وفادة قريش إلى سيف بن ذي يزن وفيهم أشرافهم

4 paragraphs · vol. 1, p. 427

  1. حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا أبو بكر محمد بن المغيرة بن بسّام قال حدثنا علي بن زريق [٢] قال حدثني عبد الله بن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزا سيف بن ذي يزن النجاشي [٣] أغار عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى سبايا كثيرة، ورجع إلى بلاده فكانت العرب ترحل اليه/ من الآفاق يهنئونه والشعراء يمدحونه، فرحل إليه وفد قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف وعبد الله بن جدعان التيمي ورياح بن عبد الله [٤] حتى وصلوا إلى بابه فاستأذنوا [٥] لهم الإذن فأذن لهم، فدخلوا عليه وهو في قصر يقال له غمدان، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي: (البسيط)

    اشرب [٦] هنيئا عليك التاج مرتفعا [٧] ... في رأس غمدان دار منك محلالا [٨]

    vol. 1, p. 428فدخل القوم عليه وهو مضمّخ بالعنبر [١] يلصف [٢] وبيض [٣] المسك من مفرقه [٤] متّزر ببردة [٥] مرتد بأخرى، بين يديه سيفه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول [٦] فاستأذنه عبد المطلب ليتكلم فقال له الملك: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم، فقال عبد المطلب: إن الله أحلّك أيها الملك محلا شامخا [٧] باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت [٨] أصله وسمك فرعه في خير موطن وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن ناب [٩] العرب الذي لا ينقدّ وربيعها وخصبها [١٠] الذي يحيا حياؤها [١١] به وأنت رأس العرب وعمادها الذي عليه الاعتماد ومعقلها [١٢] الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف وأنت لنا منه خير خلف، لن يخمد [١٣] ذكر من أنت/ سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسكان [١٤] بيته [١٥] أشخصنا إليك منعك الذي اجتاحنا ودفعك الكرب الذي فدحنا [١٥] فنحن لا وفد التهنئة

    vol. 1, p. 429لا وفد المرزية [١] ، فقال [٢] له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال له الملك: ابن أختنا [٣] ، قال: نعم، أيها الملك، قال له الملك: أهلا وسهلا وناقة ورحلا [٤] ومستناخا [٥] سهلا وملكا ربحلا [٦] ، يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم وقبل وسيلتكم وعرف مكانكم وقرابتكم، فأهل [٧] الليل والنهار أنتم، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء [٨] إذا ظعنتم، ثم انطلق [٩] بالقوم إلى دار الضيافة قد يجري [١٠] عليهم ما يجري على مثلهم، فمكثوا شهرا لا يسأل عنهم حتى إذا كان بعد أرسل إلى عبد المطلب فجاءه حتى إذا دخل عليه أخلى [١١] له مجلسه [١٢] وقربه إلى نفسه، وقال: أيها الشيخ! إني لمفوض إليك من [١٣] [سر-] [١٤] علمي ما لو غيرك يكون لم أبح [١٥] له به ولكني وجدتك معدنه [١٦] فليكن عندك مطويا [١٧] حتى يأذن الله

    vol. 1, p. 430فيه، فأني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه [١] لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس كافة ولقومك/ عامة ولك خاصة، قال عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر [٢] وبر فما هو فداك جميع أهل الوبر [٣] زمرا بعد زمر [٣] قال له الملك: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة إلى يوم القيامة، قال له عبد المطلب: أبيت اللعن! لقد أتيت بخبر [٤] لم يأت به أحد قبلك، ولولا هيبة الملك وجلاله وإعظامه وإكرامه لسألت الملك من بشارته إياي ما أزداد به [٥] سرورا [٦] ، قال له الملك: هذا [٧] حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد أنجل العينين خدلج الساقين كأن وجهه فلقة قمر، يموت عنه أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، قد ولدناه [٨] مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا [٩] أنصارا يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، يفتح بهم [١٠] خزائن الأرض ويضرب [بهم-] [١١] الناس عن عرض، ويكسر الأوثان ويزجر [١٢] الشيطان ويعبد الرحمن، يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله، كلامه فصل وحكمه عدل، قال له عبد المطلب: عز [١٣] جدك وعلا كعبك [١٤] ودام ملكك

    vol. 1, p. 431وطال عمرك! فهل [١] الملك سارّي بأوضاح فقد أوضح بعض الإيضاح فقال [٢] له الملك: ورب البيت ذي الحجب [٣] والعلامات والنصب [٤] إنك لجده غير الكذب، قال: فخر عبد المطلب/ بين يدي الملك ساجدا، قال له الملك: ارفع رأسك أيها الشيخ! فرفع رأسه فقال له الملك: شرح [٥] صدرك وعلا [٦] ذكرك [٧] ! هل أحسست بشيء مما قلته لك؟ قال له عبد المطلب:

    كان لي ابن وكان عاشر عشرة أصغرهم سنا وكنت عليه رفيقا وبه معجبا وإني زوجته امرأة من كرائم [٨] قومي [٩] وهي آمنة بنت وهب الزهرية فجاءت بغلام مات عنه أبوه وأمه قد أتت عليه سنتان [١٠] وفيه ما وصفت من العلامات وكفلته أنا [١١] وعمه، قال له الملك: الأمر على ما وصفت لك أيها الشيخ! احتفظ بابنك واحذر عليه اليهود، فأنهم أعدى [١٢] الناس له ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، فاطو [١٣] ما ذكرت لك عن هؤلاء الرهط الذين معك من قومك لا يأخذهم النفاسة [١٤] أن تكون لك الرئاسة [١٥] ، فيبتغون لك الغوائل [١٦]

    vol. 1, p. 432وينصبون لك الحبائل [١] وهم فاعلون وأبناؤهم [٢] ، وإن عزهم فيه لقاهر وهلكهم فيه لظاهر [٣] ، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي [٤] قبل مبعثه لتحولت بخيلي ورجلي إلى يثرب حتى أتخذها دارا [٥] ، فاني [٦] أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وإعلان ذكره وأهل نصره وموضع قبره، وأجدني قد دخلت له في قلبي محبة ومقه [٧] ولولا [٨] أني أقيه [٩] الآفات وأحذر عليه العاهات لأوطأت عقبه على حداثة سنه العرب [١٠] ، ولكني صارف ذلك إليك عن غير [١١] تقصير [١٢] بمن معك، ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد سود وعشر إماء سود ولبنة [١٣] ذهب وكرشا [١٤] مملوءة عنبرا

    vol. 1, p. 427
  2. ولطيم مسك، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك [١] ، فكانت قريش تنافسه وكان عبد المطلب يقول: معاشر قريش! لو عرفتم بشارة الملك إياي لهان هذا عندكم.

    vol. 1, p. 433
  3. تم الكتاب والحمد لله رب العالمين صلاة على خير خلقه محمد وآله رحم الله من نظر فيه ودعا لصاحبه بطول البقاء ولكاتبه بصلاح حال الدارين وكفاه المهيمن فيهما ولجميع المسلمين [٢] - آمين.

  4. وقد وقع الفراغ من طبع كتاب المنمق للمرة الأولى يوم الخميس الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٨٤ هـ ٢٠ أغسطس سنة ١٩٦٤ م في مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد الدكن بالهند. وطبع للمرة الثانية في بيروت مقابلا على الطبعة الأولى الهندية، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.