الوجه السابع: أنباء الغيب فيه

76 paragraphs · vol. 2, p. 367

Page 2 of 2

  1. المثال العاشر تحدي القرآن لأعداء الله اليهود في شيء يظهر أنه سهل بسيط وأنه

    vol. 2, p. 379كان في متناول قدرتهم وفي دائرة استطاعتهم ومع ذلك انصرفوا عنه وعجزوا فدل هذا التحدي مع الانصراف والعجز على أن القرآن كلام من يستطيع تصريف القلوب وتحريك الألسنة وهو الله وحده أما محمد صلوات الله وسلامه عليه فمحال أن يقامر بنفسه وبدعوته ويتحدى بهذا الأمر الظاهرة سهولته وهو بشر لا يعلم الغيب ولا يستطيع أن يقلب القلوب ولا أن يعقد الألسنة.

    vol. 2, p. 378
  2. وبيان ذلك أن اليهود زعموا أنهم هم الشعب المختار من بين شعوب الخلق وادعوا أن الدار الآخرة وقف عليهم وخالصة لهم من دون الناس فخاطب الله رسوله في سورة البقرة يرد عليهم ويتحداهم بقوله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ثم قال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فأنت ترى هذا النظم الكريم يبطل مزاعم اليهود بطلب يبدو لكل ناظر أنه هين وهو أن يتمنوا الموت لو كانوا صادقين في ادعائهم أن نعيم الآخرة وقف عليهم ولقد كان بمقدور اليهود في العادة أن يقولا ولو بألسنتهم نحن نتمنى الموت كي تنهض حجتهم على محمد ويكنوه لكنهم صرفوا فلم يقولوا ولم يستطع أحد أن يقول إني أتمنى الموت وعلى ذلك قامت الحجة عليهم وبان كذبهم في كبريائهم وغرورهم وبلغ من أمر القرآن معهم أنه نفى عنهم هذا التمني نفيا يشمل آباد المستقبل فقال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} .

  3. وها قد مضى على نزول القرآن قريب من أربعة عشر قرنا وما تمنى أحد منهم الموت لو كانوا صادقين بل أعلن القرآن في السورة نفسها مبلغ حرصهم على الحياة وأملهم فيها فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فكان ذلك علما جديدا من أعلام النبوة لأنه تنويه بغيب حاضر لم يكن يعلمه محمد ولا قومه.

  4. خبرني بربك هل يتصور عاقل أن محمدا وهو في موقف الخصومة الشديدة من اليهود تطوع له نفسه أن يتحداهم هذا التحدي من عنده في لغة الواثق الذي لا يتردد والآمن الذي لا يخاف المستقبل؟ وهل كان يأمن أن يرد عليه واحد منهم فيقول إني أتمنى الموت وهنا تكون القاضية فتنقطع لا قدر الله حجة الرسول ويظهر عجزه وتفشل دعوته أمام قوم هم من أشد الناس عداوة للذين آمنوا ومن أحرصهم على إفحام الرسول وتعجيزه.

    vol. 2, p. 380
  5. فصدور هذا التحدي من رجل عظيم كمحمد ثم استخذاء هؤلاء وانصرافهم عن الرد عليه وعن إسكاته وهو في مقدور أقل رجل منهم ثم تسجيل هذا الاستخذاء عليهم في الحال بقوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} وفي الاستقبال بقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} كل أولئك أدلة ساطعة على أن القرآن كلام علام الغيوب قاهر الألسنة ومقلب القلوب وهي أيضا براهين قاطعة على أن محمدا لا يمكن أن يكون مصدر هذا الكتاب ولا منبع هذا الفيض بل قصاراه أنه مهبط هذا التنزيل وأنه يتلقاه من لدن حكيم عليم.

  6. المثال الحادي عشر وهو من عجائب هذا الباب أن القرآن عرض لتعيين بعض أحداث جزئية تقع في المستقبل لشخص معين ثم تحقق الأمر كما أخبر هذا هو الوليد ابن المغيرة المخزومي يقول الله فيه: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} أي سنجعل له علامة على أنفه يعرف بها وقد كان ففي غزوة بدر الكبرى خطم ذلك الرجل بالسيف أي ضرب به أنفه وبقي أثر هذه الضربة سمة فيه وعلامة له ولعلك لم تنس أن الوليد هو الذي نزل فيه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} وما بعدها من الآيات التي ذكرناها قبلا وهو أيضا الذي نزلت فيه هنا هذه الآيات من سورة القلم: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ , هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ , مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ , عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ , أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ , إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ , سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} نعوذ به تعالى من الكفر والعناد وسوء الأخلاق ونسأله الإيمان الكامل والعمل الصالح والخلق الفاضل آمين.

