باب

412 paragraphs · vol. 1, p. 143

Page 7 of 11

  1. وقال هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ مر بعمار وأهله، وهم يعذبون، فقال: "أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة" .

    وقال الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أول شهيد في الإسلام أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بحربة في قبلها.

    vol. 1, p. 252
  2. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة، فذكر منهم الزنيرة، قال: فذهب بصرها، وكانت ممن يعذب في الله على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله، ما هو كذلك. فرد الله عليها بصرها.

    وقال إسماعيل بن أبي خالد وغيره: حدثنا قيس، قال: سمعت خبابا يقول: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد برده في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل " (١) . متفق عليه، وزاد البخاري من حديث بيان بن بشر: "والذئب على غنمه" .

    وقال البكائي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قلت لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، يجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولون له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله، فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده.

    vol. 1, p. 253
  3. وحدثني الزبير بن عكاشة، أنه حدث، أن رجالا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا، منهم سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخشوا "شرهم" [*] : إنا قد أردنا أن تعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي قد أحدثوا، فإنا نأمن بذلك في "غيرهم" [*] . قال: هذا فعليكم به فعاتبوه، يعني أخاه الوليد، ثم إياكم ونفسه، وقال:

    vol. 1, p. 254ألا لا تقتلن أخي عييش … فيبقى بيننا أبدا تلاحي

    احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلا، [قال: فقالوا: اللهم العنه، ومن يغزر بهذا الخبيث، فوالله لو أصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلا. قال: فتركوه ونزعوا عنه] (١) .

  4. فتركوه، فكان ذلك مما دفع الله به عنه.

    وقال عمرو بن دينار، فيما رواه عنه ابن عيينة: لما قدم عمرو بن العاص من الحبشة جلس في بيته فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.

  5. ويروى عن ابن إسحاق، من طريق محمد بن حميد الرازي، أن النبي ﷺ كتب إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، وذلك مع عمرو بن أمية الضمري، وأن النجاشي كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشي أصحمة بن أبجر، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك رسول الله، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك أريحا ابني، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت، يا رسول الله.

    قال يونس، عن ابن إسحاق: كان اسم النجاشي مصحمة، وهو بالعربية عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولك كسرى وهرقل.

  6. وفي حديث جابر، أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، وأما قوله: "مصحمة" فلفظ غريب.

  7. [ذكر شعب أبي طالب والصحيفة]

    قال موسى بن عقبة، عن الزهري، قال: ثم إنهم اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية. فلما رأى أبو طالب عملهم جمع بني أبيه وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا، فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوه أجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل.

    vol. 1, p. 255
  8. فلبث بنو هاشم في شعبهم، يعني ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء، وقطعوا عنهم الأسواق، وكان أبو طالب إذا نام الناس أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ . ويأتي رسول الله ﷺ فراش ذلك فينام عليه. فلما كان رأس ثلاث سنين، تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن بني قصي، ورجال أمهاتهم من نساء بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه.

  9. وبعث الله على صحيفتهم الأرضة، فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق، ويقال: كانت معلقة في سقف البيت، فلم تترك اسما لله إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم، فأطلع الله رسوله على ذلك، فأخبر به أبا طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني. فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فأنكروا ذلك، فقال أبو طالب: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. فأتوا بها وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا للهلكة.

    قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني، أن الله برئ من هذه الصحيفة، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإن كان كما قال، فأفيقوا، فوالله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا، دفعناه إليكم، فرضوا وفتحوا الصحيفة، فلما رأتها قريش كالذي قال

    vol. 1, p. 256أبو طالب، قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحرا من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لكفرهم، فقال بنو عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، وإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد الصحيفة، وهي في أيديكم، أفنحن السحرة أم أنتم؟ فقال أبو البختري، ومطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو -وكانت الصحيفة عنده، وهو من بني عامر بن لؤي- في رجال من أشرافهم: نحن برآء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل.

  10. وذكر نحو هذه القصة ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة.

  11. وذكر ابن إسحاق نحوا من هذا، وقال: حدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب -يعني حين فارق قومه من الشعب- لقي هندا بنت عتبة بن ربيعة، فقال لها: هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها؟ قالت: نعم فجزاك الله خيرا أبا عتبة.

  12. وأقام بنو هاشم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سرا مستخفى به. وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحا، يريد به عمته خديجة رضي الله عنها وهي في الشعب فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البختري بن هشام، فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! قال: طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها، خل سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحي بعير، فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة يرى ذلك، يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه، فيشمتوا بهم، قال: ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، سرا وجهرا.

    وقال موسى بن عقبة: فلما أفسد الله الصحيفة، خرج رسول الله ﷺ ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس.

