الباب الثالث في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا الكتاب
57 paragraphs · vol. 1, p. 35
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 39
[وأما السلم:]
-
في قوله تعالى: ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً ٢: ٢٠٨، فقالوا: أعني به الإسلام وشرائعه.
-
والسلم الصلح. والسّلم، بالتحريك، الاستسلام وإلقاء المقادة إلى إرادة المسلمين، فكأنه والصلح
vol. 1, p. 40متقاربان. وعندي انه من السلامة، أي إنه إذا اتفق الفريقان واصطلحا، سلم بعضهم من بعض، والله أعلم.
-
[وأما العنوة:]
-
فيجيء في قولنا: فتح بلد كذا عنوة، وهو ضدّ الصلح، قالوا: العنوة أخذ الشيء بالغلبة. قالوا: وقد يكون عن تسليم وطاعة مما يؤخذ منه الشيء. وأنشد الفرّاء:
فما أخذوها عنوة، من مودّة، ... ولكن بحدّ المشرفيّ استقالها
قالوا: وهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال. قلت: وهذا تأويل في هذا البيت على أن العنوة بمعنى الطاعة، ويمكن أن يؤوّل تأويلا يخرجه عن أن يكون بمعنى الغصب والغلبة، فيقال إن معناه:
فما أخذوها غلبة وهناك مودّة، بل القتال أخذها عنوة، كما تقول: ما أساء إليك زيد عن محبّة، أي بغضة، كما تقول: ما صدر هذا الفعل عن قلب صاف وهناك قلب صاف أي كدر، ويكون قريبا في المعنى من قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ (وَالنَّصارى) نَحْنُ أَبْناءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ٥: ١٨. ويصلح أن يجعل قوله أخذوها دليلا على الغلبة والقهر، ولولا ذلك لقال: فما سلّموها، فإن قائلا لو قال:
أخذ الأمير حصن كذا، لسبق الوهم، وكان مفهومه أنه أخذه قهرا. ولو قال: إن أهل حصن كذا سلّموه، لكان مفهومه أنهم أذعنوا به عن إرادة واختيار، وهذا ظاهر. والإجماع أن العنوة الغلبة، ومنه العاني وهو الأسير. يقال أخذته عنوة أي قسرا وقهرا، وفتحت هذه المدينة عنوة أي بالقتال: قوتل أهلها حتى غلبوا عليها أو عجزوا عن حفظها فتركوها وجلوا من غير أن يجري بينهم وبين المسلمين فيها عقد صلح
-
[وأما الخراج:]
-
فإن الخراج والخرج بمعنى واحد، وهو أن يؤدّي العبد إليك خراجه أي غلّته. والرعية تؤدّي الخراج إلى الولاة، وأصله من قوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ٢٣: ٧٢، وقرئ خراجا، معناه أم تسألهم أجرا على ما جئت به، فأجر ربّك وثوابه خير. وأما الخراج الذي وظّفه عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، على السواد، فأراضي الفيء، فإن معناه الغلّة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان، قالوا: هو غلّة العبد يشتريه الرجل فيستغلّه زمانا، ثم يعثر منه على عيب دلّسه البائع ولم يطلعه عليه، فله ردّ العبد على البائع والرجوع عليه بجميع الثمن، والغلّة التي استغلّها المشتري من العبد طيّبة له، لأنّه كان في ضمانه ولو هلك هلك من ماله، وكان عمر، رضي الله عنه، أمر بمسح السواد ودفعه إلى الفلّاحين الذين كانوا فيه على غلّة كل سنة، ولذلك سمّي خراجا، ثم بعد ذلك قيل للبلاد التي فتحت صلحا ووظّف ما صولحوا عليه على أرضهم، خراجية، لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي لزم الفلاحين، وهو الغلّة، لأن جملة معنى الخراج الغلّة، وفي الحديث أن أبا طيبة لما حجم النبي، صلى الله عليه وسلم، أمر له بصاعين من طعام وكلّم أهله، فوضعوا عنه من خراجه أي من غلّته.
