حديث الفيل
10 paragraphs · vol. 1, p. 70
- vol. 1, p. 70
كان من حديث الفيل أن نفرا من كنانة خرجوا قبل اليمن، فلما دخلوا صنعاء إذا هم ببيت قد بني كبنيان الكعبة بناه أبرهة الأشرم الحبشي وسماه قليس [٦] ، فدخل أولئك النفر ذلك البيت فتغوّط بعضهم فيه فارتحلوا فانطلقوا، فوجد ذلك الأثر فغضب أبرهة وقال: من فعل هذا؟ قالوا له: نفر من أهل بيت العرب، فحلف بدينه أن لا يتركهم حتى يخرّب بلدهم ويهدم بيتهم، فأرسل فجمع فسّاق العرب وطخاريرهم [٧] وكان أكثر من تبعه خثعم وكانوا لا يحجون البيت ولا يحرّمون الحرم واتبعه أيضا بنو منبّه بن كعب بن الحارث بن كعب وكانوا لا يحرمون الحرم ولا يحجون البيت، وكان منهم الأسود بن مقصود [٨] الذي يقول: (الرجز)
يا فرس اعدي بيه ... إذا سمعت التلبية
-
وكان قبل ذلك يقطع على الحاج والعمار سبيلهم، وكان ممن اتبع الأشرم نفيل بن حبيب الخثعمي في بشر كثير من خثعم وقال الأشرم الخبيث:
vol. 1, p. 71إذا قضيت قضائي من تهامة سرت حتى أغير على أهل نجد، وصادف ذلك قوله طرفة بن العبد [وهو] [١] يومئذ بنجران، فلما رأى تلك العدّة وسمع ما يقول الأشرم إنه يغير على نجد قال أبياتا فبعث بها إلى قتادة بن مسلمة الحنفي، وهي هذه: (الطويل)
ألا أبلغا قتادة الخير آية ... فإن الحذر [٢] لا بد [منه-] [٣] منجّيكا
بنجران ما قضّى الملوك قضاءهم ... فليت غرابا في السماء يناديكا
فرقان آت كعبة الله منهم ... وآخر إن لم تقطع البحر آتيكا [٤]
-
وقال كلثوم بن عميس [٥] من بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وأخذه الأشرم وكبله عنده فقال وهو في الحديد: (الطويل)
ألا ليت إن الله أسمع دعوة ... وأرسل بين الأخشبين [٦] مناديا
أتتكم جموع الأشرم الفيل فيهم ... وسود رجال يركبون السعاليا [٧]
ورجل [٨] جسام [٩] لا يكتّ [١٠] عديدهم ... يهزّون واللات الحراب الصواديا [١١]
أتوكم أتوكم تبشع [١٢] الأرض منهم ... كما سال شؤبوب [١٣] فأبشع واديا
vol. 1, p. 72وأقبل معهم رجلان من بني سليم وكانا [١] خليعين فلحقا بنجران فأقبلا معهم يقال لأحدهما محمد وللآخر قيس ابنا خزاعي بن حزابة بن مرّة ابن هلال، فدعا الأشرم قيس بن خزاعي فقال: امدحني واذكر مسيري فقال:
(الكامل)
حيّ المدام وكأسها ... للاشرم الملك الحلاحل [٢]
أنبئت [٣] أنك قد خرجت ... فقلت ذكر غير خامل
أولاد حبشة حوله ... متلحفون على المراجل [٤]
بيض الوجوه وسودها ... أشعارهم مثل الفلافل
قال ابن إسحاق: يريد على المنابر [٥] ، وخرج الأشرم حتى نزل منزلا له من نجران وصادفه يوم عيد لا يأكل فيه إلا الخصي، فأمر بالخصي فطبخت وقدّمت إلى الناس فتحامتها العرب إلا خثعم فإنها أكلتها وقالت للاشرم [٦] :
أيها الملك! إن من معك من مضر أبوا أن يأكلوا [٧] من هذه الخصي شيئا وهم يعيروننا بها [٨] لأكلنا إياها [٨] ، فغضب الأشرم وأرسل فأخذ له ناس من مضر فأخذ فيهم قيس بن خزاعي [٩] وأخوه وقد كان أمرهم أن يسجدوا للصليب فلم يسجد له من معه من مضر، فلما وقفوا بين يديه قال قيس بن خزاعي:
(الطويل المخروم)
إن تك من عود كريم نصابه ... فأنت أبيت اللعن أكرم من مشى
vol. 1, p. 73ونحن أبيت اللعن في دين قومنا ... فلا نعبد الصلب [١] ولا نأكل الخصي
فقال الأشرم: صدق، كل قوم ودينهم، خلّوا سبيلهم، فلذلك يقول عبد الله بن ثور بن عباب [٢] بن البكاء [٣] بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يعير [٤] خثعم: (الطويل المخروم)
رحنا وراحت خثعم في شبابها [٥] ... إلى منزل ثان [٦] كثير الحواطب [٧]
وجاءوا لناديهم بشيزى [٨] عريضة ... كأن الخصي فيها رؤوس الأرانب
-
وبعث الأشرم محمد بن خزاعي عينا له في نفر فأشرفوا جبلا وأرسل الله عليهم صاعقة فهلكوا أجمعون، فقال قيس أخوه يرثيه وكان محمد يكنى أبا خزاعي: (الكامل) .