  7. على هامش الوجه السابع

    في هذا الوجه من الإعجاز على ما شرحنا ومثلنا معجزات كثيرة لا معجزة واحدة لأن كل نبأ من أنباء الغيب معجزة فانظر ما عدة تلك الأنباء يتبين لك عدد تلك المعجزات.

    vol. 2, p. 381
  8. وإنه ليروعك هذا الإعجاز إذا لاحظت أن هذه الكثرة الغامرة لم تتخلف منها قط نبوءة واحدة بل وقعت كما أنبأ على الحال الذي أنبأ ولو تخلفت واحدة لقامت الدنيا وقعدت وطبل أعداؤه ورقصوا فرحا بالعثور على سقطة لهذا الذي جاءهم من فوقهم وتحداهم بما ليس في طوقهم وسفه معبوداتهم ومعبودات آبائهم ولو كان ذلك لنقل وتواتر ما دامت هذه الدواعي متوافرة على نقله وتواتره كما ترىز

    ويزيد في أمر هذا الإعجاز أن المتحدث بهذه الأنباء الغيبية أمي نشأ في الأميين وأن من هذه الأنباء ما كان تحديا وإجابة لسؤال العلماء من أهل الكتاب كما سألوه صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف وذي القرنين عن الروح ونحوها وأجابهم عما سألوا وهم يعلمون أنه غيب بالنسبة إليه ليست لديه وسيلة عادية للعلم به ولم يؤثر عنهم أنهم كذبوه في شيء مما أخبر تكذيبا يستندون فيه إلى دليل بل هو الذي كان يكذبهم فيما حرفوه ويرشدهم إلى حقيقة ما بدلوه ويتحداهم بما في أيديهم إذا جادلوه وإليك شاهدا على ذلك:

    قالت اليهود مرة للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله فقالت اليهود إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام فنزل تكذيبا لهم وتحديا بالتوراة التي عندهم: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ

    vol. 2, p. 382الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ , ُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

  9. يضاف إلى ما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفى عليه وجه الصواب في بعض ما يعنيه من الشؤون ويهمه من الأمور فكان يتوقف تارة كما توقف في حديث الإفك مدة حتى نزل الوحي ببراءة عائشة زوجه وبنت صديقه وكان يجتهد ويخطئ تارة أخرى كما حدث في أسرى بدر على ما سيأتي فلو كانت هذه الأنباء الغيبية نابعة من نفسه ولم تكن من ربه لكان الأحرى به أن يعرف وجه الصواب في أمثال تلك الشؤون والمهام مع أن أسباب العلم فيها أقرب إلى اليسر والسهولة من تلك الغيبيات التي تقطعت أسبابها العادية جملة ومع أن الرسول قد آلمه ما أصابه من جراء عدم علمه بأمثال تلك الشؤون والمهام وإلى ذلك يشير القرآن في قوله: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

  10. معجزات يكشف عنها العلم الحديث

    ويتصل بما ذكرنا من أنباء الغيب نوع طريف لم يكشف عنه إلا العلم في العصر الحديث وكان قبل ذلك مخبوءا في ضمير الزمن خفيا على المعاصرين لنزول القرآن حتى صاغ أعداء الله من هذا الخفاء شبهة ولفقوا منه تهمة وما علموا أن جهلهم لا يصح أن يكون حجة: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} وإليك أمثلة ثلاثة من هذا النوع:

  11. ١ - معجزة يكشف عنها التاريخ الحديث:
  12. قال العلامة صاحب مجلة الفتح الغراء: في سورة التوبة نقرأ هذه الآية الكريمة:

    vol. 2, p. 383{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فصدر هذه الآية وهو جملة {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} يتضمن من وقائع التاريخ وحقائق العلم أمرا لم يكن أحدا يعرفه على وجه الأرض في عصر نزول القرآن.

