(فصل) وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز
6 paragraphs · vol. 1, p. 195
- vol. 1, p. 195
لِلْقَلْبِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُؤْيَا نَوْمٍ ووَحْيٌ لَا مُشَاهَدَةُ عَيْنٍ وَحِسٍّ قُلْنَا يُقَابِلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) فَقَدْ أَضَافَ الْأَمْرَ لِلْبَصَرِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رأى) أَيْ لَمْ يُوهِمِ الْقَلْبُ الْعَيْنَ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ بَلْ صَدَقَ رُؤْيَتَهَا وَقِيلَ مَا أَنْكَرَ قَلَبُهُ مَا رَأَتْهُ عَيْنُهُ.
-
(فصل) وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهُ جَلَّ وَعَزَّ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا * حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ سِرَاجُ ابن عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَافِظُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ
عَتَّابٍ الْفَقِيهُ قَالَا حَدَّثَنَا الْقَاضِي يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ حَدَّثَنَا أبو الفضل الصقيلى حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنينَ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقَالَتْ لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِمَّا قُلْتُ ثَلاثٌ مَنْ حَدَّثَكَ بِهِنَّ فَقَدْ كَذَبَ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ (لا تُدْرِكُهُ الأبصار) الآيَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ إنما
vol. 1, p. 196رَأَى جِبْرِيلَ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ.
- (قوله الصقلى) بفتح الصاد المهملة والقاف، كذا ضبطه ابن خلكان في ترجمة ابن الزلاق الشاعر نسبة إلى صقلية: جزيرة من جزائر بحر الغرب (قوله عن عامر) هو الصواب لا ما يقع في بعض النسخ وهو عن مجاهد. (*)
-
وَقَالَ بِإِنْكَارِ هَذَا وَامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ وَعَنْ أَبِي الْعَالِيةِ عَنْهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْأَلُهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقَالَ نَعَمْ وَالْأشْهَرُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ مُوسَى بِالْكَلامِ وَإبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ وَمُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ كَلامَهُ وَرُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُوسَى ومُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ وكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ *
وَحَكَى أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيُّ وَأَبُو اللَّيْثِ السَّمْرَقَنْدِيُّ الْحِكَايَةَ عَنْ كَعْبٍ ورَوَى عَبْد اللَّه بْنُ الْحَارِثِ قَالَ اجْتَمَعَ ابْنُ عَبَّاس وكَعْبٌ فقال ابن عباس أَمَّا نَحْنُ بَنُو هَاشِم فَنَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَأَى رَبَّهُ مرَّتَيْنِ فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبالُ وَقَالَ إنَّ اللَّه قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلامَهُ بَيْنَ مُحَمَّد ومُوسَى فَكَلَّمَهُ مُوسَى وَرآهُ مُحَمَّدٌ بِقَلْبِهِ وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ قَالَ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رَبَّهُ * وَحَكَى السَّمْرَقَنْدِيُّ عن
vol. 1, p. 197مُحَمَّد بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ وَرَبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أن النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ سُئِلَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي وَلَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي وَرَوَى مالك ابن يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُ رَبِّي وَذَكَرَ كَلِمَةً فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الملأ الأعلى الحديث * وَحكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَحلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ * وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ * وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ مَرْوَانَ سَألَ أَبَا هُرَيْرَةَ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقَالَ نَعَمْ * وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ قَالَ أَنَا أَقُولُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس بِعَيْنِهِ: رَآهُ رَآهُ حَتَّى انْقَطَعَ نَفَسُهُ يَعْنِي نَفَسَ أَحْمَد وَقَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ رَآهُ بِقَلْبِهِ وجَبُنَ عَنِ الْقَوْلِ بِرُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر لَا أَقُولُ رَآهُ وَلَا لَمْ يَرَهُ وَقَد اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس وَعِكْرمَةَ
وَالْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَحُكى عَنِ ابْنِ عَبَّاس وَعِكْرِمَةَ رَآهُ بقلبه وعن
vol. 1, p. 198الْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَأى جِبْرِيلَ وَحَكَى عَبْد اللَّه بْنُ أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ عَنِ أبيه أنَّهُ قَالَ رَآهُ وَعَنِ ابْنِ عَطَاءٍ فِي قوله تعالى (ألم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) قَالَ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلرُّؤْيَةِ وَشَرَحَ صَدْرَ مُوسَى لِلْكَلامِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أنَّهُ رَأَى اللَّه تعالى ببصره وعيسى رَأسِهِ وَقَالَ كُلّ آيةٍ أُوتِيهَا نَبِيّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَقَدْ أُوتِي مِثْلَهَا نَبِيُّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُصَّ مِنْ بَيْنِهِمْ بِتَفْضِيلِ الرُّؤْيَةِ وَوَقَفَ بَعْضُ مَشايِخِنَا فِي هَذَا وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ.
- (قوله وروى عطاء) هو ابن أبى رباح المكى الفقيه (قوله وَعَنْ أَبِي الْعَالِيةِ) هو رفيع بن مهران الرياحي (قوله عبد الله بن الحارث) هو زوج أخت محمد بن سيرين روى هذا الحديث مرسل (*)
- (قوله سئله هل رأيت) هذا الحديث مرسل لأن مُحَمَّد بْنِ كَعْبٍ والربيع تابعيان (قوله ابن يخامر) بضم المثناة التحتية وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الميم بعدها راء، قال المزى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ مبين فِي بَعْض الروايات أنه في النوم (قوله وَحكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن همام بن رافع الحافظ الصغانى صاحب التصانيف، مات سنة إحدى عشرة ومائتين أخرج له الأئمة الستة (قوله الطلمنكى) بفتح الطاء المهملة واللام والميم والنون والكاف الإمام الحافظ المقرى (قوله وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الظاهر أنه الطلمنكى المتقدم (*)
-
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّه وَالْحَقُّ الَّذِي لَا امْتِرَاءَ فِيهِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ عَقْلًا وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى جُوَازِهَا فِي الدُّنْيَا سُؤَالُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهَا وَمُحَالٌ أنْ يَجْهَلَ نَبِيّ مَا يَجُوزُ عَلَى اللَّه وما لا يجوز عليه بَلْ لَمْ يَسْألْ إلَّا جَائِزًا غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ وَلَكِنْ وُقُوعُهُ ومشاهداته مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا مَنْ عَلَّمَهُ اللَّه فَقَالَ لَهُ اللَّه تَعَالَى (لَنْ تَرَانِي) أَيْ لَنْ تُطِيقَ وَلَا تَحْتَمِلُ
رُؤْيَتِي ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَةِ مُوسَى وَأَثْبَتُ وَهُوَ الْجَبَلُ وَكُلّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُحِيلُ رُؤْيَتُهُ فِي الدُّنْيَا بَلْ فِيهِ جَوَازُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى اسْتِحالَتِهَا وَلَا امْتِنَاعِهَا إذْ كُلّ مَوْجُودٍ فَرُؤْيَتُهُ جَائِزةٌ غَيْرِ مُسْتَحِيلَةٍ وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى مَنْعِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لاخْتِلافِ التّأْوِيلاتِ فِي الآية وإذ لَيْسَ
vol. 1, p. 199يَقْتَضَي قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الدُّنْيَا الاسْتِحَالةَ وَقَد اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ نَفْسِهَا عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِ اسْتِحَالَتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَقَدْ قِيلَ لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْكُفَّارِ وَقِيلَ (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لَا تُحِيطُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ قِيلَ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَإنَّمَا يُدْرِكُهُ الْمُبْصِرُونَ وَكُلّ هَذِهِ التّأْوِيلاتِ لَا تَقْتَضِي مَنْعَ الرُّؤْيَةِ وَلَا اسْتِحَالَتِهَا وَكَذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لن تراني) وَقَوْلِهِ (تُبْتُ إِلَيْكَ) لما قدمناه ولأنها لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ ولأن من قال معناها لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل وأيضا فليس فيه نص الامتناع وإنما جاءت في حق موسى وحيث تتطرق التأويلات تتسلط الاحتمالات فليس للقطع إليه سبيل وقوله (تبت إليك) أي مِنْ سُؤَالِي مَا لَمْ تُقَدِّرْهُ لِي وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذْلِيُّ فِي قَوْلِهِ (لَنْ تراني) أَيْ لَيْسَ لِبَشَرٍ أنْ يُطِيقَ أنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا وَأنَّهُ مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ مَاتَ وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مُمْتَنِعَةٌ لِضَعْفِ تَرْكِيبِ أَهْلِ الدُّنْيَا وقُوَاهُمْ وَكَوْنِهَا مُتَغَيِّرَةً عَرضًا لِلآفَاتِ وَالْفَنَاءِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ فَإذَا كَانَ فِي الآخِرَةِ وَرُكّبُوا تَرْكِيبًا آخَرَ وَرُزِقُوا قُوى ثَابِتَةً بَاقِيَةً وَأَتَمَّ أَنْوَارَ أَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ قَوُوا بِهَا
عَلَى الرُّؤْيَةِ وَقَدْ رَأَيْتُ نَحْوَ هَذَا لمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رحمه الله قال
vol. 1, p. 200لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ وَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي فَإِذَا كَانَ فِي الآخِرَةِ ورزقوا أبصار بَاقِيَةً رُئي الْبَاقِي بِالْبَاقِي وَهَذَا كلامٌ حَسَنٌ مَلِيحٌ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الاسْتِحَالَةِ إلَّا مِنْ حَيْثُ ضعْفُ الْقُدْرَةِ فَإِذَا قَوَّى اللَّه تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وأَقْدَرَهُ عَلَى حَمْلِ أَعْبَاءِ الرُّؤْيَةِ لَمْ تَمْتَنعْ فِي حَقَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ فِي قُوَّةِ بَصَرِ موسى ومحمد صلى الله عليهما وَسَلَّمَ وَنُفُوذِ إِدْرَاكِهِمَا بِقُوَّةٍ إِلهِيَةٍ مُنِحَاهَا لإدْرَاكِ مَا أَدْرَكَاهُ وَرُؤْيَةِ مَا رَأَيَاهُ والله أَعْلَمُ.
