى فيه عن كتابة السنة في الحديث الذي أسلفناه من رواية مسلم لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.

  33. وغني عن البيان أن الكتابة من عوامل تيسير الحفظ والاستظهار.

  34. ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصلاة فرضا كان أو نفلا سرا أو جهرا ليلية أو نهارية حتى صلاة الجنازة

    ومثل الصلاة في ذلك خطبة الجمعة. وتلك وسيلة فعالة جعلت الصحابة يقرؤونه ويسمعونه ثم جعلتهم عن هذا الطريق يتحفظونه ويستظهرونه لا فرق بين رجل وامرأة وصغير وكبير وغني وفقير على قدر ما سمح به استعداد كل منهم.

  35. رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن ولو في غير صلاة ومن غير وضوء. اقرأ إن شئت قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ

    vol. 1, p. 314سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ, لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} .

  36. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" رواه البخاري ومسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن وهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" رواه الشيخان أيضا.

  37. ويقول صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: آلم حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

  38. ويقول صلى الله عليه وسلم: "يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؟ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري.

  39. فهل يعقل أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين سمعوا ذلك وأمثال ذلك يتوانون لحظة عن قراءة القرآن؟ ثم ألا تكون تلك التلاوة سبيلا إلى أن يحذقوه ويحرزوه؟.

  40. خامسها: عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره الله. وكان يسمعهم إياه في الخطبة والصلاة وفي الدروس والعظات وفي الدعوة والإرشاد وفي الفتوى والقضاء وكان يرغب في تعليمه ونشره كما سمعت. وكان يرسل بعثات القراء إلى كل بلد يعلمون أهله كتاب الله كما أرسل مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إليها وكما أرسل

    vol. 1, p. 315معاذ بن جبل إلى مكة بعد الفتح للإقراء. قال عبادة بن الصامت: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن.