أسلوب القرآن
65 paragraphs · vol. 1, p. 131
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 140
ذلك هو وجهُ تركيبه، أو هو أسلوبه، فإنه مباين بنفسه لكل ما عُرف من أساليب البلغاء في ترتيب خطابهم وتنزيل كلامهم، وعلى أنه يؤاتي بعضه بعضاً، وتُناسب كل آية منه كل آية أخرى
في النظم والطريقة، على اختلاف المعاني وتباين الأغراض، سواء في ذلك ما كان مبتدأ به من معانيه وأخباره وما كان متكرراً فيه، فكأنه قطعة واحدة، على خلاف ما أنت واجده في كلام كل
بليغ من التفاوت باختلاف الوجوه التي يُصرفه إليها، والعلو في موضع والنزول في موضع، ثم ما يكون من فترة الطبع ومسحةِ النفس في جهة بعث عليها الملل، أو جهة استؤنف لها النشاط، ثم
ما لا بدَّ منه من الإجادة في بعض الأغراض والتقصير في بعضها، مما يختلف البلغاءُ في علمه والإحاطة به، أو التأتي له والانطباع عليه؛ وهذا كله معروف متظاهر في الناس لا يَمتري فيه أحد.
-
وليس من شيء في أسلوب القرآن ويغُض من موضعه، أو يذهب بطريقته أو يُدخله في شبهٍ من كلام الناس، أو يرده إلى طبع معروف من طباع البلغاء، وما من عالم أو بليغ إلا وهو يعرف
ذلك ويعد خروج القرآن من أساليب الناس كافة دليلاً على إعجازه، وعلى أنه ليس من كلام إنسان، بيد أننا لم نرَ أحداً كشف عن سر هذا المعنى، ولا ألمَّ بحقيقته، ولا أوضح الوجهَ الذي من أجله خالف أسلوب القرآن كل ما عرف من أساليب الناس ولم يشبه واحداً منها، ونحن نوجز
القول فيه لأنه أصل من أصول الكلام في أساليب الإنشاء ولبسطه موضع سيأتيك في بابه إن شاء الله.
-
فقد ثبتَ لنا من درس أساليب البلغاء، وتردادِ النظر في أسباب اختلافها وتصفح وجوه هذا الاختلاف، وتعرفِ العلل التي أثرت في مباينة بعضها لبعض، من طبيعة البليغ وطبيعة عصره -
أن تركيبَ الكلام يتبع تركيبَ المزاج الإنساني، وأن جوهر الاختلاف بين الأساليب الكتابية، في الطريقة التي هي موضع التباين لا في الصنعة كالمحسنات اللفظية ونحوها - إنما هو صورة الفرق
الطبيعي الذي به اختلفت الأمزجة بعضُها عن بعض على حسب ما يكون فيها أصلاً أو تعديلاً؛ كالعصبي البحْت، والعصبي الدموي، وغير ذلك مما هو مقرر في الفروع الطبية، حتى كأن الأسلوب في إنشاء كل بليغ متمكن ليس إلا مزاجاً طبياً للكلام، وما الكلام إلا صورة فكرية من صاحبه.
-
وقد أمعنا في هذا الاستنتاج، وقلبنا عليه كل ما نقرؤه من أساليب العربية - وهي معدودة -
ومَرَرنا على ذلك زمناً، حتى صار لنا أن نستوضحَ أكثر أوصاف الكاتب من أسلوب كتابته، برد ذلك إلى الأوصاف النفسية التي تكون من تأثير الأمزجة والتي قلما تتخلف في الناس، وبها أشبه بعضهم بعضاً، وبها كان التاريخ يعيد نفسه.
-
وأنت تتبين هذه الحقيقة إذا عرفت أديباً ليمفاوي المزاج مثلاً، وأردته على أن يأخذ في
vol. 1, p. 141أسلوب كأسلوب الجاحظ، وهو من أدق الأساليب العصبية. فإنه لا يصنع شيئاً، وإذا نُتج له كلام على هذه الطريقة فلا يجيء إلا مضطرباً متعثراً مطبَقاً بأبواب التعسف والتكلف، وكأنه نتاج بين
نوعين متباينين من الخلق؛ ولكن هذا الأديب عينه إذا أخذ في طريقة السجع أو الترصل المتداخل الذي ليس حذراً ولا مساوقة كترسل الجاحظ وأضرابه - فقد لا يتعلق بجيده في ذلك شيء.
-
ولا يزال بيننا أدباء وعلماء بالبلاغة ووجوه الكلام يعجبَون كيف لا يتهيأ لأحدهم أسلوب كأسلوب ابن المقفع أو عبد الحميد أو سهل بن هارون أو الجاحظ، وكيف لا تستقل له طريقة من ذلك على كثرة ما حاولوا من تقليده والأخذ في ناحيته؛ ولا يدرون أنهم يحملون سر إخفاقهم،
وأن أحدهم إذا استطاع تعديل مزاجه على وجه من الوجوه الطبية، ليكون بين مزاجين، فقد يستطيع تعديل أسلوبه على وجه يكون وسطاً بين أسلوبين.