  13. ذلك أن اسم عزير لم يكن معروفا عند بني إسرائيل إلا بعد دخولهم مصر واختلاطهم بأهلها واتصالهم بعقائد ووثنيتها واسم عزير هو أوزيرس كما ينطق به الإفرنج أو عوزر كما ينطق به قدماء المصريين وقدماء المصريين منذ تركوا عقيدة التوحيد وانتحلوا عبادة الشمس كانوا يعتقدون في عوزر أو أوزيرس أنه ابن الله وكذلك بنو إسرائيل في دور من أدوار حلولهم في مصر القديمة استحسنوا هذه العقيدة عقيدة أن أوزيرس ابن الله وصار اسم أوزيرس أو عوزر عزير من الأسماء المقدسة التي طرأت عليهم من ديانة قدماء المصريين وصاروا يسمون أولادهم بهذا الاسم الذي قدسوه كفرا وضلالا فعاب الله عليهم ذلك في القرآن الحكيم ودلهم على هذه الوقائع من تاريخهم الذي نسيه البشر جميعا.

  14. إن اليهود لا يستطيعون أن يدعوا في وقت من الأوقات أن اسم عزير كان معروفا عندهم قبل اختلاطهم بقدماء المصريين وهذا الاسم في لغتهم من مادة عوزر وهي تدل على الألوهية ومعناه الإله المعين وكانت بالمعنى نفسه عند قدماء المصريين في اسم عوزر أو أوزيرس الذي كان عندهم في الدهر الأول بمعنى الإله الواحد ثم صاروا يعتقدون أنه ابن الله عقب عبادتهم للشمس واليهود أخذوا منهم هذا الاسم في الطور الثاني عندما كانوا يعتقدون أن أوزيرس ابن الله.

  15. فهذا سر من أسرار القرآن لم يكتشف إلا بعد ظهور حقيقة ما كان عليه قدماء المصريين في العصر الحديث وما كان شيء من ذلك معروفا في الدنيا عند نزول القرآن حتى إن أعداء الإسلام كانوا يصوغون من جهلهم بهذه الحقيقة التاريخية شبهة يلطخون بها وجه الإسلام ويطعنون بها في القرآن فقال اليهود منهم إن القرآن يقولنا ما لم نقل

    vol. 2, p. 384في كتبنا ولا في عقائدنا وأتى دعاة النصرانية منهم بما شاء لهم أدبهم من السب والطعن والزراية بالقرآن ودين الإسلام ونبي الإسلام اهـ بتصرف طفيف

    ٢ - معجزة يكشف عنها الطب الحديث

    كتب العلامة المرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا في مجلة الأزهر الغراء يقول في مقال له تحت عنوان الطب وصيام شهر رمضان من الناس من يتوهم أن في صيام رمضان وهو من أركان الإسلام مضرة تلحق بالصائم لما يصيب الجهاز الهضمي خاصة وغيره عامة ولما يكون من بعض الصائمين من انفعال وغضب وهذا خطأ لأن ما ذهبوا إليه ليس من الصيام في شيء ولكنه من ترك الاعتدال في طعام الإفطار والسحور ولأنهم لم يراعوا ما يتناسب مع خلو المعدة النهار كله في وقت الإفطار لأن السحور يجب أن يقتصر على بضع لقيمات لأنه لا ضرر من الجوع في حد ذاته وبما أن الصيام يستعمل طبيا في حالات كثيرة ووقاية في حالات أكثر وأن كثيرا من الأوامر الدينية لم تظهر حكمتها وستظهر مع تقدم العلوم رأيت من الواجب على أن أكتب عما ظهر طبيا للآن من فوائده هذه الأوامر وإيضاح آيات قرآنية لأبين معناها الذي لا يظهر إلا لمن بحث عنها في نور الطب الحديث وسأبدأ بالصيام.

  16. الصيام:
  17. للصيام فوائد في ثلاث جهات أولاها وأهمها الجهة الروحية وهذه أتركها لعلماء الدين والمتصوفة منهم ثانيها الجهة الأخلاقية وهذه أتركها لعلماء الأخلاق ومن السهل البرهنة على أن الصيام يعود الإنسان النظام والقناعة وطاعة الرؤساء والصبر وكبح شهوات النفس وحب الخير والصدقة وغير ذلك من الفضائل وثالثها وأقلها أهمية الجهة المادية أو الصحية وهي محل بحثنا.

  18. لقد ظهر أن الصيام يفيد في حالات كثيرة وهو العلاج الوحيد في أحوال أخرى وهو أعم علاج إن لم يمكن العلاج الوحيد للوقاية من أمراض شتى.

    vol. 2, p. 385
  19. فللعلاج يستعمل في:
  20. ١ - اضطرابات الأمعاء المزمنة المصحوبة بتخمر في المواد الزلالية والنشوية وهنا ينجح الصيام وخصوصا عدم شرب الماء بين الأكلتين وأن تكون بين الأكلة والأخرى مدة طويلة كما في صيام رمضان ويمكن أخذ الغذاء المناسب حسب حالة التخمر وهذه الطريقة هي أنجع طريقة لتطهير الأمعاء.