-
[وأما الفيء والغنيمة:]
-
فإن أصل الفيء في اللغة الرجوع، ومنه الفيء، وهو عقيب الظلّ الذي
vol. 1, p. 41للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشيّ، كما قال حميد بن ثور:
فلا الظلّ، من برد الضّحى، تستطيعه، ... ولا الفيء، من برد العشيّ، تذوق
وقال أبو عبيدة: كل ما كانت الشمس عليه وزالت، فهو فيء وظلّ، وما لم تكن الشمس عليه فهو ظلّ، ومنه قوله تعالى، في قتال أهل البغي: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ الله ٤٩: ٩، الآية، أي ترجع، وسمّي هذا المال فيئا، لأنه رجع إلى المسلمين من أملاك الكفّار. وقال أبو منصور الأزهري في قوله تعالى:
ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى ٥٩: ٧، الآية، أي ما ردّ الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل ملّته بلا قتال، إما أن يجلوا عن أوطانهم ويخلّوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدّونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، فهذا المال هو الفيء في كتاب الله. قال الله تعالى: ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ٥٩: ٦، أي لم توجفوا عليه خيلا ولا ركابا. أنزلت في أموال بني النضير حين نقضوا العهد وجلوا عن أوطانهم إلى الشام، فقسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أموالهم من النخيل وغيرها في الوجوه التي أراد الله أن يقسمها فيها، وقسمة الفيء غير قسمة الغنيمة التي أوجف عليها بالخيل والركاب.
قلت: هذه حكاية قول الأزهري، وهو مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وإذا كان الفيء، كما قلنا، الرجوع، فلا فرق بين أن يرجع إلى المسلمين بالإيجاف أو غير الإيجاف، ولا فرق أن يفيء على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خاصّة أو على المسلمين عامّة، وأما الآية فإنما هي حكاية الحال الواقعة في قصة بني النضير، لا دليل فيها على أن الفيء يكون بإيجاف أو بغير إيجاف، لأن الحال هكذا وقعت، ولو فاء هذا المال بالإيجاف وكان للمسلمين عامّة، لجاز أن يجيء في الآية: ما أفاء الله على المؤمنين من أهل القرى، ففي رجوع الفيء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنفي الإيجاف، دليل على أنه يفيء على غيره بوجود الإيجاف، ولولا أنهما واحد لاستغنى عن النّفي واكتفى بقوله عز وجل: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، إذ كان الكلام بدون نفيه مفهوما. وقد عكس قدامة قول الأزهري، فقال: إن الفيء اسم لما غلب عليه المسلمون من بلاد العدوّ قسرا بالقتال والحرب، ثم جعل موقوفا عليهم، لأن الذي يجتبى منهم راجع إليهم في كل سنة. قلت: فتخصيص قدامة لمال الفيء، بأنه لا يكون إلا ما غلب عليه قسرا بالقتال، غلط. فإن الله سمّاه فيئا في قوله تعالى:
ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ٥٩: ٦. والذي يعتمد عليه، أن الفيء كلّ ما استقرّ للمسلمين وفاء إليهم من الكفار، ثم رجعت إليهم أمواله في كل عام، مثل مال الخراج وجزية الرؤوس، كأموال بني النضير، ووادي القرى، وفدك التي فتحت صلحا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكأموال السواد التي فتحت عنوة ثم أقرّت بأيدي أهلها يؤدّون خراجها في كل عام. ولا اختلاف بين أهل التحصيل، أن الذي افتتح صلحا، كأموال بني النضير وغيرهم، يسمّى فيئا، وأن الذي افتتح من أراضي السواد وغيرها عنوة وأقرّ بأيدي أهله، يسمّى فيئا، لكن الفرق بينهما أن ما فتح
vol. 1, p. 42عنوة كان فيئا للمسلمين الذين شهدوا الفتح يقسم بينهم، كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأموال خيبر ويسمّى غنيمة أيضا، وأما الذين رغبوا في الصلح مثل وادي القرى وفدك أو جلوا عن أوطانهم من غير أن يأتيهم أحد من المسلمين، كأموال بني النضير، فأمره إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأئمة من بعده يقسمون أمواله على من يريدون، كما يرون فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأموال هؤلاء.
