سنة إحدى عشرة

604 paragraphs · vol. 2, p. 201

Page 7 of 16

  1. باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾:
  2. قال النبي ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (١) .

    وقال البخاري ومسلم: مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها (٢) .

    وقال هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط، لا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم (٣) .

    وقال أنس: خدمته ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟.

    وقال عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا. أخرجه مسلم (٤) .

    وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: كان ﷺ أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس. متفق عليه (٥) .

    vol. 2, p. 269وقال فليح، عن هلال بن علي، عن أنس: لم يكن رسول الله ﷺ سبابا ولا فاحشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه. أخرجه البخاري (١) .

  3. وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا. متفق عليه (٢) .

    وقال أبو داود: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبد الله الجدلي يقول: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشًا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (٣) .

    وقال شعبة، عن قتادة: سمعت عبد الله بن أبي عتبة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. متفق عليه (٤) .

    وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "الحياء من الإيمان" (٥) .

  4. وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركها أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثرت بها حاشية البرد، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه (٦) .

  5. وقال عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم، قال: كان رجل من الأنصار يدخل على النبي ﷺ ويأمنه، وأنه عقد للنبي ﷺ عقدا، فألقاه في بئر فصرع ذلك النبي ﷺ فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي

    vol. 2, p. 270في بئر فلان، ولقد اصفر الماء من شدة عقده، فأرسل النبي ﷺ فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفر، فحل العقد، ونام النبي ﷺ فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ ، فما رأيته في وجه النبي ﷺ حتى مات.

    وقال أبو نعيم: حدثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي، قال: حدثني زيد العمى، عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه، لا يصرفه عنه، حتى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدما ركبته بين يدي جليس له. أخرجهما الفسوي عنهما في تاريخه.

    وقال مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس: ما رأيت رجلا التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله أخذ بيد رجل فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده. أخرجه أبو داود (١) .

    وقال سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكًا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. متفق عليه (٢) .

    وقال سماك بن حرب: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. رواه مسلم (٣) .

  6. وقال الليث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أن سليمان بن خارجة أخبره، عن أبيه أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت أبيه، فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه، فأكتب الوحي وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.

    vol. 2, p. 271وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: لما كان يوم بدر، اتقينا المشركين برسول الله ﷺ ، وكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.

    وقال الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرا يقول: لم يسأل النبي ﷺ شيئا قط فقال: لا. متفق عليه (١) .

  7. وقال يونس، عن الزهري، عن عبد الله عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. متفق عليه (٢) .

  8. وقال حميد الطويل، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: أتى رجل النبي ﷺ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. أخرجه مسلم (٣) .

    وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان في بيته يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.

    وقال أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قيل لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاتهن ويخدم نفسه.

    وقال شعبة: حدثني مسلم الأعور أبو عبد الله، سمع أنسا يقول: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار، خطامه من ليف.

    وقال مروان بن محمد الطاطري: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني عمار بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس مع صبي (٤) .

  9. وفي "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "أبا عمير ما فعل النغير" ؟ (١) .

    وقال حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس، أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان، انظري، أي طريق شئت قومي فيه، حتى أقوم معك" ، فخلا معها يناجيها، حتى قضت حاجتها. أخرجه مسلم (٢) .

    vol. 2, p. 272
  10. باب هيبته وجلاله وحبه وشجاعته وقوته وفصاحته:
  11. قال جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي مسعود، قال: إني لأضرب غلاما لي، إذ سمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود" ، قال: فجعلت لا ألتفت إليه من الغضب، حتى غشيني، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته وقع السوط من يدي من هيبته، فقال لي: "والله، لله أقدر عليك منك من هذا" ، فقلت: والله يا رسول الله لا أضرب غلاما لي أبدا (١) . هذا حديث صحيح.

  12. وقال شعبة، عن قتادة، عن انس، أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" . أخرجه مسلم (٢) .

    وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] ، فقال أبو بكر وغيره: لا نكلمك يا رسول الله إلا كأخي السرار.

    وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .

    وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .

  13. وعن النبي ﷺ قال: "نصرت بالرعب، يسير بين يدي مسيرة شهر" .

  14. وقال زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي رضي الله عنه قال: كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحد أقرب إلى القوم منه، وقد ثبت النبي ﷺ يوم أحد ويوم حنين، كما يأتي في غزواته.

  15. قال زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن يوم حنين، أن رسول الله ﷺ بقي على

    vol. 2, p. 274بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود بلجامها، فنزل النبي ﷺ واستنصر، ثم قال:

    "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" .

  16. ثم تراجع الناس (١) .

  17. وسيأتي هذا مطولا.

    وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ : أجمل الناس وجها، وأجودهم كفا، وأشجعهم قلبا، خرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرسا لأبي طلحة عربا، ثم رجع وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا" . متفق عليه (٢) .

    وقال حاتم بن الليث الجوهري: حدثنا حماد بن أبي حمزة السكري، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: يا رسول الله ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاء بها جبريل فحفظنيها" . هذا من "جزء الغطريف" .