  21. ٢ - زيادة الوزن الناشئ من كثرة الغذاء وقلة الحركة فالصيام أنجع من كل علاج مع الاعتدال وقت الإفطار في الطعام والاكتفاء بالماء في السحور.

  22. ٣ - زيادة الضغط الذاتي وهو آخذ في الانتشار بازدياد الترف والانفعالات النفسية ففي هذه الحالة يكون شهر رمضان نعمة وبركة خصوصا إذا كان وزن الشخص أكثر من الوزن الطبيعي لمثله.

  23. ٤ - البول السكري وهو منتشر انتشار الضغط ويكون في مدته الأولى وقبل ظهوره مصحوبا غالبا بزيادة الوزن فهنا يكن الصيام علاجا نافعا إذ إن السكر يهبط مع قلة السمن ويهبط السكر في العادة بعد الأكل بخمس ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي في حالات البول السكري الخفيف وبعد عشر ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي بكثير ولا يزال الصيام مع بعض الملاحظات في الغذاء أهم علاج لهذا المرض حتى بعد ظهور الأنسولين خصوصا إذا كان الشخص يزيد على الوزن الطبيعي ولم يكن هناك علاج لهذا المرض قبل الأنسولين غير الصيام.

  24. ٥ - التهاب الكلى الحاد والزمن المصحوب بارتشاح وتورم.

  25. ٦ - أمراض القلب المصحوبة بتورم.

    vol. 2, p. 386
  26. التهاب المفاصل المزمنة خصوصا إذا كانت مصحوبة بسمن كما يحصل عند السيدات غالبا بعد سن الأربعين وقد شوهدت حالات تتمشى في شهر رمضان بالصيام فقط أكثر مما تتمشى مع علاج سنوات بالكهرباء والحقن والأدوية وكل الطب الحديث.

  27. وب سائل يقول ولكن الصيام في كل هذه الحالات يحتاج إلى إرشاد طبيب في كل مرض على حدته والصيام الذي كتب على المسلمين إنما كتب على الأصحاء وهذا صحيح ولكن فائدة الصيام للأصحاء ... هي الوقاية من هذه الأمراض وخصوصا الأمراض التي مر ذكرها تحت رقم ١و٢و٣و٧.

  28. وهذه الأمراض كلها تبتدئ في الإنسان تدريجا بحيث لا يمكن الجزم بأول المرض فلا الشخص ولا طبيبه يمكنهما أن يعرفا أول المرض لأن الطب لم يتقدم بعد إلى الحد الذي يعرف فيه أسباب هذه الأمراض كلها ولكن من المؤكد طبيا أن الوقاية من كل هذه الأمراض هي في الصيام بل إن الوقاية فعالة جدا قبل ظهور أعراض المرض بوضوح وقد ظهر بإحصاءات لا تقبل الشك أن زيادة السمن يصحبها استعداد للبول السكري وزيادة الضغط الذاتي للدم والتهاب المفاصل المزمن وغير ذلك ومع قلة الوزن الاستعداد لهذه الأمراض بالنسبة نفسها وهذا هو السر في أن شركات التأمين لا تقبل تأمينا على الأشخاص الذين يزيد وزنهم إلا بشروط تثقل كلما زاد الوزن والصيام مدة شهر كل سنة هو خير وقاية من كل هذه الأمراض.

  29. وهذه الأمراض تنتشر بزيادة الحضارة والترف فقد انتشرت في أوروبا أكثر من الأول وفي مصر يكاد يكون البول السكري وزياد ضغط الدم مقتصرين على الطبقات الوسطى والعليا وهو قليل جدا في الفقراء.

  30. ويغلب على الظن أن ذلك هو السر في الصيام في الإسلام أشد منه في الأديان

    vol. 2, p. 387السابقة لأن الإسلام وهو آخر الشرائع السماوية جاء في زمن نحتاج فيه إلى الوقاية من أمراض تزداد كلما ازداد الترف اهـ رحمه الله عليه.

