الحالة العلمية في عصره
8 paragraphs · vol. 1, p. 20
- vol. 1, p. 20
: لقد عاش أبو عبيد القاسم بن سلّام في أرقى عصور الإسلام من الجانب العلمي والفكري. إذ في العصر العباسي الأول أيام خلافة هارون الرشيد، المهدي، الهادي، المأمون مثلا، ظهر في حاضرة بلاد الإسلام علماء أجلاء قعّدوا العلوم وأصّلوها وأفردوها بالتصنيف والإضافة والتكميل فكان بحق العصر الذهبي لعلوم هذا الدين.
-
وقد حفل معظم خلفاء بني العباس بالعلم وأولوه عنايتهم وقربوا العلماء وأعلوا منازلهم كالخليفة المهدي فإنه أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين (٤) . وهارون الرشيد الذي أحال بغداد قبلة لطلاب العلم
vol. 1, p. 21يرحلون إليها من مختلف الأمصار لإتمام ما ابتدءوه من العلوم والفنون، فكانت بمثابة مدرسة عليا لطلاب العلوم الشرعية والعربية. وكان فيها كبار المحدثين والقراء والفقهاء والنحويين وحفاظ اللغة وآداب العرب، وقلما كان يتم لإنسان وصف عالم أو فقيه أو محدث إلا إذا رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها (١) .
-
والمأمون كان عهده من أرقى عهود العلم في عصر بني العباس ساعد على ذلك أمران:
أولهما: اشتغال الخليفة نفسه بالعلم وطلبه منذ نعومة أظفاره فلقد جالس العلماء وأخذ عنهم الحديث والتفسير والفقه واللغة فعلى سبيل المثال قد عمل أبو عبيد غريب الحديث للمأمون وقرأه عليه (٢) .
-
وثانيهما: نبوغ الأعداد الغفيرة من العلماء آنذاك في مختلف العلوم (٣) إذ امتلأت أرجاء الولايات الإسلامية بكبار الحفاظ والأئمة كالإمام أحمد والبخاري والأصمعي والكسائي، والفراء، وابن المبارك، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح وأمثالهم وأشباههم.
-
وتبع الخلفاء في الاهتمام بشأن العلم وإعلاء منزلة العلماء كثير من القواد والولاة في هذا العصر أمثال طاهر بن الحسين والي خراسان وابنه عبد الله من بعده وهرثمة بن أعين والي طرسوس.
-
.... ولئن كان ذلك كذلك فإني لا أعتبر اهتمام الخلفاء وولاتهم في أي عصر من العصور الزاهرة في تاريخ أمتنا وحده سببا في نبوغ العلماء ووصول الخط البياني للعلم إلى أعلى درجة في الارتفاع. إذ أن البذور لا تستنبت في الهواء ولو لم يلق الخلفاء والولاة نهضة علمية جادة قوية التمكين لما نشأ لديهم الاهتمام بالعلم أصلا ولما وجدوا إبداعا علميا يكافئون عليه أصحابه ومبدعيه. بل إن
vol. 1, p. 22الخليفة أحيانا يوصد الأبواب أمام حرية الاتجاه العلمي. ويحاول إكراه ما وصلت يده إليه من العلماء على اعتناق مذهب يرون بطلانه، وشبهة أوضحت لهم الأدلة والنصوص ضلال من انتحلها أو دعا إليها.
-
ومع هذا تستمر مسيرة هؤلاء العلماء فوق الصخور ومن خلال الأشواك.
-
لأن حكمة الله جلّ ثناؤه اقتضت ذلك: إذا أراد الله إعزاز شرعه قيض له من يناوئه. وبعد فإن رصدا عاجلا لشيوخ أبي عبيد الذين تلقى عنهم الحديث والتفسير واللغة والقراءات ليعطي صورة واضحة عن المستوى العلمي الذي كان علماء ذلك العصر يرفلون في حلله.