  13. [باب: إنا كفيناك المستهزئين]

    vol. 1, p. 257
  14. قال الثوري، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ، قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وأبو زمعة الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم النبي ﷺ إليه، فأراه الوليد، وأومأ جبريل إلى أبجله (١) فقال: "ما صنعت" ؟ قال: كفيته. ثم أراه الأسود، فأومأ جبريل إلى عينيه، فقال: "ما صنعت" ؟ قال: كفيته. ثم أراه أبا زمعة، فأومأ إلى رأسه، فقال: "ما صنعت" ؟ قال: كفيته، ثم أراه الحارث، فأومأ إلى رأسه أو بطنه، وقال: كفيته. ومر به العاص فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيته. فأما الوليد، فمر برجل من خزاعة، وهو يريش نبلا له فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود فعمي، وأما ابن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه، حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها، وأما العاص فدخل في رأسله شبرقة (٢) ، حتى امتلأت فمات منها، وقال غيره: إن ركب إلى الطائف حمارا فربظ به على شوكة، فدخلت في أخمصه فمات منها. حديث صحيح.

  15. دعاء رسول الله ﷺ على قريش بالسِّنَة:
  16. قال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: بينما رجل يحدث في المسجد، إذ قال فيما يقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، قال: دخان يكون يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكمة، فقمنا فدخلنا على عبد الله بن مسعود فأخبرناه، فقال: أيها الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، إن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم الله أعلم، قال الله لرسوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . وسأحدثكم عن الدخان: إن قريشا لما استعصت على رسول الله ﷺ وأبطئوا عن الإسلام قال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" . فأصابتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الجيف والميتة، حتى إن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعوا فكشف عنهم، يعني قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ، قال: فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم بدر ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] ، قال عبد الله: يوم بدر فانتقم منهم. متفق عليه (١) .

  17. وقال علي بن ثابت الدهان - وقد توفي سنة تسع عشرة ومائتين: أخبرنا أسباط بن نصر، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: لما رأى رسول الله ﷺ من الناس إدبارا قال: "اللهم سبع كسبع يوسف" . فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وغيره، فقال: إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا فسقوا الغيث.

    قال ابن مسعود: مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر. وأخرجا من حديث الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال عبد الله: خمس قد مضين: اللزام (٢) ، والروم، والدخان، والقمر، والبطشة (٣) .

    vol. 1, p. 259وقال أيوب وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يستغيث من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئا، حتى أكلوا العِلهز (١) بالدم، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] .

  18. [ذكر الروم]

    vol. 1, p. 260
  19. وقال أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكره للنبي ﷺ فقال: "أما إنهم سيظهرون" . فذكر أبو بكر لهم ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلا، فجعل بينهم أجلَ خمسِ سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال: "ألا جعلته -أراه قال- دون العشرة" ، قال: فظهرت الروم بعد ذلك. فذلك قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢ - ٤] .

    قال سفيان الثوري: وسمعت أنهم ظهروا يوم بدر.

    وقال الحسين بن الحسن بن عطية العوفي: حدثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) ﴾ [الروم: ١، ٢] قال: قد مضى ذلك وغلبتهم فارس، ثم غلبتهم الروم بعد ذلك، ولقي نبي الله ﷺ مشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصر الله النبي ﷺ على المشركين، ونصر الروم على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم ونصر أهل الكتاب.

    قال عطية: فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك، فقال: التقينا مع رسول الله ﷺ نحن ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على المشركين، ونصر الله أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصرنا ونصرهم (١) .

    وقال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لما نزلت هاتان الآيتان -يعني أول الروم- ناحب أبو بكر بعض المشركين -يعني راهن قبل أن يحرم القمار- على شيء، إن لم تغلب فارس في سبع سنين، فقال رسول الله ﷺ : "لم فعلت؟ فكل ما دون العشر بضع" . فكان ظهور فارس على الروم في سبع

    vol. 1, p. 261سنين، فقال رسول الله ﷺ : "لم فعلت" ؟ فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين، ثم أظهر الله الروم عليهم زمن الحديبية، ففرح بذلك المسلمون.

  20. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٣] ، قال: غلبهم أهل فارس على أدنى الشام، قال: فصدق المسلمون ربهم، وعرفوا أن الروم سيظهرون بعد، فاقتمروا هم والمشركون على خمس قلائص، وأجلوا بينهم خمس سنين، فولي قمار المسلمين أبو بكر، وولي قمار المشركين أبي بن خلف، وذلك قبل أن ينهى عن القمار، فجاء الأجل، ولم تظهر الروم، فسأل المشركون قمارهم، فقال رسول الله ﷺ : "ألم تكونوا أحقاء أن تؤجلوا أجلا دون العشر، فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم ومدوهم في الأجل" . ففعلوا، فأظهر الله الروم عند رأس السبع من قمارهم الأول، وكان ذلك مرجعهم من الحديبية، وفرح المسلمون بذلك.

