فصل العين والسين
8 paragraphs · vol. 3, p. 72
- ع س ع س:
-
قوله تعالى: } والليل إذا عسعس { [التكوير: ١٧] أي أقبل وأدبر، فهو من الأضداد وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه. والعسعسة والعساس: رقة الظلام وذلك في طرفي
vol. 3, p. 73الليل وقال بعضهم: إنه ليس من الأضداد، بل لأن بينهما قدرًا مشتركًا. وإليه نحا الهروي وغيره، وقال: والمعنيان يرجعان إلى معنًى واحدٍ وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره. ويقال: رجل عاس وعساس لمن يتعسس بالليل، والجمع العسس، ومن ثم قالوا: كلب عس خير من أسدٍ ربض، أي كلب يطلب صديه وقوته ليلاً خير من أسد لا يطلب رزقه. والعسوس من النساء: المتعاطية للزينة بالليل. والعس: قدح ضخم، وجمعه عساس.
- ع س ر:
-
قوله تعالى: } إن مع العسر يسرًا { [الشرح: ٦] العسر: الإضافة في المال، يقال: عسر يعسر إعسارًا فهو معسر، أي افتقر. والعسرة: نقيض اليسرة. وتعاسر القوم تحروا تعسير الأمر.
قال تعالى: } وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى { [الطلاق: ٦] قوله:} فذلك يومئذٍ يوم عسير على الكافرين { [المدثر: ٩ - ١٠] أي لا يتيسر فيه أمر. وعسرني الرجل: طالبني حين العسرة. وروي عن ابن مسعودٍ، وقيل: عن ابن عباسٍ: "أنه لما قرأها قال: لن يغلب عسر يسرين" قلت: قال الفراء وغيره: العرب إذا ذكرت نكرًة ثم أعادتها بنكرةٍ مثلها صارتا ثنتين، وإذا أعادتها بمعرفةٍ فهي هي تقول: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول وتقول: إذا كسبت درهمًا فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول بعينه فهذا معنى قول ابن مسعودٍ لأن الله تعالى لما ذكر العسر ثم أعاده بالألف واللام علمت العرب أنه هو. ولما ذكر يسرًا بلا ألفٍ ولامٍ ثم أعاده بغير ألفٍ ولامٍ علموا أن الثاني غير الأول. وفي حديث رافع بن سالم: "وفينا قوم عسران" هو جمع أعسر نحو أعور وعوران وأعمى وعميان والأعسر أشد رميًا من غيره.
- ع س ل:
-
قوله تعالى: } وأنهار من عسلٍ مصفى { [محمد: ١٥] العسل معروف وهو ما يمجه هذا الطير المعروف الذي ألهمه الله تعالى ذلك. يقال إنه يمتص الندى الذي ينزل من السماء ثم يمجه من فيه لا من دبره، والشمع الذي فيه ليس من بطنه وإنما هو حده في رجليه ويبنى به بيوتًا مسدسًة يكون فيها العسل. حدثنا بذلك جماعة ممن يربون النحل ويسافرون به برًا وبحرًا. فسبحان من أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى. ولما ذكرنا من كون النحل - يمج مجًا لا أنه يرونه من دبره، قال ابن الرومي منبهًا في ذلك: [من البسيط]
١٠٢٧ - في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تغيير
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت فقل قيء الزنابير
والجمع أعسال. وقال بعض أهل اللغة: العسل لعاب النحل وهو موافق لما ذكرناه وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" كنى عن لذة الجماع وحلاوته بذلك. ويقال: كانوا في حمله وسده وعسله. والمراد الكناية عن طيب ما كانوا وإن لم يكن ثم شيء مما ذكر، وإنما أنث؛ قيل: لأنه أراد النطفة فأنث الكناية لأن المكنى عنه مؤنث. قيل: العسل يذكر ويؤنث، فمن أنثه يقول: العسل شريتها وشربتها وقال: عسيلة. وقيل: لأنه أراد قطعًة من العسل وإذا فعلوا ذلك فيما لا يتفاضل قطعًا نحو قوله: الثدية وذو الثدية يريدون قطعًة من الثدي، فإن يفعلوا ذلك فيما يتفاضل أولى والعسلان والسيلان: ضرب من السير، وأصله من عسلان الرمح: وهو اهتزاز كعوبه واضطرابها. وأكثر ما يستعمل العسلان في الذئب قال الشاعر: [من الكامل]
١٠٢٨ - لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه، كما عسل الطريق الثعلب
vol. 3, p. 75وقيل: العسلان: اهتزاز الأعضاء في العدو والسير، فأطلق على السير عسلانًا مجازًا وفي الحديث: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسله. قيل: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يفتح الله له عملاً صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله" .