    وقال عباد بن العوام: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال رجل: يا رسول الله ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: "حق لي، وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين" (٣) .

  18. وقال هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه" . قلنا: علمنا مما علمك الله، فعلمنا التشهد في الصلاة (٤) .

  19. باب زهده ﷺ :

    vol. 2, p. 275
  20. وبذلك يوزن الزهد وبه يحد:
  21. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] .

  22. وقال بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث أن الله -تعالى- أرسل إلى نبيه ﷺ ملكا من الملائكة معه جبريل عليه السلام فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : "بل أكون عبدا نبيا" . قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي ربه تعالى.

    وقال عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: حدثني ابن عباس، أن عمر رضي الله عنهم قال: دخلت على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثر بجنبه، فقلبت عيني في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين -أو قال قبضة- من شعير، وقبضة من قرظ، نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يا ابن الخطاب" ؟ قلت: يا رسول الله وما لي لا أبكي وأنت صفوة الله عز وجل ورسوله وخيرته، وهذه خزانتك! وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا. فقال:

    vol. 2, p. 276"يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا" ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فاحمد الله عز وجل " . أخرجه مسلم (١) .

  23. وقال معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر في هذه القصة، قال: فما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهب ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" . فقلت: أستغفر الله، وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى. اتفقا عليه من حديث الزهري (٢) .

  24. قرأت على إسماعيل بن عبد الرحمن المعدل، سنة أربع وتسعين، أخبركم العلامة أبو محمد بن قدامة، أن شهدة بنت أبي نصر أخبرتهم، قالت: أخبرنا أبو غالب الباقلاني، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على النبي ﷺ وهو على سرير مرمول (٣) بشريط، وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف، فدخل عليه ناس من أصحابه فيهم عمر رضي الله عنه فاعوج النبي ﷺ اعوجاجة، فرأيى عمر أثر الشريط في جنب النبي ﷺ فبكى، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك" ؟ قال: كسرى وقيصر يعيثان فيما يعيثان فيه، وأنت على هذا السرير! فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" ؟ قال: بلى، فقال: "فهو والله كذلك" . إسناده حسن.

  25. وقال المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:

    vol. 2, p. 277اضطجع النبي ﷺ على حصير، فأثر بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول: بأبي وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك؟ قال: "ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها" (١) . هذا حديث حسن قريب من الصحة.

  26. وقال يونس، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن تأتي علي ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لديني" . أخرجه البخاري (٢) .

  27. وقال الأعمش، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" (٣) . أخرجه مسلم والبخاري من وجه آخر.

    وقال إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى توفي. أخرجه مسلم (٤) .

    وقال الثوري: حدثنا عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، أن عائشة قالت: كنا نخرج الكراع بعد خمس عشرة فنأكله، فقلت: ولم تفعلون؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله. أخرجه البخاري (٥) .

    وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كنا يمر بنا الهلال والهلال والهلال، ما نوقد

    vol. 2, p. 278بنار لطعام، إلا أنه التمر والماء، إلا أن حولنا أهل دور من الأنصار، فيبعثون بغزيرة الشاة إلى النبي ﷺ ، فكان للنبي ﷺ من ذلك اللبن. متفق عليه (١) .

    وقال همام: حدثنا قتادة: كنا نأتي أنس بن مالك، وخبازه قائم، فقال: كلوا، فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط. أخرجه البخاري (٢) .

  28. وقال هشام الدستوائي، عن يونس، عن قتادة، عن أنس قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق فقلت لأنس: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. أخرجه البخاري (٣) .

    وقال شعبة عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزد يحدث، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين، حتى قبض. أخرجه مسلم (٤) .

  29. وقال هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة ولقد رهن درعه عند يهودي، فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب، وإنهم يومئذ تسعة أبيات. أخرجه البخاري (٥) .

    وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف. متفق عليه (٦) .

  30. أخبرنا الخضر بن عبد الله بن عمر، وأحمد بن عبد السلام، وأحمد بن أبي الخير، كتابة أن عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب أجاز لهم، قال: أخبرنا علي بن بنان، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو علي الصفار سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف فدخل علي رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا يا عائشة" ؟ قلت: فلانة رأت فراشك، فبعثت إلي بهذا. فقال: "رديه يا عائشة" .

    قالت: فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرار، قال: فقال: "رديه فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة" (١) .

    vol. 2, p. 279
  31. أخرجه الإمام أحمد في "الزهد" ، عن إسماعيل بن محمد، عن عباد بن عباد -وهو ثقة- عن مجالد، وليس بالقوي.

  32. وأخرجه محمد بن سعد الكاتب، عن سعيد بن سليمان الواسطي، عن عباد بن عباد.

    وقال زائدة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ هو ساهم الوجه، فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك ساهم الوجه؟ قال: من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس، وأمسينا ولم ننفقهن، فكن في خمل الفراش. هذا حديث صحيح الإسناد.

