ذكر شئ من أخبار ولده

49 paragraphs · vol. 1, p. 76

Page 1 of 2

  1. كان قابيل ولد آدم عليه السلام، وأول من عصا وقتل وكفر ولما قتل أخاه هرب عن ذلك الجبل بأخته وبنى قرية يقال لها خلوا وسكنها، وقابيل

    أول من عبد النار، وقيل إنه أشقى البرية وإن عليه نصف عذاب الخلق، وقيل إنه متى سفك دم بغير وجه حق كان شريكاً لصاحبه فيه.

    vol. 1, p. 76
  2. شيث بن آدم بعثه الله الى ولد أبيه وأنزل عليه سبعاً وعشرين صحيفة عليه وعلى أبيه، وأمره ببناء البيت هو وولده بالحجاز، وأمره بالحج والعمرة، وكان أول من اعتمر، وأمر بجهاد ولد قابيل إلا أنه لا يبرح بين تهامة ومكة.

  3. وولد الأنوش بن شيث عليها السلام وهو بكره ووصيه، ومن ولد أتركين (١) ابن شيث يغوث ويعوق ونسر وسواع وود، فكان هؤلاء النفر

    vol. 1, p. 77قوماً صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم أبناؤهم حزنا شديداً فتمثل لهم إبليس وصور لهم صورهم من المرمر، وجعلها في بيوتهم ليتذكروا (١) بها ويتآنسوا ويخف حزنهم عليهم، فلما ملكوا ونشأ غيرهم صور عندهم إبليس أنها آلهة وأن آباءهم كان يعبدونها واستهواهم فعبدوها، وكان عمر شيث سبعمائة سنه واثنا (٢) عشرة سنة، وولد له وهو ابن مائة وخمسين سنة.

  4. وأوصى الى ابنه قينان وقد كان علمه الصحف وبين له قسمة الأرض، وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج، وبجهاد ولد قابيل ففعل ما أمره به أبوه، ومات قينان وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.

  5. وأوصى الى ابنه مهلايل ووصاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة.

  6. وأوصى الى ابنه بوارد وعلمه الصحف وعلمه قسمة الأرض، وما يحدث في العالم ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه مهلاييل (٣) الملك لآدم عليهما السلام وكانوا يتوارثونه مختوماً لا ينظرون فيه.

  7. وولد لبوادر وهو ابن مائة سنة ابنه خنوخ، ويقول بعض اهل التاريخ إنه تم للعالم في وقته ألفان وستمائة سنة وأربع سنين.

  8. وخنوخ هو إدريس النبي عليه السلام ونبأه الله تعالى وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله عزوجل، وسنن الدين وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزلة يومئذ ثلاثين صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع اليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير إدريس عليهما السلام.

  9. وفي بعض الاخبار أنه أول من كتب [من ولد] آدم عليه السلام.

  10. وقال آخرون إنه لم يخل قط جيل ولا أمة من الكتابة لان ادريس بدت

    vol. 1, p. 78فيه النبوة وعلم عدة خطوط وأمر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وأمر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الأخبار انهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان.

  11. وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم عليه السلام من غزل حواء.

  12. ويقال إنه لما ولد إدريس عليه السلام ضعف أمر عبادة الأصنام من أولاد قابيل، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل، فاجتمعوا اليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم ابليس في صورة شيخ قد كثر شيبه، وكان الشيب عندهم عجيباً لأنهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح

    عليه السلام بعد الطوفان.

  13. وقيل أول من شاب إبراهيم عليه السلام، فقال يا رب ماهذا؟ قال وقار، قال اللهم زدني وقاراً.

  14. ويقال إنه أتاهم ابليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدواً للآلهة وعدواً للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه؟ قال سأحرص على ذلك.

  15. فوكل الله بإدريس ملائكة يحفظونه، فاذا أتاهم إبليس ومن معه من جنوده منعوهم منه وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهراً نيفاً وثلاثين يوماً، فجعله أبوه سالماً الهيكل، وعلمه الصحف، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك يعلمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج

    vol. 1, p. 79وقيل أنه أول من نظر في النجوم بعد آدم عليه السلام.

  16. وفي التوارة ان إدريس عليه السلام احسن خدمة الله فرفعه الله تعالى اليه.

  17. ولما رأى إدريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله ان يرفعه اليه، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله اليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته أربعين يوماً وأوصى إدريس الى ابنه متوشلخ لأن الله أوحى اليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فإني سأخرج من ظهره نبياً يرتضي فعله.