يا با خزاعي [١-] [٩] لخيل أدركت [معا-] [١٠] ... أولى تطاعم من سلىً متمزق [١١]
هلا وقاه الموت أن قميصه ... زغف [١٢] مضاعفة [١٣] كنهي [١٤] الأبرق [١٥]
vol. 1, p. 74أهلي فداؤك آبيا ومسالما ... ولد [١] الندى إذ [٢] الندى لم يرزق
-
وأقبل [٣] الأشرم حتى مر بالأزد فأرسل [٤] إليهم خيلا فهزموا خيله، فقال عبد شمس بن مسروح الأزدي: (الطويل المخروم)
نحن منعنا الجيش [٥] حوزة أرضنا ... وما كان منا خطبهم بقريب
إذا ما رمونا رشق إزب [٦] أتيتهم ... بكل طوال الساعدين نجيب [٧]
وما فتية [٨] حتى افاتت [٩] سهامهم ... وما رجعوا من مالنا بنصيب
-
ثم سار حتى نزل بالطائف وقيل له إن ههنا بيتا للعرب تعظمه، فلما نزل بهم خرج إليه مسعود بن معتّب الثقفي وكان منكرا [١٠] وأهدى له خمرا وزبيبا وأدما، ثم قال: أيها الملك! إن هذا البيت ليس بالبيت الذي تريده [١١] إنما البيت الأعظم الذي تريد هو الذي صنع أهله ما صنعوا أمامك، وإنما نحن في مملكتك فامض! فإذا فرغت رأيت [١٢] فينا رأيك، فمضى وتركه، وسمعت به قريش فخرجوا وتركوا مكة، فلم يبق بها أحد يذكر [١٣] إلا خاف [١٣] على نفسه إلا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وعمرو بن عائذ بن
vol. 1, p. 75عمران بن مخزوم، فكانا [١] يطعمان كل يوم، وأرسل [٢] الأشرم الأسود بن مقصود [٣] في خيل، فأخذ إبلا لقريش بناحية بئر فيها مائتا ناقة لعبد المطلب ثم أرسل رسولا [٤] فقال: أنظر من بقي بمكة! فأتى فنظر ثم رجع إليه فقال:
وجدت بها الناس كلهم ولم أجد أحدا، قال: وجدت رجلا لم أر مثل طوله وجماله ووجدت رجلا لم أر مثل قصره، والجميل هو عبد المطلب والقصير عمرو بن عائذ، قال: فاذهب واتني بالطويل! فذهب فأتى بعبد المطلب، فلما دخل عليه أعجبه وومقه [٥] وأمر له بمنبر فجلس عليه وكلمه وسأله فازداد به عجبا، ثم قال له: سلني ما أحببت! قال: إنك أخذت إبلا لي فردها عليّ! قال: والله لقد زهدت فيك بعد عجب بك! قال عبد المطلب: ولم ذاك أيها الملك؟ قال: جئت أهدم شرفك وحرمتك فتركت أن تسألني الكف عنها وسألتني مالك، قال: أما والله لحرمتي أعجب إليّ وأعظم/ عندي من مالي! ولكن لحرمتي رب إن شاء أن يمنعها منعها، وإن تركها فهو أعلم، وإن هذه الإبل لي خاصة فأنا أخاف عليها فاعمل فيها! فأمر بإبله فردت عليه، وقام عبد المطلب وقال: (الرجز)
يا رب [٦] اخز الأسود [٧] بن مقصود [٨] ... الآخذ الهجمة [٩] ذات التقليد [١٠]
vol. 1, p. 76بين حراء [١] فثبير [٢] فالبيد [٣] ... [٤] اخفر به رب وأنت محمود [٤]
-
وقام عبد المطلب بفناء مكة يدعو فقال: (الكامل)
يا رب [٥] إن العبد ... يمنع رحله فامنع رحالك [٦]
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم [٧] [٨] ربي محالك [٨]
إن أنت تتركهم ... وكعبتنا [٩] فشيء ما بدا لك
-
ولبسوا أداتهم وجلّلوا فيلهم، ثم أقبلوا حتى إذا طعنوا في المغمس [١٠] ليدخلوا في الحرم رجع الفيل فكرّوه، فلما دنا رجع فكروا به وزجروه فبرك، فجعلوا يدخلون الحديد في أنفه حتى خرموه ولا يتحرك، وذلك يوم جمعة فباتوا ليلة السبت حتى إذا طلعت الشمس سمعوا مثل خوات [١١] البرد، ثم طلعت