-
وهذا عبد الحميد الكاتب رأس تاريخ الكتابة العربية وواضع طريقتها، فقد أخذ نفسه بحفظ كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرادها على طريقته، ثم جاءت كتابته فناً آخر لم يستحكم اتفاق الأسلوب بينها وبين ما أثر من كلام الإمام علي، وقد قيل إن "نهج البلاغة"
-
مصنوع، وضعه الشريف الرضي ونجله أمير المؤمنين، والصحيح أن فيه الأصيل والمولَّد. وربما انفردا وربما تمازجا ونحن نستطيع بطريقتنا أن نزايل بين ما فيه من ذلك، ونبين وضعاً من وضع؛
-
فإن المزاجين لمختلفان كما يُعرف من صفة الإمام علي ومن صفة الشريف.
-
من ذلك يخلصُ لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه، لأنه ليس وضعاً إنسانيأ ألبتة، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد في طريقته ونسقِه ومعانيه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
-
ولقد أحسَّ العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا
ولا انقطعوا من دونه، لأنهم رأوا جنساً من الكلام غير ما تؤديه طباعهم، وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة؛
-
ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالِبه، فجاء بشيء لا يشبهه ولا يثبه كلام نفسه، وجنحَ إلى أقرب ما في الطباع الإنسانية وأقوى ما في أوهام العرب من طرق السجع، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها، وإن الرجل على ذلك لفصيح.
- vol. 1, p. 142
وما دامت قوة الخلق ليست في قدرة المخلوق، فليس في قدرة بشر معارضة هذا الأسلوب ما دامت الأرض أرضاً، وهذا هو الصريح من معنى قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .
-
صدق الله العظيم.
-
وبعدُ فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه وأسراه وأجمعه لحرِّ اللفظ ونادر المعنى، وأخلقَه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسمُ مادة الطبع في معارضته، هو ذلك الذي تريده كلاماً فتراه نفساً حية، كأنها تُلقي عليك ما تقرؤه ممزوجاً بنبرات مختلفة وأصوات تدخل على نفسك - إن كنت
بصيراً بالصناعة متقدماً فيها - كل مدخل، ولا تدع فيها إحساساً إلا أثارته، ولا إعجاباً إلا استخرجته، فلا يعدو الكلام أن يكون وجهاً من الخطاب بين نفسك ونفس كاتبه، وتقرؤه وكأنك تسمعه، ثم لا يَلجُ إلى فؤادك حتى تصير كأنك أنت المتكلم به، وكأنه معنى في نفسك ما يبرحُ
مختلجاً ولا ينفك ماثِلاً من قديم؛ مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك، ولم تجهد فيه، ولا اعتملت له؛
-
وذلك بما جَوَّده صاحبه، وبما نفث من روحه، وما بالغ في تصفيته وتهذيبه، وما اتسع في تأليفه وتركيبه، حتى خرج مطبوعاً من أثر مزاجه وأثر نفسه جميعاً فكأنه مادة روحية منه.
-
وقد رأينا بلغاء هذه الطريقة في الأساليب العربية، يتوخون إليها في تصاريف الألفاظ؛ وتمكين الأسلوب، وإرهاف الحواشي، واجتناب ما عسى أن تبعث عليه رخاوة الطبع وتسمح النفس، من حشوٍ أو سفساف أو ضعف أو قلق، ثم التوكيف للمعنى بالمترادفات المتباينة في
صورها، ثم الاستعانة بالمعطوفات على النسق، وبالإسجاع على الأسلوب، وبوجوه الصنعة
البيانية على كل ذلك، فلا تقرأ سطراً من كلامهم إلا أصبت ماء ورونقاً، ولا تمر فيه حتى يُقبل عليك بالصنعة من وجهها المصقول، وحتى يبادرك أنه التنقيح والتهذيب بين الكلمة وأُختها،
والجملة وضريبتها وحتى لو كنت ذا بَصر بالصناعة، وقد عركَتك وعركتها؛ وكنت أملَكَ بصعابها، وأخبر بشعابها - لعرفت فضول الكلام كيف حذِفت، وألفاظه كيف نزلت، ومحاسنه
كيف رصعت، ووجهه كيف مسحَ، وخلْقه كيف عصبَ، ثم لاستطعتَ أن تعيِّن في أي موضع من الكلام كانت زفرة الضجر من صانعه، وعلى أي كلمة وقفت أنفاس الملل، وعند أي مقطع كانت
فترة الطبع، وأين ضاق وأين اتسع، وإن كان هذا الكلام الذي نحن في صفته كله يعد نسقاً واحداً وصنعة مفرّغة، يعلم ذلك من يعلمه ويجهله من يجهله.