  31. ٣ - معجزة يكشف عنها علم الاجتماع

    كتب العلامة مدير مجلة الأزهر الغراء تحت عنوان معجزات القرآن العلمية القرآن يضع أصول علم الاجتماع قبل العلم بأكثر من ألف سنة مقالا ضافيا نقتطف منه ما يلي:

    لما جاء الإسلام وشرع أهله في إحياء موات العلم ونقل كتبه القيمة إلى لغتهم نظروا في كل شيء مستهدين بالأصول الأولية للقرآن الكريم كقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} فأدركوا على وجه عام أن لكل شيء في هذا الوجود نظاما يجري عليه كما فعل بعض المؤرخين وخاصة ابن خلدون ولكن المعارف التي كانت قد جمعت عن الأمم لم تكن تكفي لتكوين علم خاص بها وتلت هذا الدور نهضة أوروبا فادخر الله هذا السبق للفيلسوف الفرنسي الكبير "أوجست كومت ١٧٩٨ – ١٨٥٣" واضع أصول الفلسفة الوضعية فإنه أول من جعل للاجتماع علما ووضعه في رأس جميع العلوم البشرية لشرف موضوعه من ناحية ولأنه لا يتسنى إلا لمن يأخذ من كل علم بطرف لتشعب بحوثه واستنادها على جملة المعارف البشرية.

  32. فعلم الاجتماع البشري أحدث العلوم وضعا ولكنه أشرفها موضوعا إذ يعرفنا على أي الأصول تقوم الجماعات وبأيها تحفظ وجودها وترتقي وما هي عوامل التأليف التي تقوي وجودها وعوامل التحليل التي تفصم عرى ألفتها وهذه كلها معارف عالية ضرورية للمجتمع ضرورة على قوانين الصحة والطب لآحاده.

  33. ثم ذكر من قواعد علم الاجتماع أن الإنسان لا يستطيع أن يؤثر في المجتمع لمجرد رأي

    vol. 2, p. 388يبدو له في إصلاحه ولكن ذلك لا يكون إلا إذا فهم الكافة سداد هذا الرأي وعملوا به عند ذاك يوجد في المجتمع ميل جديد للتحول عن الجهة التي يراد تحويله منها إلى الوجهة التي يريده على أن يكون عليها وهذا كله مصداق لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فمعنى الآية أن الأمة التي تريد أن يحول الله عنها حالا لا ترضاه لمجتمعها يجب عليها أن تغير من نفسيتها أولا فإن فعلت حول الله عنها ما تكره ووجه إليها من نعمه ما تحب وهذا وحده معجزة علمية للقرآن كان يجب أن يعقد لها فصل خاص وأن يشاد بذكرها أعظم إشادة فكشف هذا السر يجعلنا ندرك سر تنبيه القرآن على وجوب الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر وبعد أن ساق أدلة عن الكتاب والسنة على ذلك قال:

    القرآن أثبت أن للاجتماع نواميس ثابتة قبل أن يتخيلها أعلم علماء الأرض تخيلا وقد رأيت أن تعيين تلك النواميس والتحسس مما خفي منها هو الشغل الشاغل اليوم لفلاسفة الاجتماع فقال: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} وقال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} .

  34. ولم يكتف الكتاب بهذا وحده ولكنه قرر أيضا أن الجماعات كالآحاد لها آجال لا نستطيع أن نتعداها وهو ما هدى إليه علم الاجتماع بعد أن وجد أن وجوه الشبه بين الفرد والمجتمع واحدة فقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} وقد تكرر مثلها في سور كثيرة من القرآن الكريم.

  35. فالذي يتامل في سبق القرآن الكريم العالم كله أكثر من عشرة قرون في وضع أصول العلم الاجتماعي ويكون من غير أهل هذا الدين يدهش كل الدهش ولا يكاد يصدق عينيه وسندأب نحن من جهتنا على تجلية الأصول العلمية مستخرجين إياها من

    vol. 2, p. 389الكتاب الكريم ليتحقق العالم أنه على ما يقوله موحيه سبحانه وتعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} .

  36. وبذلك يتضح سر نهضة المسلمين التي حصلت لهم زعامة العلم والحكمة في العالم في سنين معدودة فإنهم لو كانوا بدؤوا حياتهم العلمية على النحو الذي تبدؤها به كل أمة ما استطاعوا أن يبزوا الأمم التي تقدمتهم في هذا السبيل بقرون كثيرة ولكنهم لبدئهم إياها مستنيرين بهذه الأصول القرآنية العالية بلغوا منها أوجا في مدى قصير لم تبلغه أمة في آماد طويلة وعلى المسلمين اليوم أن يدركوا هذا الأمر الجلل وأن يجعلوا كتابهم نبراسا لهم في اقتباسهم العلم عن الأمم الغربية ليبلغوا منه ما بلغه أسلافهم في عهدهم الأول ويزيدوا عليه ما هدى إليه البشر في العصور الأخيرة اهـ.