حديث موت الوليد بن المغيرة ووصيته
8 paragraphs · vol. 1, p. 191
- vol. 1, p. 191
هشام [٣] قال حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي [٤] عن محمد بن إسحاق وإسحاق بن عمّار وهو ابن الجصاص الراوية قال: وزعم آخرون أن الوليد بن المغيرة مر ذات يوم يجر برديه بين أبواب بني قمير بن حبشية [٥] ابن سلول [٦] بن كعب بن عمرو بن خزاعة، فرماه رجل منهم بسهم فأصاب عضلة ساقه، وهي التي أشار إليها جبريل [٧] فزعموا أنها عظمت حتى صارت مثل القربة العظيمة وامتلأت قيحا ودما، فبينا هو ذات ليلة نائم [٨] وعنده ابنته إذا انفجرت رجله، فقالت ابنته: أي أبتاه! قد انشقت القربة، فقال:
يا بني! ليست بالقربة ولكنها رجل أبيك.
قال: فحدثني زياد البكائي [٩] عن محمد بن إسحاق بإسناده قال: فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه وكانوا ثلاثة وهم هشام وخالد والمغيرة [١٠] بنو
vol. 1, p. 192الوليد، قال: وحدثني أبي قال: فدعا ولده هشاما وخالدا والوليد والفاكه [١] وأبا قيس وقيسا [١] وعبد شمس وعمارة فقال لهم: يا بني! إني أوصيكم بثلاث فلا تضيعوهن: دمي في خزاعة فلا تطلنه [٢] والله! إني لأعلم أنهم منه براء ولكن أخشى [٣] أن تسبوا [٤] به بعد اليوم، ورباي [٥] في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقري [٦] عند أبي أزيهر [٧] الدوسي فلا يفوتنكم به وكان أبو أزيهر قد زوجه ابنة له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات. رجع حديث [ابن-] [٨] الكلبي قال فقال لهم: دمي في خزاعة فلا يطل، ورباي [٩] في ثقيف فلا تدعوا حتى تأخذوه، ونهبي ودم أخي الفاكه بن المغيرة في بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلا يفوتنكم، وللمقوقس [١٠] أسقف [١١] دمشق عليّ ألف دينار قد علمها خالد، وعقري عند أبي أزيهر فإنه زوجني ابنته وأخذ مني مهرها ثم أمسكها واستخف بحقي وبشر في فلا يفوتنكم به، فهذه وصيتي فأنفذوها، فقال له بنوه: والله! ما نعلم أحدا من العرب أوصى بنيه بشر مما أوصيت به، فبعث خالد بن الوليد إلى المقوقس بألف دينار، قال البكائي في حديثه: فلما هلك الوليد بن المغيرة وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون عقله فقالوا: إنما قتله سهم صاحبه، وكان لبني كعب بن عمرو
vol. 1, p. 193حلف [١] من عبد المطلب بن [٢] هاشم، فأبت عليهم [٣] خزاعة حتى تقاولوا أشعارا وغلظ الأمر بينهم، وكان الذي أصاب الوليد [سهمه [٤] رجلا من كعب بن عمرو من خزاعة، قال ابن الكلبي: ووثبت بنو مخزوم مع بني الوليد إلى خزاعة يلتمسون دية الوليد وقالوا: إنما قتله صاحبكم، فأبت خزاعة عليهم ذلك وأنكروا أن يكون صاحبهم مات من تلك الجراحة حتى تقاولوا أشعارا وغلظ الأمر بينهم، قال فحدثني إسحاق بن عمّار [٥] قال: قال هشام بن الوليد في ذلك: (الوافر)
أذاهبة بنو كعب بن عمرو ... ولما يقتلوا بدم الوليد
فإلا تعقلوه تعرفونا ... لدى الأطناب [٦] مزدجر الأسود
-
فلما وقع الشر بينهم أقر به بعض خزاعة فقال الجون [٧] الخزاعي ويقال بل قالها نبهان بن [٨] هلال بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وربيعة هو لحى وعمرو هو جميع خزاعة: (الطويل)
نحن عقرنا بالصعيد وليدكم ... وما مثلها من رهطه ببعيد
كبا هو [٩] للخدين والأنف صاغرا ... وأهون علينا هالكا بوليد
فإن أنت يا مخزوم حاولت أرشنا ... فلم تجر طير بينكم بسعود
أبينا التي يرجون منا وعندنا ... جلاد لدى الأطناب حق عتيد
vol. 1, p. 194إذا ما دعوا غبشان [١] يوم كريهة ... وحفوا نواحي غابهم [٢] بأسود
غلبنا وأوردنا السمام عدونا ... بضرب يرد [٣] الوغد [٤] غير حميد
فقال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي: (الطويل)
ألم تر أن العبد يشتم ربه ... فيترك حينا ثم يهشم حاجبه
فإني زعيم أن تسيروا وتهربوا ... وأن تتركوا الظهران [٥] تعوي ثعالبه
وأن تتركوا ماء بجزعة [٦] أطرقا [٧] ... وأن تسألوا [٨] أي الأراك [٩] أطايبه
وإنا أناس ما تطل دماؤنا ... ولا يتعالى صاعدا من نحاربه [١٠]
-
فأجابه الجون بن أبي الجون: (الطويل)