  18. فقيل انه رفع الى السماء السابعة، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضواناً ويدخله الجنة، ففعل.

  19. ولم يخرج من الجنة، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة.

  20. وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه، أمام الهيكل يعبدون الله تعالى والنقباء السبعون معهم ولما رفع الله تعالى إدريس عليه السلام كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه إبليس أنه هلك، وأنه كان كاهناً أراد الصعود إلى الفلك فأحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزناً شديداً، وأظهر ان صنمهم الأكبر أهلكه فزاد في عبادة الأصنام وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عيداً لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر (١) وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات.

  21. وانقطع الوحي بعد إدريس عليه السلام، ومات أولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا

    vol. 1, p. 80له، وكان متوشلخ أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى الى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد اليه أبوه ودفع اليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لإدريس عليه السلام، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة.

  22. وانتقلت الوصية الى لمك وهو أبو نوح عليهما السلام، وقد كان رأى أن ناراً أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتاً آخر كأنه على شجرة في

    وسط بحر لا غير.

  23. ولما ولد له نوح عليه السلام ذكر العلماء والكهان ذلك ليمحويل الملك وعرفوه أن العالم يهلك في زمانه وأنه يكون طويل العمر.

  24. وقد كانوا رأوا أنه طوفان يغرق الأرض، فأمر يمحويل أن يبنيا له المعاقل على رءوس الجبال، بنياناً عاليا ليتحصنوا بها، فعملوا منها سبعة معاقل بعدة الأصنام التي كانت لهم وعلى أسمائها، وزبروا عليها شيئاً من علومهم ويقال إن الملك عملها لنفسه خاصة.

  25. وكبر نوح عليه السلام فنبأه الله عزوجل وهو ابن خمسين سنة وارسله الى قومه، وكان من نعته أنه آدم رقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم العينين رقيق الساعدين والساقين، كثير لحم الفخذين طويل اللحية عريضها، طويل، جسيم وكان حياً بعد إدريس عليهما السلام، وهو من أهل العزم من الرسل.

  26. وفي بعض الأخبار أن عمره ألف ومائتين وخمسين سنة، وأنه لبث في قومه يدعوهم الى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً كما قال الله تعالى، وقال من ينكر طول الأعمار على مذهب الفلاسفة ان حياته لبنيه، وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة أعداء الله من ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، ولم يكن فرضت عليه أحكام ولا مواريث ولا حدود، وأمر أن يدعو الناس الى الله تعالى، ويحذرهم عذابه، ويذكرهم آلاءه.

  27. وعلى رأس مائتي (١) سنة من عمره هلك يمحويل ملك الكفرة وملك بعده ابنه الدرمشيل، فشدد في عبادة الأصنام، وأعلى أمرها، وجمع الناس اليها، وأخذهم بالتعبد لها، فأظهر نوح عليه السلام دين الله عزوجل، وكان يدور [في] محالهم وأسواقهم وهيا كلهم يدعوهم الى الله تعالى وكانوا (٢) يطوون ذلك

    عن مليكهم، ويزجرون مع ذلك نوحاً ويهددونه، ويهولون عليه، إلى أن جلت قصته، وعظم أمره، وتحاماه الناس، وتخاطبوا في أمره، الى أن اتصل ذلك بمليكهم (٣) فأحضره وانتهره، وتقدم اليه أن لا يعاود.

    vol. 1, p. 81
  28. ويقال إن الذي فعل هذا يمحويل، وإنه حبسه، وبعد ثلاث سنين من حبسه هلك يمحويل.

  29. وولي الدرمشيل، فأخرجه من الحبس، وتقدم اليه أن ينتهي عن إفساد الدين وسب الآلهة، فكان لكل صنم من أصنامهم الكبار عيد في وقت من أوقات السنة يحضرون وينحرون له ويطوفون به، فحضر عيد يغوث، فاجتمع الناس اليه من كل مكان، فأتاهم نوح عليه السلام، فقام في وسطهم وناداهم أن قولوا لا إله إلا الله، فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وأدخلوا رؤوسهم تحت ثيابهم وسقطت الأصنام عند ندائه عن كراسيها، فوثبوا عليه فضربوه وشجوه، حتى سقط على وجهه وسحبوه الى قصر الملك حتى ادخلوه عليه، وكان في مجلس مزخرف بأنواع الألوان، وبدائع التصاوير والأصباغ، مفروش برفيع الحرير، على سرير مصفح بالذهب، منظوم بالجوهر.

