- رأي ابن جرير في الفرق بين الأم والخالة في سقوط الحضانة بالتزويج
11 paragraphs · vol. 7, p. 72
- vol. 7, p. 72
تقديرٍ، وظهر أنَّ هذا الحكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الأحكام وأوضحها، وأشدِّها موافقةً للمصلحة والحكمة والرَّحمة والعدل، وباللَّه التَّوفيق.
-
فهذه ثلاثة (١) مدارِكَ في الحديث للفقهاء:
أحدها: أنَّ نكاح الحاضنة لا يُسقِط حضانتها، كما قاله الحسن البصريُّ، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو مذهب أبي محمد ابن حزم (٢) .
-
والثَّاني: أنَّ نكاحها لا يُسقِط حضانة البنت، ويُسقِط حضانة الابن، كما قاله أحمد في إحدى روايتيه.
-
والثَّالث: أنَّ نكاحها لقريب الطِّفل لا يُسقِط حضانتها، ونكاحها للأجنبيِّ يُسقِطها، كما هو المشهور من مذهب أحمد.
-
وفيه مدركٌ رابعٌ لمحمَّد بن جريرٍ الطَّبريِّ، وهو أنَّ الحاضنة إن كانت أمًّا والمنازع لها الأب سقطت حضانتها بالتَّزويج، وإن كانت خالةً أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتَّزويج، وكذلك إن كانت أمًّا والمنازع لها (٣) غير الأب من أقارب الطِّفل لم تسقط حضانتها.
-
ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه، قال في «تهذيب الآثار» (٤) بعد ذكر حديث ابنة حمزة: فيه الدَّلالة الواضحة على أنَّ قيِّم الصَّبيَّة الصَّغيرة والطِّفل
vol. 7, p. 73الصَّغير من كان من قرابتهما من قِبَلِ أمَّهاتهما من النِّساء أحقُّ بحضانتهما من عصباتهما من قبل الأب، وإن كانت وكُنَّ ذواتِ أزواجٍ غير الأب الذي هما منه. وذلك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة، وقد تنازع فيها ابنا عمِّها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذٍ لها زوجٌ غير أبيها (١) ، وذلك بعد مقتل حمزة، وكان معلومًا بذلك صحَّة قول من قال: لا حقَّ لعصبة الصَّغير والصَّغيرة من قِبَلِ الأب في حضانته ما لم يبلغ حدَّ الاختيار، بل قرابتهما من النِّساء من قِبَلِ أمِّهما أحقُّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ.
-
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفتَ من أنَّ أمَّ الصَّغير والصَّغيرة وقرابتهما من النِّساء من قبل أمَّهاتهما أحقُّ بحضانتهما، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ من قرابتهما من قبل الأب من الرِّجال الذين هم عصبتهما، فهلَّا كانت الأمُّ ذات الزَّوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد، كما كانت الخالة أحقَّ بهما وإن كان لها زوجٌ غير أبيهما؟ وإلَّا فما الفرق؟
-
قيل: الفرق بينهما واضحٌ، وذلك لقيام الحجَّة بالنَّقل المستفيض وراثةً (٢) عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهما، ما لم تنكح زوجًا غيره، ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على الحجَّة فيما نعلمه. وقد رُوِي في ذلك خبرٌ، وإن كان في إسناده نظرٌ، فإنَّ النَّقل الذي وصفتُ أمرَه دالٌّ على صحَّته، وإن كان واهيَ السَّند.
- vol. 7, p. 74
ثمَّ ساق حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي» من طريق المثنّى بن الصبَّاح عنه (١) .
ثمَّ قال: وأمَّا إذا نازعها فيه عصبةُ أبيه، فصحَّة الخبر عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرنا أنَّه جعل الخالة ــ ذاتَ الزَّوج غيرِ أبي الصَّبيَّة ــ أحقَّ بها من بني عمِّها وهم عصبتها، فكانت الأمُّ أحقَّ بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوجٌ غيرُ أبيها؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأمِّ، وإذا كان ذلك كالَّذي وصفنا تبيَّن أنَّ القول الذي قلناه في المسألتين أصلُ إحداهما من جهة النَّقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول. وإذا كان كذلك فغير جائزٍ ردُّ حكم إحداهما إلى حكم الأخرى، إذ القياس إنَّما يجوز استعماله فيما لا نصَّ فيه من الأحكام، فأمَّا ما فيه نصٌّ من كتاب الله أو خبرٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا حظَّ (٢) فيه للقياس.
-
فإن قال قائلٌ: زعمتَ أنَّك إنَّما أبطلتَ حقَّ الأمِّ من الحضانة إذا نكحتْ زوجًا غيرَ أبي الطِّفل، وجعلتَ الأب أولى بحضانتها منها بالنَّقل المستفيض، فكيف يكون ذلك كما قلت؟ وقد علمتَ أنَّ الحسن البصريَّ كان يقول: المرأة أحقُّ بولدها وإن تزوَّجت، وقضى بذلك يحيى بن حمزة.
-
قيل: إنَّ النَّقل المستفيض الذي تلزم به الحجَّة في الدِّين عندنا ليس صفته أن لا يكون له مخالفٌ، ولكنَّ صفته أن ينقله قولًا وعملًا من علماء
vol. 7, p. 75الأمَّة من (١) ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ، وقد نقل مَن صفتُه ذلك من علماء الأمَّة أنَّ المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجًا غيرَه أنَّ الأب أولى بحضانة ابنها (٢) منها، فكان ذلك حجَّةً لازمةً غير جائزٍ الاعتراضُ عليها بالرَّأي، وهو قولُ من يجوز عليه الغلط في قوله. انتهى كلامه (٣) .