رسم المصحف

79 paragraphs · vol. 1, p. 369

Page 1 of 2

  1. رسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان رضي الله عنه في كتابة كلمات القرآن وحروفه. والأصل في المكتوب أن يكون موافقا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير. لكن المصاحف العثمانية قد أهمل فيها هذا الأصل فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها مخالفا لأداء النطق وذلك لأغراض شريفة ظهرت وتظهر لك فيما بعد.

    vol. 1, p. 369
  2. وقد عني العلماء بالكلام على رسم القرآن وحصر تلك الكلمات التي جاء خطها على غير مقياس لفظها. وقد أفرده بعضهم بالتأليف منهم الإمام أبو عمرو الداني إذ ألف فيه كتابه المسمى المقنع. ومنهم العلامة أبو عباس المراكشي إذ ألف كتابا أسماه: عنوان الدليل في رسوم خط التنزيل. ومنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد الشهير بالمتولي إذ نظم أرجوزة سماها اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم ثم جاء العلامة المرحوم الشيخ محمد خلف الحسيني شيخ المقارىء بالديار المصرية فشرح تلك المنظومة وذيل الشرح بكتاب سماه مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن.

  3. قواعد رسم المصحف:
  4. وللمصحف العثماني قواعد في خطه ورسمه حصرها علماء الفن في ست قواعد وهي الحذف والزيادة والهمز والبدل والفصل والوصل وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما. وهاك شيئا عنها بالإجمال ليكون الفرق بينها وبين مصطلح الخطوط في عصرنا على بال منك: -

    قاعدة الحذف: خلاصتها أن الألف تحذف من ياء النداء نحو {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}

  5. ومن ها التنبيه نحو {هَا أَنْتُمْ} ومن كلمة نا إذا وليها ضمير نحو {أَنْجَيْنَاكُمْ} ١ ومن لفظ الجلالة {اللَّهِ} ومن كلمة {إِلَهَ} ومن لفظي {الرَّحْمَنِ وَسُبْحَانَ} وبعد لام نحو كلمة {خَلائِفَ} وبين اللامين في نحو {الْكَلالَةِ} ومن كل مثنى نحو {رَجُلانِ} ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنت نحو {سَمَّاعُونَ} {الْمُؤْمِنَاتِ} ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو {الْمَسَاجِدِ} {وَالنَّصَارَى} ومن كل عدد نحو {ثَلاثَ} . ومن البسملة ومن أول الأمر من سأل وغير ذلك إلا ما استثني من هذا كله.

    vol. 1, p. 370
  6. وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} .

  7. ومن هذه الكلمات {وَأَطِيعُونِ, وَاتَّقُونِ, وَخَافُونِ, فَارْهَبُونِ, فَأَرْسِلُونِ, فَاعْبُدُونِ} إلا ما استثني.

  8. وتحذف الواو: إذا وقعت مع واو أخرى في نحو: {لا يَسْتَوُونَ, فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} .

  9. وتحذف اللام: إذا كانت مدغمة في مثلها نحو: الليل والذي إلا ما استثني.

  10. وهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة كحذف الألف من كلمة مالك وكحذف الياء من إبراهيم وكحذف الواو من هذه الأفعال الأربعة: ويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعو الزبانية.

  11. قاعدة الزيادة. خلاصتها أن الألف تزاد بعد الواو في آخر كل اسم مجموع أو في حكم المجموع نحو: ملاقوا ربهم بنوا إسرائيل أولوا الألباب وبعد الهمزة المرسومة واوا نحو {تَاللَّهِ تَفْتَأُ} فإنها ترسم هكذا: تالله تفتؤا. وفي كلمات مائة ومائتين والظنون والرسول والسبيل في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} . {وَأَطَعْنَا الرَّسُولا} . {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} .

  12. وتزاد الياء في هذه الكلمات: {نَبَأَ, آنَاءَ, مِنْ تِلْقَاءِ, بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ, بِأَيْدٍ} من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} .

    vol. 1, p. 371
  13. وتزاد الواو في نحو {أُولُو, أُولَئِكَ, أُولاءِ, أُولاتِ} .

  14. قاعدة الهمز خلاصتها أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو {ائْذَنْ, اؤْتُمِنَ, الْبَأْسَاءِ} إلا ما استثني. أما الهمزة المتحركة فإن كانت أول الكلمة واتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقا سواء أكانت مفتوحة أم مكسورة نحو {أَيُّوبَ, أُولُو, إِذَا, سَأَصْرِفُ, سَأُنْزِلُ, فَبِأَيِّ} إلا ما استثني.

  15. وإن كانت الهمزة وسطا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو {سَأَلَ, سُئِلَ, تَقْرَأَهُ} إلا ما استثني. وإن كانت متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو {سَبَأٍ, شَاطِئِ, لُؤْلُؤٌ} إلا ما استثني وإن سكن ما قبلها حذفت١ نحو {مِلءُ الْأَرْضِ, يُخْرِجُ الْخَبْءَ} إلا ما استثني. والمستثنيات كثيرة في الكل.

