ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
536 paragraphs · vol. 1, p. 180
Page 9 of 14
- vol. 1, p. 252
والملك نهراوس منغمس في لذاته، معتكف على لهوه، لا ينظر في عمل ولا يفكر في أمر ولا يخاطبه أحد، فأقاموا لذلك حيناً من الدهر، والبلد عامر، والخراج مدر.
-
يقال إنه بلغ في وقته تسعة وتسعون الف ألف مثقال (٢) فجعلها أقساماً فما كان له ولنسائه ولمائدته حمل اليه، وما كان في أرزاق الجيوش والكهنة
والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصانع البلد وإصلاح العقار والحرث والغرس وأصحاب المهن حمل اليهم، وما فضل عن ذلك كله حمل إلى خزائن الملك في قصره.
-
ونهر اوس مع ذلك غير ناظر في شئ من ذلك ولا سائل عنه، وقد عملت له عدة متنزهات على عدة أيام السنة، فكان في كل يوم في موضع منها، فاذا كان من الغد انتقل الى موضع آخر في كل يوم في موضع من الفرش والآنية ما ليس في غيره.
-
فلما اتصل ذلك بملوك النواحي طمعوا فيه واستضعفوه، فقصده رجل من
vol. 1, p. 253العمالقة يقال له عابد بن سجوم، ويكنى بأبي قابوس، فسار قاصداً الى مصر حتى نزل على حد من حدودها.
-
فأنفذ اليه العزيز جيشاً وجعل عليه قائداً يقال له دوناس، فقتله ذلك الملك وهزم عسكره، ودخل حدود مصر فهدم أعلاماً ومصانع كثيرة، واشتد طمعه في مصر وجهاتها.
-
واتصل خبره بأهل مصر فاعظموا ذلك وأكبروه واجتمعوا إلى العزيز، فأمرهم أن يسيروا الى قصر الملك، فأتوا الى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون، فسمعهم نهراوس، فسأل عن حالهم، فأخبر خبر العمالقي وأنه قد دخل حدود مصر وعاث فيها، وأفسد مزارعها وغير مصانعها، وهدم أعلامها وأنه مقبل بجيوشه يريد قصر الملك، فارتاع لذلك وأنف منه، وانتبه من غفلته.
-
وتذكر القبط أنه سمع نياح الجن على أبيه، فارتاع لذلك فعرض جيشه
وأصلح أمره، وخرج إلى العمالقي واتبعه الى حدود الشام.
-
وقتل أكثر اصحابه، وأفسد الزرع وقطع الأشجار، وأحرق الديار، وصلب من أسره من الجيوش، ونصب أعلاماً على الموضع الذي بلغه أي لمن جاوز هذا المكان.
-
وقيل إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجاً، وبنى عند العريش مدينة عظيمة وشحنها بالرجال وملأ تلك النواحي بالجنود، وانصرف إلى مصر، فلما فعل ذلك هابته الملوك، وفزعوا منه وأعظموه وهادوه وصالحوه.
-
ولما استقر بمصر حشد جنوده من جميع الأعمال، واستعد لغزو ملوك الغرب، فخرج في تسعمائة ألف [مقاتل] واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل في طاعته، ومنهم من بذل الأموال والذخائر وصالح بلده، ومنهم من قهره واستباحه.
- vol. 1, p. 254
ومر بأرض البربر فأخذ كثيراً منها، ووجه قائداً يقال له مريطس، فركب في سفن كثيرة، وأخذ سواحل البحر فقتل بعض البربر، ودخل أرضهم وصالحه بعضهم، وحملوا اليه الأموال.
-
ومضى الملك إلى إفريقية وقرطاجنة، فصالحوه على ألطاف وأموال كثيرة حملوها اليه.
-
ومر حتى بلغ مصب البحر الأخضر إلى بحر الروم، وعمل هناك صنما من نحاس وهو الموضع الذي فيه الأصنام القديمة، وأقام تحته علماً عظيماً زبر عليه اسمه وتاريخ الوقت، وصفة الأمر الذي خرج اليه، وضرب على أهل تلك النواحي خراجاً.
-
وعبر إلى الأرض الكبيرة وسار إلى الافرنجة وسار إلى الأندلس، وصاحبها عند ذلك اللاذريق، فحاربه أياماً، وقتل من اصحابه خلقاً كثيراً.
-
وصالحوه بعد ذلك على ذهب كثير في كل سنة يحمل اليه، وعلى ان لا يغزو أحداً في البحر ولا في البر شيئاً من حدوده، من جميع من في تلك النواحي، وعلى أن يمنع من رام شيئاً منهم من ذلك ويغالبهم عنه.
-
وانصرف راجعاً عنه، فسار على عبر البحر مشرقاً على بلاد البربر.
-
فلم يمر بموضع إلا خرج اليه أهله وأهدوه ودخلوا في طاعته، ومشوا بين يديه.