-
[وأما الغنيمة:]
-
فهو ما غنم من أموال المشركين من الأراضي كأرض خيبر، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، قسمها بين أصحابه بعد إفراد الخمس، وصارت كل أرض لقوم مخصوصين، وليست كأموال السواد التي فتحت أيضا عنوة، لكن رأى عمر، رضي الله عنه، أن يجعلها لعامّة المسلمين، ولم تقسم فصارت فيئا يرجع إلى المسلمين في كل عام. ومن الغنيمة الأموال الصامتة التي يؤخذ خمسها ويقسم باقيها على من حضر القتال، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، فهذا شيء استنبطته أنا بالقياس، من غير أن أقف على نصّ هذا حكايته، ثم بعد وقفت على كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، فوجدته مطابقا لما كنت قلته ومؤيّدا له، فإنه قال: الأموال التي تتولاها أئمة المسلمين ثلاثة، وتأويلها من كتاب الله: الصدقة، والفيء، والخمس، وهي أسماء مجملة يجمع كل واحد منها أنواعا من المال.
-
[فأما الصدقة:]
-
زكاة أموال المسلمين، من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والحبّ والثمر، فهذه هي الأصناف الثمانية التي سمّاها الله تعالى، لا حقّ لأحد من الناس فيها سواهم. وقال عمر، رضي الله عنه: هذه لهؤلاء، وأما مال الفيء، فما اجتبي من أموال أهل الذّمّة من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرّمت أموالهم، بما صولحوا عليه من جزية، ومنه خراج الأرضين التي افتتحت عنوة ثم أقرّها الإمام بأيدي أهل الذمّة على قسط يؤدّونه في كل عام، ومنه وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا عنها على خرج مسمّى. ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمّة التي يمرّون بها عليه في تجاراتهم، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات، فكل هذا من الفيء، وهذا الذي يعمّ المسلمين، غنيّهم وفقيرهم، فيكون في أعطية المقاتلة، وأرزاق الذّريّة، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله.
-
[وأما الخمس:]
-
فخمس غنائم أهل الحرب، والركاز العاديّ، وما كان من عرض، أو معدن، فهو الذي اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم: هو للأصناف الخمسة المسمّين في الكتاب لما قال عمر، رضي الله عنه، وهذه لهؤلاء، وقال بعضهم: سبيل الخمس سبيل الفيء، يكون حكمه إلى الإمام، إن رأى أن يجعله فيمن سمّى الله جعله، وإن رأى أن الأفضل للمسلمين والأوفر لحظهم أن يضعه في بيت مالهم لنائبة تنوبهم ومصلحة تعنّ لهم، مثل سدّ ثغر، وإعداد سلاح وخيل وأرزاق أهل الفيء من المقاتلين والقضاة وغيرهم ممن يجري مجراهم، فعل.
-
[وأما القطيعة:]
-
فلها معنيان، أحدهما أن يعمد الإمام الجائز الأمر والطاعة إلى قطعة من الأرض
vol. 1, p. 43يفرزها عما يجاورها، ويهبها ممن يرى، ليعمرها وينتفع بها، إما أن يجعلها منازل يسكنها ويسكنها من يشاء، وإما أن يجعلها مزدرعا ينتفع بما يحصل من غلّتها، ولا خراج عليه فيها، وربما جعل على مزدرعها خراج، وهذه حال قطائع المنصور وولده بعده ببغداد في محالّها، فمن ذلك قطيعة الربيع، وقطيعة أمّ جعفر، وقطيعة فلان، وقد ذكرت في مواضعها من الكتاب. وأما القطيعة الأخرى، فهي أن يقطع السلطان من يشاء من قوّاده وغيرهم، القرى والنواحي، ويقطع عليهم عنها شيئا معلوما يؤدّونه في كل عام، قلّ أو كثر، توفّر محصولها أو نزر، لا مدخل للسلطان معه في أكثر من ذلك.