    وقال الوليد بن مسلم: حدثنا أسيد الكلابي، أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه، قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.

  21. [ثم توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة]

    vol. 1, p. 262
  22. يقال في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] أنها نزلت في أبي طالب ونزل فيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] .

  23. قال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ وينأى عنه.

  24. ورواه حمزة الزيات، عن حبيب، فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

  25. وقال معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال له النبي ﷺ : "يا عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله" . فقالا: أي أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب، فقال رسول الله ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" . فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: (١١٣) ، ١١٤] الآيتين، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ، أخرجه مسلم (١) .

  26. وللبخاري مثله من حديث شعيب بن أبي حمزة.

  27. وقد حكى عن أبي طالب، واسمه عبد مناف، ابنه علي، وأبو رافع مولى النبي ﷺ .

  28. ابن عون، عن عمرو بن سعيد، أن أبا طالب، قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، فعطشت، فشكوت إليه، فأهوى بعقبه إلى الأرض، فنبع الماء فشربت.

  29. وعن بعض التابعين، قال: لم يكن أحد يسود في الجاهلية إلا بمال، إلا أبو طالب وعتبة بن ربيعة.

    قلت: ولأبي طالب شعر جيد مدون في السيرة وغيرها.

  30. وفي "مسند أحمد" من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن حبة العرني، قال: رأيت عليا ضحك على المنبر حتى بدت نواجذه، ثم ذكر قول أبي طالب، ظهر علينا أبو

    vol. 1, p. 263طالب وأنا مع رسول الله ﷺ نصلي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فقال: ما بالذي تصنعان من بأس، ولكن الله لا تعلوني استى أبدا، فضحكت تعجبا من قول أبي (١) .

  31. وروى معتمر بن سليمان، عن أبيه أن قريشا أظهروا لبني عبد المطلب العداوة والشتم، فجمع أبو طالب رهطه، فقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله على من ظلمهم، وقال أبو طالب: إن أبى قومنا إلا البغي علينا فعجل نصرنا، وحل بينهم، وبين الذي يريدون من قتل ابن أخي، ثم دخل بآله الشعب.

  32. ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لما أتى النبي ﷺ أبا طالب قال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله أستحل لك بها الشفاعة" . قال: يابن أخي، والله لولا أن تكون سبة على أهل بيتك، يرون أني قلتها جزعا من الموت، لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما ثقل أبو طالب رؤي يحرك شفتيه، فأصغى إليه أخوه العباس ثم رفع عنه فقال: يا رسول الله! قد والله قالها، قال رسول الله ﷺ : "لم أسمع" .

    قلت: هذا لا يصح، ولو كان سمعه العباس يقولها لما سأل النبي ﷺ وقال: هل نفعت عمك بشيء، ولما قال علي بعد موته، يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات. صح أن عمرو بن دينار روى عن أبي سعيد بن رافع، قال: سألت ابن عمر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ، نزلت في أبي طالب؟ قال: نعم.

  33. زيد بن الحباب، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن العباس، أنه سأل النبي ﷺ ما ترجو لأبي طالب؟ قال: "كل الخير من ربي" .

  34. أيوب، عن ابن سيرين، قال: لما اختصر أبو طالب دعا النبي ﷺ ، قال: يابن أخي إذا أنا مت فأت أخوالك من بني النجار، فإنهم أمنع الناس لما في بيوتهم.

    قال عروة بن الزبير: قال رسول الله ﷺ ما زالت قريش كاعة عني حتى مات عمي.

  35. كاعة: جمع كائع، وهو الجبان، يقال: كع: إذا جبن وانقبض.

    vol. 1, p. 264وقال يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: "قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" . فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله عليه الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية. أخرجه مسلم (١) .

  36. وقال أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العباس أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم. هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (٢) . أخرجاه وكذلك رواه السفيانان، عن عبد الملك.

  37. وقال الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٣) . أخرجاه.

  38. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذابا أبو طالب منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه" . مسلم (٤) .

  39. وقال الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي رضي الله عنه قال: لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: "اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني" . فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء (٥) . ورواه الطيالسي في "مسنده" عن شعبة.

  40. عن أبي إسحاق فزاد بعد اذهب فواره: "فقلت: إنه مات مشركا" قال: "اذهب فواره" وفي حديث تصريح السماع من ناجية قال: شهدت عليا يقول: وهذا حديث حسن متصل.

    وقال عبد الله بن إدريس: حدثنا محمد بن إسحاق، عمن حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من قريش، فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته، فأتت بنته تمسح عن وجهه التراب وتبكي فجعل يقول: "أي بنية لا تبكين، فإن الله مانع أباك" ، ويقول ما بين ذلك: "ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب" . غريب مرسل.

    vol. 1, p. 265