-
وأخذ إلى ناحية الجنوب، فمر بناحية الكوفاس (١) وهي أمة عظيمة فحاربوه فقتل منهم خلقاً كثيراً.
-
وبعث قائداً له إلى مدينة على ساحل البحر المظلم، فخرج اليه ملك المدينة وأهلها يسألونه ما هو وما قصده؟ فعرفهم القائد بحال الملك الريان وإذعان الملوك له ومصالحتهم إياه.
-
فقالوا له أما نحن فما بلغنا أحد قط ولا رأيناه ولا ضرنا أحد ولا ضاررناه.
-
وأخرجوا اليه مالا وجوهراً.
-
وصالحوه على
vol. 1, p. 255مدينتهم.
-
فقبل ذلك منهم.
-
وسألهم هل ركب هذا البحر أحد قط؟ فقالوا جميعهم إنه ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياماً.
-
ثم أتاهم الملك الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها التوت وحجارة سود.
-
فاذا جعلت في الماء صارت بيضاء.
-
وسار على امم السودان حتى بلغ إلى مملكة الزموم (١) الذين يأكلون
الناس، فخرجوا اليه عراة بأيديهم حراب الحديد، وخرج ملكهم على دابة عظيمة الخلق لها قرون، وكان جسيماً أحمر العينين فصبر للحرب صبراً عظيماً ثم ظفر به الريان، فانهزموا في أوحال وأدغال وغيران وجبال وعرة، فلم يتهيأ له أتباعهم فيها.
-
فجاوزهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة خفاف يلتفون بها من غير ريش، ومر على البحر المظلم، فلما أمعن في السير فيه غشيهم منه غمام فرجع متيامنا، حتى انتهى إلى جبل نبارس، فرأى فوقه تمثالاً من حجر أحمر يومئ بيده، أن ارجعوا وعلى صدره مزبوراً " ما وراثي احد " .
-
وانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل اليها، ثم مضى في الوادي المظلم، فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون شيئاً منه لشدة ظلمته.
-
ثم سار حتى انتهى إلى وادي الرمل فرأى على عين أصناماً عليها اسماء الملوك قبله، فأقام صنماً وزبر عليه اسمه، فلما عدا وادي الرمل جاز إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود المظلم، فسمع جلبة وصياحاً هائلاً، فخرج في شجعان من أصحابه يتبعون ذلك الصياح حتى أشرف على سباع عظيمة غريبة الخلق مخزمة الأنوف وبعضها يغير على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع وعدى وادي الرمل، فمر بأرض العقارب فأهلكت بعض أصحابه فرجعوها عن أنفسهم بالنار وبالرقا والعزائم التي كانوا قد عرفوها حتى جاوزها.
- vol. 1, p. 256
وسار حتى انتهى إلى أرض سلوقة (١) وكانت بها حية تخرج عن الحد والمقدار، فرأوها ممتدة فظنوها ميتة، فهمموا عليها فوجدوها حية.
-
فرجعوا عنها هاربين وتعوذوا منها بالرقا.
-
وتزعم القبط أنه سحرها، ومنعها من الحركة، وتركها على حالها، فلم تتحرك حتى هلكت ويقال إن طول هذه الحية ميل وإنها كانت تبتلع الفيلة.
-
وسار إلى مدينة الكند وهي مدينة الحكماء، فهربوا إلى جبل وعركان لهم صعدوا اليه من داخل مدينتهم من مواضع لا يقدر هو ولا أصحابه على الصعود فيها، فأقام على تلك الطريق يحرسها حتى عدم الماء، ولم يجد منه شيئاً وضاع أصحابه، وكادوا أن يهلكوا عطشاً.
-
فنزل اليه رجل منهم يقال له ميدوش وكان من أفاضل الحكماء وقد غطى شعره جسده، فقال له أيها الملك المغرور أين تريد، وقد مد لك في الأجل، ورزقت فوق الكفاية؟ ففيم تتعب نفسك وجيشك، هلا قنعت بما تملكه، واتكلت على خالقك الذي وهبك الغنى، وأعانك بهذا الخلق! فعجب نهراوس من قوله وسأله عن الماء فدله عليه.
-
وسأله عن موضعهم إذ لم يكن أصاب في جيشهم أثراً لسكناهم.
-
قال نحن في موضع لا يصل اليه أحد.
-
قال فما معاشكم؟ قال من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع فيقيتنا ويكفينا اليسير منه.
-
قال فمن أين تشربون؟ قال من غدران لنا في الأرض يجتمع اليها الماء من الامطار والثلوج.
-
قال فلم هربتم عنا؟ قال رغبة عن جواركم، وزهادة في خلطتكم وكراهة لقربكم، وإلا فليس لنا ما نخافكم عليه.