استعمال كلمة (الدين) في القرآن

47 paragraphs · vol. 1, p. 73

Page 1 of 2

  1. فيتبين مما تقدم أن كلمة (الدين) قائم بنيانها على معان أربعة، أو بعبارة أخرى هي تمثل الذهن العربي تصورات أربعة أساسية.

    vol. 1, p. 73
  2. أولها: القهر والغلبة من ذي سلطة عليا.

  3. والثاني: الإطاعة والتعبد والعبدية من قبل خاضع لذي السلطة.

  4. والثالث: الحدود والقوانين والطريقة التي تتبع.

  5. والرابع: المحاسبة والقضاء والجزاء والعقاب.

  6. وكانت العرب تستعمل هذه الكلمة قبل الإسلام بهذا المعنى تارة أخرى حسب لغاتهم المختلفة؛ إلا أنهم لما لم تكن تصوراتهم لتلك الأمور الأربعة واضحة جلية ولا كان لها من السمو والبعد نصيب، كان استعمال كلمة (الدين) مشوباً بشوائب اللبس والغموض، ولذلك لم يتح لها أن تكون مصطلحاً من مصطلحات نظام فكر متين، حتى نزل القرآن فوجد هذه الكلمة ملائمة لأغراضه؛ فاقتناها واستعملها لمعانيه الواضحة المتعينة، واصطنعها مصطلحاً له مخصوصاً. فأنت ترى أن كلمة (الدين) في القرآن تقوم مقام نظام بأكلمه، يتركب من أجزاء أربعة هي:

    الحاكمية والسلطة العليا.

  7. الإطاعة والإذعان لتلك الحاكمية والسلطة.

  8. النظام الفكري والعملي المتكون تحت سلطان تلك الحاكمية.

  9. المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له أو على التمرد عليه والعصيان له.

  10. ويطلق القرآن كلمة (الدين) على معنيها الأول والثاني تارة، وعلى المعنى الثالث أخرى وعلى الرابع ثالثة، وطوراً يستعمل كلمة (الدين) ويريد بها ذلك النظام الكامل بأجزائه الأربعة في آن واحد. ولإيضاح ذلك يجمل بنا النظر فيما يأتي من الآيات الكريمة:

    vol. 1, p. 74
  11. الدين بالمعنيين الأول والثاني:
  12. (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين، هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين) (غافر: ٦٤-٦٥)

  13. (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين) .. (قل الله أعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه) ...

  14. (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) .. (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص) (الزمر: ١١-١٢ و ١٧، و ٢-٣)

  15. (وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون) (النحل: ٥٢)

  16. (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) (آل عمران: ٨٢)

  17. (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (البينة: ٥)

  18. في جميع هذه الآيات قد وردت كلمة (الدين) بمعنى السلطة العليا، ثم الإذعان لتلك السلطة وقبول إطاعتها وعبديتها. والمراد بإخلاص الدين لله ألا يسلم المرء لأحد من دون الله بالحاكمية والحكم والأمر، ويخلص إطاعته وعبديته لله تعالى إخلاصاً لا يتعبد بعده لغيره الله ولا يطيعه إطاعة مستقلة بذاتها. (١)

    1. (١)معناه أن تكون إطاعة المرء لغير الله – أياً كان هو – تابعة لإطاعة الله تعالى ومتضمنة فيما قد رسم لها من الحدود. فالطاعة الولد لوالده وإطاعة المرأة لزوجها، وإطاعة العبد أو الخادم لسيده وما شاكلها من الإطاعات، إن كانت بأمر من الله ومتضمنة فيما قد وضع لها من الحدود فإنها عين إطاعة الله. وأما إذا كانت خارجة عن تلك الحدود أو مستقلة بذاتها، فإنها البغي والعصيان. وقل مثل ذلك في الحكومة، فهي إن كانت مبنية على القانون المنزل من عند الله تعالى قائمة بإنفاذ حكم الله في أرضه فإن إطاعتها واجبة أما إذا لم تكن كذلك، بل كان أساسها القوانين الوضعية، فإن إطاعتها جريمة.
    vol. 1, p. 75
  19. الدين بالمعنى الثالث

    (قل يا أيها الناس إن كنتم في شكٍ من ديني فلا أعبدُ الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين. وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين) (يونس: ١٠٤-١٠٥)

  20. (إن الحُكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (يوسف: ٤٠)

  21. (وله من في السماوات والأرض كلٌ له قانتون) ..

