شهد

10 paragraphs · vol. 1, p. 465

  1. الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر، أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور مفردا قال الله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [السجدة/ ٦] ، لكن الشهود بالحضور المجرّد أولى، والشّهادة مع المشاهدة أولى، ويقال للمحضر: مَشْهَدٌ، وللمرأة التي يحضرها زوجها: مُشْهِدٌ، وجمع مَشْهَدٍ: مَشَاهِدُ، ومنه:

    مَشَاهِدُ الحجّ، وهي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل:

    vol. 1, p. 465
  2. مَشَاهِدُ الحجّ: مواضع المناسك. قال تعالى:
  3. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج/ ٢٨] ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما

    [النور/ ٢] ، ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ

    [النمل/ ٤٩] ، أي: ما حضرنا، وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ

    [الفرقان/ ٧٢] ، أي: لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمّهم وإرادتهم.

  4. والشَّهَادَةُ: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. وقوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ

  5. [الزخرف/ ١٩] ، يعني مُشَاهَدَةِ البصر ثم قال:
  6. سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ [الزخرف/ ١٩] ، تنبيها أنّ الشّهادة تكون عن شُهُودٍ، وقوله: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران/ ٧٠] ، أي: تعلمون، وقوله: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ [الكهف/ ٥١] ، أي: ما جعلتهم ممّن اطّلعوا ببصيرتهم على خلقها، وقوله:

  7. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [السجدة/ ٦] ، أي:
  8. ما يغيب عن حواسّ الناس وبصائرهم وما يشهدونه بهما. وشَهِدْتُ يقال على ضربين:

    أحدهما جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشّهادة، ويقال: أَشْهَدُ بكذا، ولا يرضى من الشّاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول:

  9. أشهد. والثاني يجري مجرى القسم، فيقول:
  10. أشهد بالله أنّ زيدا منطلق، فيكون قسما، ومنهم من يقول: إن قال: أشهد، ولم يقل: بالله يكون قسما، ويجري علمت مجراه في القسم، فيجاب بجواب القسم نحو قول الشاعر:

    ٢٧٤-

    ولقد علمت لتأتينّ منيّتي

    «١» ويقال: شَاهِدٌ وشَهِيدٌ وشُهَدَاءُ، قال تعالى:

    وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ [البقرة/ ٢٨٢] ، قال:

    وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ

    [البقرة/ ٢٨٢] ، ويقال: شَهِدْتُ كذا، أي: حضرته، وشَهِدْتُ على كذا، قال: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ

    [فصلت/ ٢٠] ، وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها

    [يوسف/ ٢٦] ، وعن الإقرار نحو: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور/ ٦] ، أن كان ذلك شَهَادَةٌ لنفسه. وقوله وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يوسف/ ٨١] أي:

    ما أخبرنا، وقال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ

    [التوبة/ ١٧] ، أي: مقرّين. لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت/ ٢١] ، وقوله:

    شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران/ ١٨] ، فشهادة الله تعالى بوحدانيّته هي إيجاد ما يدلّ على وحدانيّته في العالم، وفي نفوسنا كما قال الشاعر:

    ٢٧٥-

    ففي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد

    «٢» قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى لمّا شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق كلّ شيء كما نطق بالشّهادة له، وشهادة الملائكة بذلك هو إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وهي المدلول عليها بقوله:

    فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [النازعات/ ٥] ، وشهادة أولي العلم: اطّلاعهم على تلك الحكم

    vol. 1, p. 467وإقرارهم بذلك «١» ، وهذه الشّهادة تختصّ بأهل العلم، فأمّا الجهّال فمبعدون منها، ولذلك قال في الكفّار: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف/ ٥١] ، وعلى هذا نبّه بقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر/ ٢٨] ، وهؤلاء هم المعنيّون بقوله: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء/ ٦٩] ، وأمّا الشَّهِيدُ فقد يقال لِلشَّاهِدِ، والْمُشَاهِدِ للشيء، وقوله: مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ

    [ق/ ٢١] ، أي: من شهد له وعليه، وكذا قوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء/ ٤١] ، وقوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ

    [ق/ ٣٧] ، أي: يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضدّ من قيل فيهم: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت/ ٤٤] ، وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ «٢» ، إلى قوله: مَشْهُوداً

    «٣» أي: يشهد صاحبه الشّفاء والرّحمة، والتّوفيق والسّكينات والأرواح المذكورة في قوله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء/ ٨٢] ، وقوله: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [البقرة/ ٢٣] ، فقد فسّر بكلّ ما يقتضيه معنى الشهادة، قال ابن عباس: معناه أعوانكم «٤» ، وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعضهم: الذين يعتدّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم شعر:

    ٢٧٦-

    مخلّفون ويقضي الله أمرهمو ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا

    «٥» وقد حمل على هذه الوجوه قوله: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً [القصص/ ٧٥] ، وقوله:

    وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات/ ٧] ، أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت/ ٥٣] ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء/ ٧٩] ، فإشارة إلى قوله: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ

    vol. 1, p. 468[غافر/ ١٦] ، وقوله: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طه/ ٧] ، ونحو ذلك ممّا نبّه على هذا النحو، والشَّهِيدُ: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه إشارة إلى ما قال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ... الآية [فصلت/ ٣٠] ، قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ [الحديد/ ١٩] ، أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعدّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [آل عمران/ ١٦٩- ١٧٠] ، وعلى هذا دلّ قوله:

    وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، وقوله: وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ

    [البروج/ ٣] ، قيل: الْمَشْهُودُ يوم الجمعة «١» ، وقيل: يوم عرفة، ويوم القيامة، وشَاهِدٌ: كلّ من شهده، وقوله:

    يَوْمٌ مَشْهُودٌ

    [هود/ ١٠٣] ، أي: مشاهد تنبيها أن لا بدّ من وقوعه، والتَّشَهُّدُ هو أن يقول:

    أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وصار في التّعارف اسما للتّحيّات المقروءة في الصّلاة، وللذّكر الذي يقرأ ذلك فيه.