فصل الظاء والنون
7 paragraphs · vol. 3, p. 14
- ظ ن ن:
-
قوله تعالى: } وما هو على الغيب بظنين { [التكوير: ٢٤] أي بمتهم، أي أنه صادق في نفس الأمر ولا عبرة بمن عائد واتهم. وقد تقدم أنه قرئ "بضنينٍ" ومر تفسيره. والظن إذا كان بمعنى التهمة تعدى لواحدٍ. والظن: ترجح أحد الطرفين على الآخر نفيًا وإثباتًا. وقد يعبر به عن اليقين والعلم كما يعبر بالعلم عنه مجازًا. قال الراغب: الظن ما يحصل عن أمارةٍ فإذا قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جداً لم يتجاوز حد الوهم. قوله: } ألا يظن أولئك { [المطففين: ٤] تنبيه أن أمارات البعث ظاهرة، وذلك نهاية في ذمهم. قوله تعالى: } الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم { [البقرة: ٤٦] أي يتيقنون؛ إذ لا يناسب حالهم وصفهم بظن ذلك حقيقًة. وقيل: هو على بابه بتقدير مضافٍ، أي ثواب ربهم، وهو أمر مظنونً إذ لا يقطعون لأنفسهم بالثواب، وفيه نظر لأن قوله بعد: } وأنهم إليه راجعون {يعكر عليه وأجيب بأنه يحمل مع المقدر على الظن الحقيقي مع قوله:} وأنهم إليه راجعون {على اليقين. واعترض بلزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بالتزامه.
-
قوله: } وظن أهلها أنهم قادرون عليها { [يونس: ٢٤] تنبيه أنهم صاروا في حكم العالمين لفرط طمعهم وأملهم. قوله: } وظن أنه الفراق { [القيامة: ٢٨] أي علم.
- vol. 3, p. 15
وقيل: على، لأنه بعد في شك. قوله: } وظن داود أنما فتناه { [ص: ٢٤] أي علم. قوله: } إن نظن إلا ظنًا { [الجاثية: ٣٢] إنما أكدوا لئلا يتوهم عنهم أنهم تجوزوا بالظن عن العلم. قوله: } فظن أن لن نقدر عليه { [الأنبياء: ٨٧] قال بعضهم: إن:} لن نقدر عليه {كقوله:} فنقدر عليه رزقه { [الفجر: ١٦] ومن قدر عليه رزقه فلينفق. وقوله: } وقدر في السرد { [سبأ: ١١] .
-
وعن معاوية أنه أرسل إلى ابن عباس فسأله وقال: كيف يظن نبي الله ذلك؟ فأجابه بما ذكر. قوله: } وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون { [القصص: ٣٩] قيل: إنه استعمل فيه أن المستعمل مع الظن الذي هو العلم تنبيها أنهم اعتقدوا ذلك اعتقادهم للشيء المتيقن وإن لم يكن ذلك متيقنًا. وكان قائل هذا قد قدم أن الظن إذا قوي أو تصور بصورة القوي استعمل معه أن المشدودة وأن المخففة منها، ومتى ضعف استعمل معه أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل. قلت: ذكر النحاة أن أن المخففة لا تقع إلا بعد أفعال اليقين، وأن أن الناصبة لا تقع إلا بعد أفعال الشك، ومتى وقع فعل محتمل للأمرين جاز أن تكون المخففة إن جعلت ذلك الفعل ظنًا، وينصب الفعل بعدها. وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: } وحسبوا ألا تكون فتنة { [المائدة: ٧١] وأجمعوا على النصب في قوله:} أحسب الناس أن يتركوا { [العنكبوت: ٣] وعلى الرفع في قوله:} ألا يرجع إليهم قولاً [[طه: ٨٩] .
-
قوله: } يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية { [آل عمران: ١٥٤] تنبيه أن هؤلاء المنافقين هم في حزب الكفار حيث شبه ظنهم بظن الجاهلية. قوله: } وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله { [الحشر: ٢] أي اعتقدوا اعتقادًا كانوا منه في حكم المستيقنين. قوله: } الظانين بالله ظن السوء { [الفتح: ٦] قيل: هو مفسر بما بعده من قوله:} بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا { [الفتح: ١٢] بدليل قوله تعالى بعده:} وظننتم ظن السوء {. قوله: } إن يتبعون إلا الظن { [الأنعام: ١١٦] } إن الظن لا يغني من الحق شيئًا { [يونس: ٣٦] .
-
أصل الظن مذموم إلا ما استثناه الشارع كما هو مبين في مواضعه. قوله: {اجتنبوا
vol. 3, p. 16كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم { [الحجرات: ١٢] . أمروا باجتناب الكثير منه حتى لا يصادفوا ذلك البعض منه الذي عسى أن يقع فيه إثم. وأفهم أن بعضه ليس بإثم وهو ما أذن بالعمل به. قال بعضهم: إنما جاز استعمال كل من الظن والعلم في موضع الآخر لعلاقة أن كلا منهما فيه رجحان أحد الطرفين إما جزمًا - وهو العلم - وأما ترددًا - وهو الظن. فمن استعمال العلم بمعنى الظن قوله تعالى: } فإن علمتوهن مؤمنات { [الممتحنة: ١٠] إذ ليس الوقوف على الاعتقادات يقينًا. ومن استعمال العكس قوله تعالى: } الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم {وقد تقدم. وأنشدوا قول الشاعر، هو "دريد" : [من الطويل]
٩٨٣ - فقلت لهم: ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في الفارسي المسرد
أي أيقنوا بهم، لأن المقام يقتضي ذلك.