والله لا يؤتى الوليد ظلامة ... ولما تروا يوما تزول كواكبه
ويصرع منكم مسمن بعد مسمن ... وتفتح بعد الموت قسرا [١١] مشاربه
vol. 1, p. 195إذا ما أكلتم خبزكم وسخينكم [١] ... فكلكم باكي الوليد ونادبه
رماه ابن ضراب فلم يخط سهمه ... غذيذة [٢] رمى إن تره فوق حالبه
فخر صريعا مجلعبا [٣] لوجهه ... وقمن عليه يصطرخن أقاربه
-
وقال الجون بن أبي الجون يذكر حلفه [٤] من بني عبد المطلب ويصيب من بني مخزوم: (الطويل)
من يجعل القرد [٥] الوحيد [٦] إذا انتمى ... إلى العز مهنأ الفنيق المخاطر [٧]
لهم أوجه [٨] سود قباح كأنها ... وجوه تيوس [٩] لبلبت [١٠] في الحظائر [١١]
-
وقال الحارث بن هشام بن المغيرة في ذلك للأحابيش [١٢] حلفاء قريش يحرضهم، والأحابيش الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعضل [١٣] والقارة والحيا والمصطلق من خزاعة: (الوافر)
ألا من مبلغ الليلين [١٤] عني ... مواليها ودورهم [١٥] المجالي
vol. 1, p. 196تعرض دوننا ظلما قمير ... إلينا والخصوم إلى انفصال
وتطمع بالصلاح بنو قمير ... ولم تفزع بجيش أو جلال
ويجري بيننا كردوس [١] خيل [٢] ... بحمل [٣] البيض والأسل [٤] النهال [٥]
ويصرع [٦] بيننا قتلى كرام ... تقصد [٧] فيهم حطم العوالي
قال البكائي: ثم إن الناس ترادوا وعرفوا إنما يخشى القوم السبة فأعطتهم خزاعة بعض العقل وانصرفوا عن بعض، وقال عبد الله بن الزبعرى [٨] لبسر [٩] بن سفيان القميري [١٠] : (الطويل)
ألا أبلغا بسر بن سفيان آية ... يبلغها [١١] عني الخبير المفرّد
-
وهي قصيدة في شعره، فلما سمع بسر بن سفيان قول ابن الزبعرى أخذ بيد ابنه وقريش جلوس في الحجر [١٢] فقال: يا معشر قريش! أنتم أعز الناس علينا حربا وأحب الناس إلينا سلما وقد اتهمتمونا من قتل الوليد بما اتهمتمونا به وإنا لم نفده [١٣] ولم نطله، وهذا ابني لكم رهن بالدية، فأخذه خالد بن الوليد وقال: قد قبلنا، فانطلق بالغلام إلى منزله فأطعمه وكساه حلة وطيبة ثم قال: انطلق إلى أبيك فإن كان لنا عليه حق فسيريحه [١٤] علينا، فلما
vol. 1, p. 197أتى [١] الغلام أباه ذكر له ما قال، فقال: افعل، والله لأريحن عليه حقه، وكانت الدية تؤدى مقطعة في سنين، فأداها عاما، ثم حج رسول الله صلى الله عليه حجة الوداع وقد بقي من الدية شيء، فوضعه صلى الله عليه فيما وضع من دماء الجاهلية، فلم يؤد شيئا بعد ذلك، فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبي الجون أو عمرو بن عبد مناة بن حبتر [٢] الخزاعي: (الطويل)
ألا قالت الحسناء يوم لقيتها ... مقالة نصح لامرء [٣] غير جاهل
تقول [٤] لنا لما اصطلحنا تعجبا ... لما قد حملنا للوليد وقائل [٥]
وقالت [٦] أتؤتون الوليد ظلامة ... ولما تروا يوما كثير البلابل
فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت ... فأمّ هواه كل حاف وناعل [٧]
تمنى عليّ أمس حين تجردت ... سراتهم يغلون غلي المراجل
-
بنو عبد مناة وكنانة يدعون بني علي لأن علي بن مسعود الغساني حضنهم فنسبوا إليه: (الطويل)
ولو قدموا ما أصدروا لتكشفت ... قبائلهم عن كل أروع باسل
طويل الذراع أكثر الله خيره ... فشب شبابا في بيان ونائل [٨]
فماذا أردنا بيننا من جلاله ... ومن نسب من بعد ذلك فاعل
-
ثم لم ينته الجون حتى افتخر بقتل الوليد وذكر أنهم أصابوه، وذلك باطل كله، فلحق بالوليد وبولده وبقومه من ذلك ما حذروا منه، فقال الجون:
(الوافر)
vol. 1, p. 198ألا زعم المغيرة [١] أن كعبا [٢] ... بمكة فيهم قدر كثير
فلا تعجب مغير بأن ترانا ... بها يمشي المعلهج [٣] والجهير [٤]
بها آباؤنا وبها ولدنا ... كما أرسي بمنبته [٥] ثبير [٦]
وما قال المغيرة ذاك إلا ... ليعلم شأننا أو يستثير [٧]
فإن دم الوليد أطل إنا ... نطل دماء [٨] أنت بها خبير
رماه [٩] الفاتك الميمون سهما ... ذعافا [١٠] وهو ممتلئ بهير [١١]
فخر [١٢] يبطن مكة مسلحبّا [١٣] ... يشبّه [١٤] عند وجبته [١٥] بعير
سيكفيني مطال أبي هشام [١٦] ... جلاد [١٧] جعدة الأوبار خور [١٨]
vol. 1, p. 199تنافرنا وأنت لعبد شجع [١] ... لئيم البيت محتده [٢] قصير