vol. 1, p. 77عليهم طير أكبر [١] من الجراد جاءت من البحر حتى إذا كانت على رؤوسهم خرق الله عليهم الريح، وقذفتهم الطير بحجارة في أرجلها، فتركوا أبنيتهم ومتاعهم وخلّوا عن الفيل وخرجوا هاربين، وجعلت تلك الحجارة لا يقع منها شيء على عضو إلا خرقه حتى ينقطع [٢] العظم، فمات من مات مكانه وأفلت من/ أفلت، فجعل ذلك الذي أصابهم جدريّا وحصبة فمات أكثر ممن نجا، ومات من ذلك القرح الأشرم وابنه النجاشي وكان هو [على-] [٣] مقدمته، ومات الأسود بن مقصود وقيس بن خزاعي في المعركة، وأفلت نفيل بن حبيب وأفلت أخنس الفقيمي [٤] . فكان من أدلّاء الفيل وكان أكرههم لذلك. فقال عمرو بن الوحيد بن كلاب: (الطويل)
سطا الله بالحبشان والفيل سطوة ... أرى كل قلب واهيا فهو خائف
ويوم ذباب السيف [٥] كان نذيره ... ويوم على جنب المغمس [٦] كاسف [٧]
أميرهم رجل من الطير لم يكن ... نقافا [٨] لها بين [٩] الحجارة واكف
كأن شآبيب [١٠] السماء هويّة ... وقد أشعلت بالمجلبين [١١] النفانف [١٢]
-
النفنف ما بين أعلى الجبل إلى أسفله والنفنف ما بين طرف الأرض إلى آخرها.
vol. 1, p. 78ندقهم [١] من خلفهم وأمامهم ... وعارضهم فوج من الريح قاصف
يخالسنهم أنفاسهم ونفوسهم ... ولم ينج إلا التابعون الروادف [٢]
كأنهم غب العقاب [٣] هشيمة ... من الصيف تذريه الرياح الرفارف
وكان شفاء لو ثوى في عقابها ... نفيل وللآجال آت وصارف
-
فأجابه نفيل بن حبيب الخثعمي فقال: (البسيط)
ماذا يريك عقابي لو ظفرت به ... يا ابن الوحيد من الآيات والعبر
قلنا المغمس [٤] يوما ثم ليلته ... في عالج كثؤاج [٥] النيب والبقر
حتى رأينا شعاع الشمس تستره ... طير كرجل جراد طار منتشر
يرميننا مقبلات ثم مدبرة ... بحاصب من سواد [٦] الأفق كالمطر
وأشعل [٧] الحبش لا تلوي على أحد ... وعارضتنا زحوف [٨] الريح عن يسر
كبّا لأذقاننا والريح تدبرنا ... لا نتقي [٩] الشر من ريح ولا حجر
فزلّ منا شديد لا طباخ [١٠] به ... ومات أكثر ذاك الجيش بالعسر [١١]
كأنهم نجلات [١٢] الضأن نائمة ... وبالمتون من الحبشان كالدبر
vol. 1, p. 79وقال أيضا نفيل بن حبيب: (الوافر)
ألا حيّيت عينا [١] يا ردينا ... وقرّي بالإياب إليك عينا
فلو أبصرتنا والجيش يرمى ... بحسبان [٢] رثيت [٣] لنا ردينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وسفي حجارة تسفي علينا [٤]
وأمطرنا بلا ماء ولكن ... عذاب نقيمة [٥] اردفن حينا [٦]
فكل الناس يسأل عن نفيل ... كأن عليّ للحبشان [٧] دينا
وقال في ذلك قيس بن الأسلت: (المتقارب)
[و] [٨] من نعم الله أموالنا ... وأبناؤنا ولدينا نعم
ومن منه [٩] يوم فيل الحبو ... ش إذ [١٠] كلما بعثوه رزم [١١]
vol. 1, p. 80محاجنهم [١] تحت أقرابه [٢] ... وقد خرموا [٣] أنفه فانشرم [٤]
فولى سريعا لأدراجه ... وقد هزموا جمعه فانهزم