  33. وقال بكر بن مضر، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، قال: دخلت علي عائشة أنا وعروة، فقالت: لو رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة، فأمرني أن أفرقها، فشغلني وجعه حتى عافاه الله، ثم سألني عنها، ثم دعا بها فوضعها في كفه فقال: "ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده" .

  34. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ كان لا يدخر شيئا لغد.

    وقال بكار بن محمد السيريني: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ دخل على بلال، فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال" ؟ قال:

    vol. 2, p. 280تمرا أدخره. قال: "ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن يكون لك بخار في النار، أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا" . بكار ضعيف.

  35. وقال معاوية بن سلام عن زيد، أنه سمع أبا سلام قال: حدثني عبد الله أبو عامر الهوزني، قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: حدثني كيف كانت نفقة النبي ﷺ فقال: ما كان له شيء من ذلك إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه، منذ بعثه الله إلى أن توفي، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم، فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما كان ذات يوم، توضأت، ثم قمت لأوذن بالصلاة، فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي! قلت: يا لبيه، فتجهمني، وقال قولا غليظا، فقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب قال: إنما بينك وبينه أربع ليال، فآخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك، ولا من كرامة صاحبك، ولكن أعطيتك لتجب لي عبدا، فأردك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك. فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت ثم أذنت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة رجع النبي ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه، فاذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك قال لي: كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عني.

  36. فخرجت، حتى أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، واستقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت علي ليلا نمت، حتى انشق عمود الصبح الأول، فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى، يدعو: يا بلال أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى أتيته، فغذا أربع ركائب عليهن أحمالهن، فأتيت النبي ﷺ ، فاستأذنت، فقال لي النبي ﷺ : "أبشر، فقد جاءك الله بقضائك" . فحمدت الله قال: "ألم تمر على الركائب المناخات الأربع" ؟ قلت: بلى قال: "فإن لك رقابهن وما عليهن" . فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك، فحططت عنهن، ثم عقلتهن، ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله ﷺ خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذني، فناديت وقلت: من كان يطلب رسول الله ﷺ دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي حتى لم يبق على رسول الله ﷺ دين في الأرض، حتى فضل عندي أوقيتان، أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه فقال لي: "ما فعل ما قبلك" ؟ قلت: قضى الله كل شيء كان على رسول

    vol. 2, p. 281الله ﷺ فلم يبق شيء فقال: "فضل شيء" ؟ قلت: نعم ديناران. قال: "انظر أن تريحني منهما فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما" . فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح، وظل في المسجد اليوم الثاني، حتى كان في آخر النهار جاء راكبان، فانطلقت بهما، فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال: "ما فعل الذي قبلك" ؟ قلت: قد أراحك الله منه فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت، وعنده ذلك، ثم اتبعته، حتى جاء أزواجه، فسلم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيته. أخرجه أبو داود (١) عن أبي توبة الحلبي، عن معاوية.

    وقال أبو الوليد الطيالسي: حدثنا أبو هاشم الزعفراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، أن أنس بن مالك حدثه أن فاطمة رضي الله عنهما جاءت بكسرة خبز إلى النبي ﷺ فقال: "ما هذه" ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام" .

    وقال أبو عاصم، عن زينب بنت أبي طليق، قالت: حدثني حبان بن جزء -أو بحر- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يشد صلبه بالحجر من الغرث (٢) .

    وقال أبو غسان النهدي: حدثنا إسرائيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: بينما عائشة ذات يوم إذ بكت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد.

    وقال خالد بن خداش: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم، عن يونس، عن الحسن، قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات" . والله ما قالها استقلال لرزق الله، ولكن أراد أن تتأسى به أمته. روى الأربعة "ابن سعد" عن هؤلاء.

  37. وقال أبان، عن قتادة، عن أنس، أن يهوديا دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه.

    وقال أنس: أهدي للنبي ﷺ تمر، فرأيته يأكل منه مقعيا من الجوع.

    وقالت أسماء بنت يزيد: توفي النبي ﷺ ، ودرعه مرهونة عند يهودي على شعير.

  38. فصل من شمائله وأفعاله:
  39. وكان النبي ﷺ فيما ثبت عنه يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع" .

  40. وكان ﷺ يحب الحلواء والعسل واللحم، ولا سيما الذراع. وكان يأتي النساء، ويأكل اللحم، ويصوم، ويفطر، وينام، ويتطيب إذا أحرم وإذا حل، وإذا أتى الجمعة، وغير ذلك، ويقبل الهدية، ويثيب عليها ويأمر بها، ويجيب دعوة من دعاه، ويأكل ما وجد، ويلبس ما وجد من غير تكلف لقصد ذا ولا ذا، ويأكل القثاء بالرطب، والبطيخ بالرطب، وإذا ركب أردف بين يديه الصغير أو يردف وراءه عبده أو من اتفق، ويلبس الصوف ويلبس البرود الحبرة، وكانت أحب اللباس إليه، وهي برود يمنية فيها حمرة وبياض، ويتختم في يمينه بخاتم فضة نقشه "محمد رسول الله" وربما تختم في يساره.