كره
13 paragraphs · vol. 1, p. 707
- vol. 1, p. 707
قيل: الْكَرْهُ والْكُرْهُ واحد، نحو: الضّعف والضّعف، وقيل: الكَرْهُ: المشقّة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بِإِكْرَاهٍ، والكُرْهُ:
ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين:
أحدهما: ما يعاف من حيث الطّبع.
-
والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشّرع، ولهذا يصحّ أن يقول الإنسان في الشيء الواحد:
إني أريده وأَكْرَهُهُ، بمعنى أنّي أريده من حيث الطّبع، وأكرهه من حيث العقل أو الشّرع، أو أريده من حيث العقل أو الشّرع، وأَكْرَهُهُ من حيث الطّبع، وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[البقرة/ ٢١٦] أي: تَكْرَهُونَهُ من حيث الطّبع، ثم بيّن ذلك بقوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة/ ٢١٦] أنه لا يجب للإنسان أن يعتبر كَرَاهِيَتَهُ للشيء أو محبّته له حتى يعلم حاله. وكَرِهْتُ يقال فيهما جميعا إلّا أنّ استعماله في الكره أكثر. قال
vol. 1, p. 708تعالى: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[التوبة/ ٣٢] ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة/ ٣٣] ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
[الأنفال/ ٥] ، وقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات/ ١٢] تنبيه أنّ أكل لحم الأخ شيء قد جبلت النّفس على كَرَاهَتِهَا له وإن تحرّاه الإنسان، وقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء/ ١٩] وقرئ:
كرها «١» ، والإِكْرَاهُ يقال في حمل الإنسان على ما يكرهه، وقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [النور/ ٣٣] فنهي عن حملهنّ على ما فيه كَرْهٌ وكُرْهٌ، وقوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[البقرة/ ٢٥٦] فقد قيل: كان ذلك في ابتداء الإسلام، فإنه كان يعرض على الإنسان الإسلام فإن أجاب وإلّا ترك «٢» .
-
والثاني: أنّ ذلك في أهل الكتاب، فإنّهم إن أرادوا الجزية والتزموا الشّرائط تركوا «٣» .
-
والثالث أنه لا حكم لمن أكره على دين باطل فاعترف به ودخل فيه، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل/ ١٠٦] .
-
الرابع: لا اعتداد في الآخرة بما يفعل الإنسان في الدّنيا من الطاعة كرها، فإنّ الله تعالى يعتبر السّرائر ولا يرضى إلّا الإخلاص، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الأعمال بالنّيّات» «٤» ، وقال: «أخلص يكفك القليل من العمل» «٥» .
-
الخامس: معناه لا يحمل الإنسان على أمر مَكْرُوهٍ في الحقيقة مما يكلّفهم الله بل يحملون على نعيم الأبد، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «عجب ربّكم من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل» «٦» .
-
السادس: أنّ الدّين الجزاء. معناه: أنّ الله ليس بِمُكْرَهٍ على الجزاء بل يفعل ما يشاء بمن يشاء كما يشاء.
-
وقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ إلى قوله:
vol. 1, p. 709طَوْعاً وَكَرْهاً
[آل عمران/ ٨٣] «١» قيل معناه: أسلم من في السموات طوعا، ومن في الأرض كرها. أي: الحجّة أكرهتهم وألجأتهم، كقولك: الدّلالة أكرهتني على القول بهذه المسألة، وليس هذا من الكره المذموم.
-
الثاني: أسلم المؤمنون طوعا، والكافرون كرها إذ لم يقدروا أن يمتنعوا عليه بما يريد بهم ويقضيه عليهم.
الثالث: عن قتادة: أسلم المؤمنون طوعا والكافرون كرها عند الموت حيث قال: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ... الآية [غافر/ ٨٥] .
-
الرابع: عني بالكره من قوتل وألجئ إلى أن يؤمن.
-
الخامس: عن أبي العالية «٢» ومجاهد أنّ كلّا أقرّ بخلقه إيّاهم وإن أشركوا معه، كقوله:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف/ ٨٧] .
-
السادس: عن ابن عباس: أسلموا بأحوالهم المنبئة عنهم وإن كفر بعضهم بمقالهم، وذلك هو الإسلام في الذّرّ الأوّل «٣» حيث قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف/ ١٧٢] وذلك هو دلائلهم التي فطروا عليها من العقل المقتضي لأن يسلموا، وإلى هذا أشار بقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرعد/ ١٥] .
-
السابع: عن بعض الصّوفيّة: أنّ من أسلم طوعا هو من طالع المثيب والمعاقب لا الثّواب والعقاب فأسلم له، ومن أسلم كرها هو من طالع الثّواب والعقاب فأسلم رغبة ورهبة، ونحو هذه الآية قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد/ ١٥] .