المصاحف تفصيلا
57 paragraphs · vol. 1, p. 399
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 408
حكم نقط المصحف وشكله
كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله مبالغا منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه.
- vol. 1, p. 409
ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وما روي عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك.
-
ولكن الزمان تغير- كما علمت- فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه.
-
فمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل ويحل محله القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل. لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال النووي في كتابه التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله فإنه صيانة من اللحن فيه. وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه. وقد أمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكونه محدثا فإنه من المحدثات الحسنة فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم اهـ.
- تجزئة القرآن:
-
كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التي نذكرها كما كانت مجردة من النقط والشكل. ولما امتد الزمان بالناس جعلوا يفتنون في المصاحف وتجزئتها عدة تجزئات مختلفة الاعتبارات. فمنهم من قسم القرآن ثلاثين قسما وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره حتى إذا قال قائل: قرأت جزءا من القرآن تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءا من الثلاثين جزءا التي قسموا المصحف إليها. وجرى على ذلك أصحاب الربعات إذ طبعوا كل جزء نسخة مستقلة ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه ربعة ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدي صغار التلاميذ في المدارس وغيرهم.
- vol. 1, p. 410
ومن الناس من قسموا الجزء إلى حزبين ومن قسموا الحزب إلى أربعة أجزاء سموا كل واحد منها ربعا.
-
ومن الناس من وضعوا كلمة خمس عند نهاية كل خمس آيات من السورة وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات منها فإذا انقضت خمس أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس فإذا صارت هذه الخمس عشرا أعادوا كلمة عشر وهكذا دواليك إلى آخر السورة.
-
وبعضهم يكتب في موضع الأخماس رأس الخاء بدلا من كلمة خمس ويكتب في موضع الأعشار رأس العين بدلا من كلمة عشر. وبعض الناس يرمز إلى رؤوس الآي برقم عددها من السورة أو من غير رقم. وبعضهم يكتب فواتح للسور كعنوان ينوه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية والمدنية إلى غير ذلك.
-
وللعلماء في ذلك كلام طويل بين الجواز بكراهة والجواز بلا كراهة ولكن الخطب سهل على كل حال ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل وما دام الأمر بعيدا عن اللبس والتزيد والدخيل. {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} .
- احترام المصحف:
-
ليس فيما نرى ونسمع كتاب أحيط بهالة من الإجلال والتقديس كالقرآن الكريم. حتى لقد وصفه الحق جل شأنه بأنه كتاب مكنون وحكم بأنه لا يمسه إلا المطهرون وأقسم على ذلك إذ يقول: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-
وحتى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن السفر به إلى أرض العدو إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم.
-
والحديث مروي في الصحيحين.
- vol. 1, p. 411
وحتى أفتى العلماء بكفر من رمى به في قاذورة وبحرمة من باعه لكافر ولو ذميا وقالوا بوجوب الطهارة لمسه وحمله وكذلك ما يتصل به من خريطة وغلاف وصندوق على الصحيح.
-
واستحبوا تحسين كتابته وإيضاحها وتحقيق حروفها.
قال النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار فالمصحف أولى اهـ.
-
رزقنا الله الأدب معه ومع كتابه ومع كافة من اصطفاهم من عباده آمين.