  30. فلما مثل بين يديه قال له: ألم اعهد إليك وانهك عن التعرض لشئ من أمور الآلهة، و [ان] تدعوهم الى ما لا يعروفونه، وزاد أمرك حتى سجدت

    vol. 1, p. 82الآلهة، وألقيتها عن كراسيها، ومواضع شرفها وعزها؟ من علمك ذلك؟ ومن أين وصل إليك؟ فقال له نوح عليه السلام وهو مخضوب بدمائه: لو كانت آلهة لما سقطت،

    فاتق الله يا درمشيل، ولا تشرك بالله فانه يراك! فقال له الملك، فكيف قدرت أن تخاطبني بهذا الخطاب! فأمر بحبسه الى أن يحضر عيد الصنم الآخر، فيذبحه له تقربا به اليه، وأمر برد الأصنام على كراسيها.

  31. وأن الدرمشيل رأى رؤيا هالته في أمر نوح عليه السلام، فأمر بإخراجه وتخلية سبيله، وأخبرهم أنه مجنون لا حرج عليه.

  32. وكان في زمانه سويدين الكاهن فعرفهم بأمر الطوفان، وقرب زمانه، وكان يأمر بقتل نوح عليه السلام والله يعصمه منهم.

  33. فولد لنوح بعد خمسمائة سنة من عمره سام وبعده حام وبعده يام وبعده يافث، وطال أمر نوح معهم فلم يؤمن به إلا نفر يسير من العالم، وقيل له أنؤمن بك، واتبعك الأرذلون (١) .

  34. وقيل كانوا من أهل صنعته، وكان صلى الله عليه وسلم نجارا، ومضت لهم ثلاثة قرون، قرن بعد قرن، ونوح عليه السلام يذكرهم ويدعوهم إلى الله تعالى فلا يزدادون إلا طغياناً وعتواً وتجبرا واستكباراً، وقتل من كان اتبعه فكان يدعوهم الى الله سبحانه فأوحى الله اليه (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فحينئذ يئس منهم ودعا عليهم، فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) .

  35. وأمر نوح عليه السلام بعمل السفينة وقد قطع الله عن قومه النسل، وكثر عليهم القحط، وقلت عمارتهم وكانوا يستعينون على عبادتهم بأصنامهم ولا تنفعهم.

  36. وابتدأ نوح بعمل السفينة، أقام في قطع خشبها من الساج وفي عملها ثلاث

    سنين، ثم صنع المسامير وأعد كل ما يحتاج اليه ونصبها في رجب، وأمر أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وعمقها سبعين ذراعا.

    vol. 1, p. 83
  37. ويقال إنه لم يدر كيف يعملها فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره أن يعملها على صورة الدجاجة وكانوا يهزؤن منه وهو يصنعها فيضحكون منه، ويرمونه بالحجارة وجعل بابها في جنبها، فأقامت بعد أن فرغ منها في البر سبعة أشهر الى أن أخذ من أصحاب نوح الذين كانوا معه ثلاثة رجال فذبحوا الأصنام تقربا ليندفع عنهم القحط فيما زعموا، فحق عليهم العذاب.

  38. وأمر نوح عليه السلام أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من جميع الحيوان، وكانت الطبقة السفلى للدواب والأنعام والوحوش، والثانية للطعام والشراب، والثالثة لهم وكانوا ثمانين نفساً نوح وبنوه عليه السلام سام وحام ويافث، وأهله وناسه، وحملت الملائكة تابوت آدم عليه السلام من خشب فيه جسده، وكان معهم في السفينة، وكان التابوت بتهامة، وكان معه في السفينة (١) .

  39. وركب معه المؤمنون من ولد أبيه وجده إدريس عليه السلام، فلما نزلوا من السفينة بنوا قرية وسموها سوق ثمانين، فهي اليوم تعرف بذلك هناك.

  40. ويقال أنه لما اتصل الخبر بدرمشيل، أن نوحا قد ركب السفينة وحمل زاده قال وأين الماء الذي يحملهم؟ فركب في عدة من أصحابه وسار إلى السفينة، وقد أجمع (٢) على إحراقها، فنادى نوحا عليه السلام فاستجاب له، فقال وأين الماء الذي يحمل سفينتك؟ قال هو يأتيك في مقامك هذا، فقال وهذا أعجب، إنك تقول إنه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل مثل هذه السفينة، انزل منها أنت ومن معك وإلا أحرقتكم أجمعين، فقال له نوح عليه

    vol. 1, p. 84السلام ما أكثر اغترارك بالله عزوجل، فعجل الإيمان، واخلع أنداد الله تعالى تسلم وترشد، وإلا فالعذاب بين يديك.