- vol. 1, p. 143
فانظر، هل تحسّ شيئاً من كل ما تقدم أو من شبه ما تقدم في أسلوب القرآن الكريم؛ وهل ترى فيه من الغرابة التي يكسوها البلغاء كلامهم في تجويد رصفِه وحَبكِه، إلا أن غرابته في كونه
منسجماً لا غرابة فيه؛ وهل عندك أغرب من هذه السهولة التي يسيل بها القرآن، وهي في كثير من الكلام وكثير من أغراضه تقتضي الابتذال، وفي القرآن كله على تنوع أغراضه لا تقتضي إلا الإعجاز؟
-
وانظر، هل ترى هذه السهولة الغريبة في نفسها مما يمكن أن يُحَس فيها روح إنساني كسائر الأساليب، أم هي سهولة الأوضاع الإلهية التي يعرفها كل الناس ويعجز عنها الناس كلهم، ثم يعرف العلماء منها غير ما يعرفه الجهال، ثم يمتاز بعض العلماء في المعرفة بها على بعض،
ثم يبقى فيها سر الخلقِ مع كل ذلك مكتوماً لا يعرَف، وما هو سر الإعجاز!
-
وتأمل، هل تصيب في القرآن كله مما بين الدفتين إلا رهبة ظاهرة لا تمويه في شيء منها، وإلا أثراً من التمكن يصف له منزلة المخلوق من أمر الخالق، وإلا روحاً أكبر من أن يكون نفساً إنسانة أو أثراً من آثار هذه النفس، ثم هل تجد في أغراضه إلا ما كان في وضعه مادة لتلك الرهبة
ولذلك الأثر وذلك الروح؟
-
هذا على أن فيه من المعاني الكثيرة والأغراض الوافرة، مما لو كان في كلام الناس لظهر عليه صبغ النفس الإنسانية لا محالة، بأوضح معانيه وأظهر ألوانه؛ وبصفات كثيرة من أحوال النفس، وحسبك أن تأخذ قطعة منه في الموعظة والترغيب، أو الزجر والتأديب، أو نحو ذلك مما يستفيض فيه الكلام الإنساني، فتقرنها إلى قطعة مثلها من كلام أبلغ الناس بياناً، وأفصحهم عربية
لترى فرق ما بين أثر المعنى الواحد في كلتا القطعتين، ولتقع على مقدار ما بين الطبقة الإنسانية في السعة والتمكن، فإن هذا أمر لا تصف العبارة منه، وإذا وصفت لا تبلغ من صفته، ثم لا دليل
عليه لمن يريد أن يستدل إلا الحسن.
-
ومعنى آخر وهو أننا نرى أسلوب القرآن من اللين والمطاوعة على التقليب، والمرونة في التأويل، بحيث لا يصادم الآراء الكثيرة المتقابلة التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة، فهو يفسر في كل عصر بنقص من المعنى وزيادة فيه، واختلاف وتمحيص، وقد فهمه عرب الجاهلية الذين
لم يكن لهم إلا الفطرة، وفهمه كذلك من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل العلوم، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وأثبتت العلوم الحديثة كثيراً من حقائقه التي كانت مغيبة
وفي علم الله ما يكون من بعد؛ وإن ما عُهِد من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه، بل
vol. 1, p. 144هو كلما كان أدنى إلى البلاغة كان نصاً في معناه، ثابتاً في حَيزهِ، تجمد الكلمة أو الجملة على معنى بعينه قد يستقيم وقد ينتقِص، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةَ واحدة؛ لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين؛ وهذا المعنى محصورَ في غرضه
الباعث عليه.
-
وأكبر السبب في ذلك أن هذا القرآن الكريم ليس عن طبع إنساني محدود بأحوال نفسية لا يجاوزها، فهو يداورُ المعاني، ويريغ الأساليب ويخاطبُ الروحَ بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية فيه، حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن
يفهموا، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق؛ وتراه في أوضاعه من أجل ذلك يستجمع درجات الفهم كان فيه غاية لكل عقل صحيح، ولكنه في نفسه وأسرار تركيبه آخرُ ما يسمو إليه فهم الطبيعة نفسها؛ بحيث لو هو علا عن ذلك لخفي على الناس، ولو نزل عن ذلك لما ظهر في
الناس، لأن علوه يَفوت ذرعَهم، ونزولهُ يوجدهم السبيل إلى معارضته ونقضه، وكلا هذين يجعل أمره عليهم غمةَ فلا يتجهون إلى صواب.
-
وإنَّما هو في نفسه وفي أفهام الناس كما وصفه الله " الحق والميزان "
-
كل الناس يعملون لفهمه ويَدأبون عليه، ولكل درجات مما عملوا.