القرآن

15 paragraphs · vol. 1, p. 23

  1. آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها،

    وامتنعت عليها أعراف " الضمائر فابتز " أنفالها".

    vol. 1, p. 23
  2. وكم صدوا عن سبيله صداً، ومن ذا يدافع

    السيل إذا هدر؛ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب.

  3. فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور يتبسط على غطائه.

  4. وهو القرآن كم ظنوا - مما انطوى

    تحت ألسنتهم وانتشر - كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمراً هيناً لأنه أنزل في الأرض على بشر.

  5. كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضاً ذات دواب نورانية لأن

    هلالها كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سالَ بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلا ما قال الله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) .

  6. ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا

    فمنها عمادها ونظامها وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعَد من حمى القلوب.

  7. ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان. . .

  8. وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها

    من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفس الرحمة فتَنِم بسر هذا العالم الصغير. . .

  9. ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح

    عليها اللسان، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان - إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قَواعده والتمعَت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء

    vol. 1, p. 24وقد أخذت على الأرض ذنبَها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها

    الرادفة: وإنَّما هي عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض " مائدة " .

  10. توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحر المبين. وكانوا يأخذون في ذلك بباطن الظن فأخذوا هذا بحق اليقين (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) .

  11. ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؛ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف

    بين القلب وإرادته. ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما

    يمد لها بسبب إلى السماء، وإنَّه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقُها، ونوز عليه رونَقُ الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من

    النجوم (١) ، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في مبانيه، فكل معنى ولا جرم

    من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر، وإنَّه لشعر، إذ هو آيات لا يجانس كلامها البديعُ غيرَ كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرت غير خيالها، ومرآة في يد الله تقابل كل روح بمثالها.

    1. (١)المراد بهذا الفصل تصوير ما يناسب التخييل السحري كما أن الفصل الذي يليه يرمي إلى ما يتعلق بمثل ذلك في الشعر.
  12. يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثلُ في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر

    في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلا كلاماً تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراجُ النجم من نفخة ترتفع إليه

    كأنما تذهب تُطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!

  13. وهيهات هيهات دون ذلك درْجُ الشمس وهي أم الحياة في كفَن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.

  14. لا جَرَمَ أن القرآن سر السماء فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول.

  15. ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون،

    فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.