- (قوله أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مُمْتَنِعَةٌ لِضَعْفِ تَرْكِيبِ أَهْلِ الدنيا) قال المزى يؤيده ما في مُسْلِم فِي حَدِيث الدجال فاعلموا أنه أعور وأن الله ليس بأعور، وإن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت (*)
-
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر فِي أثْنَاءٍ أَجْوبَتِهِ عَنِ الآيتَيْنِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى اللَّه فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا وَأَنَّ الْجَبَلَ رَأَى رَبَّهُ فَصَارَ دَكًّا بِإدْرَاكٍ خَلَقَهُ اللَّه لَهُ واسْتَنْبَطَ ذَلِكَ والله أَعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) ثُمَّ قَالَ (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صعقا) وَتَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ هُوَ ظُهُورُهُ لَهُ حَتَّى رَآهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ شَغَلَهُ بِالْجَبَلِ حَتَّى تَجَلَّى وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَاتَ صعقا بلا إفافة وَقَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى رَآهُ وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُفَسّرِينَ فِي الْجَبلِ أنَّهُ رَآهُ وبِرُؤْيَةِ الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا
vol. 1, p. 201لَهُ إذْ جَعَلهُ دَلِيلًا عَلَى الجَوَازِ وَلَا مِرْيَةَ فِي الْجَوَازِ إِذْ لَيْسَ فِي الآيَاتِ نَصُّ فِي الْمَنعِ.
- (قوله وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أبو بكر) يعنى الباقلانى لأن الْقَاضِي أَبَا بَكْر ابن العربي معاصر للمصنف لأن مولده سنة ثمان وستين وأربعمائة ومماته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ومولد المصنف سنة ست وسبعين وأربعمائة، ومماته سنة أربع وأربعين وخمسمائة (قوله وَأَنَّ الْجَبَلَ رَأَى ربه) قال الإمام الرازي في المعلم: فخلق الله تعالى في الجبل حياة وعقلا وفهما وخلق فيه الرؤية فرأى بها. (*)
-
وَأَمَّا وُجُوبُهُ لِنَبِيَّنا صَلَّى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ فِيهِ قَاطِعٌ أيْضًا وَلَا نَصٌّ إذِ المُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى آيَتَي النَّجْمِ والتَّنازعُ فِيهمَا مَأثُورٌ وَالاحْتِمالُ لَهُمَا مُمْكِنٌ وَلَا أَثَرَ قَاطِعٌ مُتَواتِرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَحَدِيث ابْنِ عَبَّاس خَبَرٌ عَنِ اعْتِقَادِهِ لَمْ يُسنْدهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِاعْتِقَادِ مُضمَّنِهِ وَمِثْلُهُ حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ وَحَدِيث مُعاذٍ مُحْتَمِلٌ لِلتَّاوِيلِ وَهُوَ مُضْطَرِب الإسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَحَدِيث أَبِي ذَرّ الآخر مختلف محتمل مُشْكِلٌ فَرُوِيَ: نُورٌ أَنِّي أَرَاهُ، وَحَكَى بَعْضُ شُيُوخِنَا أنَّهُ رُوِيَ: نَوْرَانِيَّ أرَاهُ، وَفِي حَدِيثِهِ الآخَرِ سَألْتُهُ فَقَالَ رَأيْتُ نُورًا وَلَيْسَ يُمْكِنُ الاحْتِجَاجُ بِوَاحدٍ مِنْهَا عَلَى صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّ كَانَ الصَّحِيحُ رَأيْتُ نُورًا فَهُوَ قد أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّه تَعَالَى وَإِنَّمَا رَأَى نُورًا مَنَعَهُ وَحَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُهُ نُورٌ أنى أره أَيْ كَيْفَ أرَاهُ مَعَ حِجَابِ النُّورِ الْمُغَشَّي لِلْبَصَرِ وَهَذَا مِثْلُ مَا فِي الْحَدِيثَ الآخَرِ حِجَابُهُ النور وفى
- (قَوْلُهُ نُورٌ أنَّي أره) بهمزة مفتوحة ونون مشددة مفتوحة بمعنى كيف: قال المازرى الضمير في أراه عائد على الله تعالى، ومعنى الكلام أن النور منعنى من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائى وبينه، وروى نوراني بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما سبق، وقال المزى هذا تصحيف، والصواب الأول يَدُلُّ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ رأيت نورا وقوله حجابه النور. (*)