منهج الراغب في كتاب"المفردات":
27 paragraphs · vol. 1, p. 19
- vol. 1, p. 19
لقد سلك الراغب في كتابه منهجا بديعا، ومسلكا رفيعا، ينمّ عن علم غزير، وعمق كبير فنجده أولا يذكر المادة بمعناها الحقيقي، ثم يتبعها بما اشتقّ منها، ثم يذكر المعاني المجازية للمادة، ويبيّن مدى ارتباطها بالمعنى الحقيقي.
-
وهذا أمر لا يقدر عليه إلا من سبر غور اللغة، وخاض في لججها وبحارها.
-
ويذكر على كل ذلك شواهد من القرآن أولا، ثم من الحديث ثانيا، ثم من أشعار العرب وأقوالهم ثالثا.
-
ففي نطاق الآيات يكثر الراغب من الاستشهاد بها على المعنى المراد، كما يورد القراءات الواردة، ثم نراه يفسر القرآن بالقرآن كثيرا، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم يأتي بأقوال الحكماء التي تتفق مع الشريعة.
- ولنضرب أمثلة على ذلك:
-
ففي مادة (إبل) ، يقول: الإبل يقع على البعران الكثيرة، ولا واحد له من لفظه.
-
فهذا المعنى الحقيقي، ثم يقول:
وأبل الوحشي يأبل أبولا، وأبل أبلا: اجتزأ عن الماء، تشبيها بالإبل في صبرها عن الماء.
-
فهذا المعنى المجازي للفظ، والجامع بين المعنى الحقيقي والمجازي الصبر عن الشيء، ثم يقول:
وكذلك: تأبّل الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها.
-
وهذا أيضا مجاز، والعلاقة واضحة بينه وبين المعنى الحقيقي.
-
وفي مادة (بور) قال: البوار: فرط الكساد.
-
فهذا هو المعنى الحقيقي، ثم قال:
ولمّا كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد، كما قيل: كسد حتى فسد، عبّر بالبوار عن الهلاك.
-
فهذا المعنى المجازي، وهذا يسمى مجازا بالأوّل.
-
ثم ذكر أمثلة من القرآن والحديث، فقال: قال عزّ وجلّ: تِجارَةً لَنْ تَبُورَ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ، وروي: «نعوذ بالله من بوار الأيم» ، وقال عزّ وجل: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ.
- vol. 1, p. 20
وفي مادة (خبت) يقول:
الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: قصد الخبت أو نزله. نحو: أسهل وأنجد.
-
فهذا المعنى الحقيقي، ثم قال:
«ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع» .
-
فهذا المعنى المجازي، والعلاقة بينهما المشابهة، ثم قال:
قال الله تعالى: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ، وقال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أي:
المتواضعين، نحو: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ.
-
ففسّر القرآن بالقرآن، ثم قال: وقوله تعالى: فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي: تلين وتخشع.
-
والإخبات هاهنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
-
ففسّر القرآن بالقرآن أيضا.
-
وفي مادة (مرد) يقول:
قال تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات.
-
فهذا المعنى المجازي، وأصله كما قال: من قولهم: شجر أمرد: إذا تعرّى من الورق.
- فالجامع بين المعنيين العري. ثم قال:
-
ومنه قيل: رملة مرداء: لم تنبت شيئا، ومنه: الأمرد، لتجرّده عن الشعر.
-
وروي: «أهل الجنّة مرد» قيل: حمل على ظاهره. وقيل: معناه: معرّون من الشوائب والقبائح.
-
ففسّر الحديث أولا على قول اللغويين والمحدّثين، ثم ذكر قول الحكماء ثانيا. ثم قال:
ومنه قيل: مرد فلان عن القبائح، ومرد عن المحاسن وعن الطاعة.
قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي: ارتكسوا عن الخير، وهم على النفاق.
-
وقوله تعالى: مَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
أي: مملّس. من قولهم: شجرة مرداء: إذا لم يكن عليها ورق، وكأنّ الممرد إشارة إلى قول الشاعر:
في مجدل شيّد بنيانه ... يزلّ عنه ظفر الظافر
vol. 1, p. 21فهنا أتى بالشاهد الشعري.
-
وهكذا إلى آخر الكتاب، وكان يناقش الأئمة، ويردّ بعض أقوالهم، وله اختيارات في المسائل «١» .