  22. (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) ... (بل اتّبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) ... (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها (١) لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: ٢٦ و ٢٨، ٢٩، ٣٠)

    1. (١)أي أن القطرة التي قد فطر الله عليها الإنسان هي أن لا شريك لله تعالى في خلق الإنسان وإبلاغه الرزق وتولي الربوبية له، ولا إله لبني آدم ولا مالك ولا مطاع حقيقياً غير الله تعالى. فالطريق الصحيح الطبيعي للإنسان أن يخص عبديته لله تعالى وحده ولا يكون عبداً لغيره.
    vol. 1, p. 76
  23. (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) (النور: ٢)

  24. (إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرمٌن ذلك الدين القيم) (التوبة: ٣٦)

  25. (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) (يوسف: ٧٦)

  26. (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم (٢) ليردوهم وليلبسوا (٣) عليهم دينهم) (الأنعام: ١٣٧)

    1. (٢)أي الذين اتخذوهم مع الله شركاء في الإلهية، والحكم والأمر، والتشريع.
    2. (٣)المراد بلبس الدين عليهم هو أن هؤلاء الشارعين الكذابين يزينون لهم ذلك الإثم تزيناً بوهمهم أن فعلتهم تلك جزء من الدين الذي توارثوه قديماً عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
  27. (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (الشورى: ٢١)

  28. (لكم دينكم ولي دين) (الكافرون: ٦)

  29. المراد بـ (الدين) في جميع هذه الآيات هو القانون والحدود والشرع والطريقة والنظام الفكري والعملي الذي يتقيد به الإنسان فإن كانت السلطة التي يستند إليها المرء لاتباعه قانوناً من القوانين أو نظاماً من النظم سلطة الله تعالى، فالمرء لا شك في دين الله عز وجل، وأما إن كانت تلك السلطة سلطة ملك من الملوك، فالمرء في دين الملك، وإن كانت سلطة المشايخ والقسوس فهو في دينهم. وكذلك إن كانت تلك السلطة سلطة العائلة أو العشيرة أو جماهير الأمة، فالمرء لا جرم في دين هؤلاء. وموجز القول أن من يتخذ المرء سنده أعلى الأسناد وحكمه منتهى الأحكام ثم يتبع طريقاً بعينه بموجب ذلك، فإنه –لا شك- بدينه يدين.

    vol. 1, p. 77
  30. الدين بالمعنى الرابع:
  31. (إنَّ ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع) (الذاريات: ٥-٦)

  32. (أرايت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين) (الماعون ١-٣)

  33. (وما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله) (الانفطار: ١٧-١٩)

  34. قد وردت كلمة (الدين) في هذه الآيات بمعنى المحاسبة والقضاء والمكافأة.

  35. الدين: المصطلح الجامع الشامل

    vol. 1, p. 78إلى هذا المقام قد استعمل القرآن كلمة (الدين) فيما يقرب من معانيها الرائجة في كلام العرب الأول. ولكننا نرى بعد ذلك أنه يستعمل هذه الكلمة مصطلحاً جامعاً شاملاً يريد به نظاماً للحياة يدعن فيه المرء لسلطة عليا لكائن ما، ثم يقبل إطاعته واتباعه ويتقيد في حياته بحدوده وقواعده وقوانينه ويرجو في طاعته العزة والترقي في الدرجات وحسن الجزاء، ويخشى في عصيانه الذلة والخزي وسوء العقاب. ولعله لا يوجد في لغة من لغات العالم مصطلح يبلغ من الشمول والجامعية أن يحيط بكل هذا المفهوم. وقد كادت كلمة (State) تبلغ قريباً من ذلك المفهوم ولكنها تفتقر إلى مزيد من الاتساع لأجل إحاطتها بحدود معاني كلمة (الدين) . وفي الآيات التالية قد استعمل (الدين) بصفة هذا المصطلح الجامع:

    (الأول والثاني) ... ... ... (الرابع) ... ... ... (الثالث)

  36. (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) (التوبة: ٢٩)

  37. (الدين الحق) في هذه الآية كلمة اصطلاحية قد شرح معانيها واضح الاصطلاح نفسه عز وجل، في الجمل الثلاث الأولى، وقد أوضحنا بوضع العلامات على متن الآية أنه قد ذكر الله تعالى فيها جميع معاني كلمة (الدين) الأربعة، ثم عبر عن مجموعها بكلمة (الدين الحق) .

  38. (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدعُ ربّه إني أخاف أن يبدّل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد) (غافر: ٢٦)

  39. وبملاحظة جميع ما ورد في القرآن من تفاصيل لقصة موسى عليه السلام وفرعون، لا يبقى من شك أن كلمة (الدين) لم ترد في تلك الآيات بمعنى النحلة والديانة فحسب، أريد بها الدولة ونظام المدينة أيضاً. فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه: أنه إن نجح موسى عليه السلام في دعوته، فإن الدولة ستدول وإن نظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله. ثم إما أن يقوم مقامه نظام آخر على أسس مختلفة جداً، وإما ألا يقوم بعده أي نظام. بل يعم كل المملكة الفوضى والاختلال.

    vol. 1, p. 79
  40. (إن الدين عند الله الإسلام) (آل عمران: ١٦)