قال ابن الأعرابي: العسل: طيب الثناء. وفي حديثٍ آخر: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسله في الناس" أي طيب ثناءه. قال القتيبي: أراه مأخوذا من العسل؛ شبه العمل الصالح الذي يفتح له بالعسل. وقال أبو بكرٍ: هذا مثل أي وفقه الله تعالى لعملٍ صالحٍ يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه إذا أطعمه العسل.
- ع س ي:
-
قوله تعالى: } عسى ربكم أن يرحمكم { [الإسراء: ٨] هذه وإن كانت في الأصل للترجى فهي هنا للإيجاب، كأنه قيل: ربكم يرحمكم. وقال سيبويه: عسى ولعل من الله إيجاب، أي لا يراد بهما الترجى ولا الإشفاق لأن ذلك محال في حق الباري تعالى. وأما الحذاق غيره فقد قالوا: هما على بابهما. ولكن ليس بالنسبة إلى الباري تعالى بل إلى الناس؛ فقالوا في قوله تعالى: } فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر { [طه: ٤٤] أي اذهبا إليه، على الرجاء والطمع منكما في ذلك. كما قيل في قوله: } بل عجبت { [الصافات: ١٢] فيمن قرأ بالضم. قال الراغب: عسى: طمع وترج. وكثير من المفسرين فسروا عسى ولعل في القرآن باللازم فقالوا: إن الطمع والرجاء لا يصحان من الله قال: وفي هذا قصور نظرٍ، وذلك أن الله تعالى إذا ذكر ذلك [يذكره] تذكرة ليكون الإنسان منه على رجاءٍ لا أن يكون هو تعالى راجيًا. قال تعالى: } عسى ربكم أن يهلك عدوكم { [الأعراف: ١٢٩] أي كونوا راجين ذلك. وعسى فعل لا يتصرف، خرج عن حقيقته من المضي إلى الإنشاء، وهو ناقص ككان إلا أن خبره لا يكون في الأمر العام إلا مضارعًا مقترنًا بأن كقوله تعالى: } فعسى الله أن يأتي بالفتح { [المائدة: ٥٢] ولم يرد
vol. 3, p. 76التنزيل إلا عليه. وقد ورد اسمًا مفردًا كقول الشاعر: [من الرجز]
١٠٢٩ - أكثرت في العدل ملجأ دائمًا ... لا تكثرن أني عسيت صائمًا
وقالت الزباء: "عسى الغوير أبؤسا" فأرسلتها مثلاً. وقد ورد المضارع بعدها مجردًا من أن، حملاً على كاد في قول الشاعر: [من الطويل]
١٠٣٠ - عسى الله يغني عن بلاد ابن قادرٍ ... بمنهمرٍ جون الرباب سكوب
ويجوز كسر سينها إذا أسندت إلى متكلمٍ أو مخاطبٍ أو نون إناثٍ، وبها قرأ ابن نافع: } فهل عسيتم { [محمد: ٢٢] ولها أحكام كثيرة حررناها في كتبنا النحوية وإما عسي العود يعسو عسوًا: إذا صلب، ففعل متصرف وليس من هذا الباب. والمعسيات: الإبل المنقطع [لبنها] فيرجى عوده.