  16. قاعدة البدل: خلاصتها أن الألف تكتب واوا للتفخيم في مثل الصلاة والزكاة والحياة إلا ما استثني وترسم ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو {يَتَوَفَّاكُمْ يَا حَسْرَتَى يَا أَسَفَىْ} . وكذلك ترسم الألف ياء في هذه الكلمات: {إِلَى, عَلَى, أَنَّى -بمعنى كيف- مَتَى, بَلَى, حَتَّى, لَدَى} ما عدا {لَدَى الْبَابِ} في سورة يوسف فإنها ترسم ألفا.

  17. وترسم النون ألفا في نون التوكيد الخفيفة وفي كلمة إذن.

  18. وترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في كلمة {رَحْمَتَ} بالبقرة والأعراف وهود ومريم والروم والزخرف. وفي كلمة {نِعْمَةَ} بالبقرة وآل عمران والمائدة وإبراهيم والنحل ولقمان وفاطر والطور. وفي كلمة {لَعْنَةُ اللَّهِ} . وفي كلمة

    vol. 1, p. 372معصية بسورة قد سمع. وفي هذه الكلمات: إن شجرة الزقوم قرة عين جنة نعيم بقية الله وفي كلمة امرأة أضيفت إلى زوجها نحو امرأة عمران امرأة نوح وفي غير ذلك.

  19. قاعدة الوصل والفصل: خلاصتها أن كلمة أن بفتح الهمزة توصل بكلمة لا إذا وقعت بعدها. ويستثنى من ذلك عشرة مواضع. منها: أن لا تقولوا أن لا تعبدوا إلا الله.

  20. وكلمة من توصل بكلمة ما إذا وقعت بعدها. ويستثنى {مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} في النساء والروم و {مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} في سورة المنافقين.

  21. وكلمة من توصل بكلمة من مطلقا.

  22. وكلمة عن توصل بكلمة ما. إلا قوله سبحانه {عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ} .

  23. وكلمة إن بالكسر توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ} .

  24. وكلمة أن بالفتح توصل بكلمة ما مطلقا من غير استثناء.

  25. وكلمة كل توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} , {مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} .

  26. وتوصل كلمات {نِعِمَّا, ورُبَمَا, وكَأَنَّمَا, وَيْكَأَنَّهُ} ونحوها.

  27. قاعدة ما فيه قراءتان: خلاصتها أن الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما كما رسمت الكلمات الآتية بلا ألف في المصحف وهي: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ, يُخَادِعُونَ اللَّهَ, وَوَاعَدْنَا مُوسَى, تُفَادُوهُمْ} ونحوها وكلها مقروءة بإثبات الألف وحذفها. وكذلك رسمت الكلمات الآتية بالتاء المفتوحة وهي غيابة الجب أنزل عليه آية في العنكبوت ثمرة من أكمامها في فصلت وهم في الغرفة آمنون

    vol. 1, p. 373في سبأ. وذلك لأنها جمعاء مقروءة بالجمع والإفراد. وغير هذا كثير وحسبنا ما ذكرناه للتمثيل والتنوير.

  28. مزايا الرسم العثماني:

  29. لهذا الرسم مزايا وفوائد:
  30. الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان وذلك أن قاعدة الرسم لوحظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل وذلك ليعلم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة بحرف الأصل رسمت به. مثال الكلمة تكتب بصورة واحدة وتقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} رسمت في المصحف العثماني هكذا: إن هدان لساحران من غير نقط ولا شكل ولا تشديد ولا تخفيف في نوني إن وهذان ومن غير ألف ولا ياء بعد الذال من هذان.

  31. ومجيء الرسم كما ترى كان صالحا عندهم لأن يقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة.

  32. أولها: قراءة نافع ومن معه إذ يشددون نون إن ويخففون هذان بالألف.

  33. ثانيها: قراءة ابن كثير وحده إذ يخفف النون في إن ويشدد النون في هذان.

  34. ثالثها: قراءة حفص إذ يخفف النون في إن وهذان بالألف.

  35. رابعها: قراءة أبي عمرو بتشديد إن وبالياء وتخفيف النون في هذين فتدبر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منا نظرا وأهدى سبيلا.

    vol. 1, p. 374
  36. الفائدة الثانية:
  37. إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة وذلك نحو قطع كلمة أم في قوله تعالى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} ووصلها في قوله تعالى: {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} إذ كتبت هكذا أمن بإدغام الميم الأولى في الثانية وكتابتهما ميما واحدة مشددة فقط أم الأولى في الكتابة للدلالة على أنها أم المنقطعة التي بمعنى بل ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست كتلك.

  38. الفائدة الثالثة:
  39. الدلالة على معنى خفي دقيق كزيادة الياء في كتابة كلمة أيد من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} إذ كتبت هكذا {بِأَيْدٍ} وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

  40. ومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي:

    ويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعوا الزبانية فإنها كتبت في المصحف العثماني هكذا: {وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ, وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ, يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ, سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.

    vol. 1, p. 375قالوا: والسر في حذفها من {وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ} هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير. والسر في حذفها من {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله.