فصل في الخصال التي تجتنبها الحادة

37 paragraphs · vol. 7, p. 356

  1. تمام هذا المقصود وتأكُّدِه ومزيدِ الاعتناء به، حتَّى جُعِلت الزَّوجة أولى بفعله على زوجها من أبيها وأمها وأختها (١) وسائر أقاربها. وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه، وتأكُّدِ الفرق بينه وبين السِّفاح من جميع أحكامه، ولهذا شُرِع في ابتدائه إعلانُه والإشهادُ عليه والضَّربُ بالدُّفِّ لتتحقَّق المضادَّة بينه وبين السِّفاح، وشُرِع في آخره وانتهائه من العدَّة والإحداد ما لم يُشرَع في غيره.

    vol. 7, p. 356
  2. فصل

    الحكم السابع: في الخصال الَّتي تجتنبها الحادَّة، وهي الَّتي دلَّ عليها النَّصُّ، دون الآراء والأقوال الَّتي لا دليل عليها، وهي أربعةٌ:

    أحدها: الطِّيب، لقوله في الحديث الصَّحيح: «ولا تَمَسُّ طيبًا» (٢) ، ولا خلافَ في تحريمه عند من أوجب الإحداد، ولهذا لمَّا خرجت أم حبيبة من إحدادها على أبيها أبي سفيان دعتْ بطيبٍ فدهنتْ منه جاريةً، ثمَّ مسَّت بعارضيها، ثمَّ ذكرت الحديث (٣) ، ويدخل في الطِّيب المسكُ والعنبر والكافور والنَّدُّ والغالية والزَّباد (٤) والذَّريرة والبخور، والأدهان المطيِّبة كدهن البان والورد والبَنَفْسَج والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطَّيِّبة كماء الورد وماء القَرَنْفُل وماء زهر النَّارنج، فهذا كلُّه طيبٌ، ولا يدخل فيه

    vol. 7, p. 357الزَّيت ولا الشَّيْرَج (١) ولا السَّمْن، ولا تُمنع من الادِّهان بشيءٍ من ذلك.

  3. فصل
  4. الحكم الثامن: الزينة (٢) ، وهي ثلاثة أنواعٍ:
  5. أحدها: الزِّينة في يَدَيْها (٣) ، فيحرم عليها الخضاب والنَّقش والتَّطريف (٤) والحمرة والإسْفِيْداج (٥) ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نصَّ على الخضاب منبِّهًا به على هذه الأنواع، الَّتي هي أكثر زينةً منه وأعظم فتنةً وأشدُّ مضادَّةً لمقصود الإحداد.

  6. ومنها: الكحل، والنَّهي عنه ثابتٌ بالنَّصِّ الصريح الصَّحيح.

  7. ثمَّ قال طائفةٌ من أهل العلم من السَّلف والخلف ومنهم أبو محمَّد بن حزمٍ (٦) : لا تكتحل ولو ذهبت عيناها، ليلًا ولا نهارًا، ويساعد قولَهم حديثُ أم سلمة المتَّفق عليه (٧) : أنَّ امرأةً تُوفِّي عنها زوجها فخافوا على عينها، فأتوا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنوه في الكحل، فما أذِنَ فيه بل قال: «لا» مرَّتين أو ثلاثًا، ثمَّ ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الإحداد البليغ سنةً ويصبرن على ذلك، أفلا يصبرن أربعة أشهرٍ وعشرًا؟ ولا ريبَ أنَّ الكحل من أبلغ الزِّينة،

    vol. 7, p. 358فهو كالطِّيب أو أشدُّ منه.

    وقال بعض الشَّافعيَّة (١) : للسَّوداء أن تكتحل. وهذا تصرُّفٌ مخالفٌ للنَّصِّ والمعنى، وأحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُفرِّق بين السُّود والبِيض، كما لا تُفرِّق بين الطِّوال والقصار، ومثل هذا القياس والرأي (٢) الفاسد الذي اشتدَّ نَكرُ (٣) السَّلفِ له وذَمُّهم إيَّاه.

  8. وأمَّا جمهور العلماء ــ كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ وأصحابهم ــ فقالوا: إن اضطُرَّت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينةً فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا. وحجَّتهم حديث أم سلمة المتقدِّم، وأنَّها قالت في كحل الجِلاء: «لا تكتحلي إلا ما لا بدَّ منه، يشتدُّ عليك فتكتحلين باللَّيل وتغسلينه بالنَّهار» .

  9. ومن حجَّتهم حديث أم سلمة الآخر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وقد جعلت عليها صَبِرًا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: صَبِرٌ يا رسول الله ليس فيه طيبٌ، قال: «إنَّه يَشُبُّ الوجه» ، فقال (٤) : «لا تجعليه إلا باللَّيل، وتَنزِعينه بالنَّهار» . وهما حديثٌ واحدٌ فرَّقه الرُّواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في «موطَّئه» (٥) بلاغًا، وذكر أبو عمر في «التَّمهيد» (٦) له طرقًا يشدُّ بعضها بعضًا، ويكفي احتجاج مالك به. وأدخله أهل السُّنن في كتبهم، واحتجَّ به الأئمَّة،

    vol. 7, p. 359وأقلُّ درجاته أن يكون حسنًا، ولكن حديثها هذا مخالفٌ في الظَّاهر لحديثها المسند المتَّفق عليه (١) ، فإنَّه يدلُّ على أن المتوفَّى عنها لا تكتحل بحالٍ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل، لا ليلًا ولا نهارًا، ولا من ضرورةٍ ولا غيرها، وقال «لا» مرَّتين أو ثلاثًا، ولم يقل: إلا أن تضطرَّ.

  10. وقد ذكر مالك (٢) عن نافع عن صفية ابنة أبي عُبيد أنَّها اشتكت عينها وهي حادٌّ على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحل حتَّى كادت عيناها تَرْمَصانِ (٣) .

    قال أبو عمر (٤) : وهذا عندي ــ وإن كان ظاهره مخالفًا لحديثها الآخر، لما فيه من إباحته باللَّيل، وقوله في الحديث الآخر «لا» مرَّتين أو ثلاثًا على الإطلاق ــ أنَّ ترتيب الحديثين والله أعلم على أنَّ الشَّكاة الَّتي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا» لم تبلغ ــ والله أعلم ــ منها مبلغًا لا بدَّ لها فيه من الكحل؛ فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجةً مضطرَّةً تخاف (٥) ذهابَ بصرها لأباح لها ذلك، كما فعل بالَّتي قال لها: «اجعليه باللَّيل وامسحيه بالنَّهار» . والنَّظر يشهد لهذا التّأويل؛ لأنَّ الضَّرورات تنقل المحظوراتِ إلى حال المباح في الأصول، ولذلك جعل مالك فتوى أم سلمة هذه تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأنَّ أم سلمة روتْه، وما كانت لتخالفه إذا صحَّ عندها، وهي أعلم بتأويله

    vol. 7, p. 360ومخرجه. والنَّظر يشهد لذلك؛ لأنَّ المضطرَّ إلى شيءٍ لا يُحكم له بحكم المرفَّه المتزيِّن، وليس الدَّواء والتَّداوي من الزِّينة في شيءٍ، وإنَّما نُهِيت الحادُّ (١) عن الزِّينة لا عن التَّداوي، وأم سلمة أعلمُ بما روت مع صحَّته في النَّظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأكثر الفقهاء.

  11. وقد ذكر مالك في «موطَّئه» (٢) أنَّه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسارٍ أنَّهما كانا يقولان في المرأة يُتوفَّى عنها زوجها: إنَّها إذا خشيت على بصرها من رَمَدٍ بعينيها، أو شكوى أصابتها، أنَّها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيبٌ.

    قال أبو عمر (٣) : لأنَّ القصد إلى التَّداوي لا إلى التَّطيُّب، والأعمال بالنِّيَّات. وقال الشَّافعيُّ: الصَّبِر يُصفِّر فيكون زينةً، وليس بطيبٍ، وهو كحل الجِلاء، فأذنتْ فيه أم سلمة للمرأة باللَّيل حيث لا تُرى، وتمسحه بالنَّهار حيث تُرى، وكذلك ما أشبهه.

    وقال أبو محمد بن قدامة في «المغني» (٤) : وإنَّما تُمنع الحادُّ من الكحل بالإثمد لأنَّه الذي تحصل به الزِّينة، فأمَّا الكحل بالتُّوتيا (٥) والعَنْزَرُوت (٦)

  12. ونحوهما فلا بأس به، لأنَّه لا زينةَ فيه، بل يُقبِّح العين ويزيدها مَرَهًا (١) .

    قال (٢) : ولا تُمنَع من جَعْل الصَّبِر على غير وجهها من بدنها، لأنَّه إنَّما مُنِع منه في الوجه لأنَّه يُصَفِّره فيشبه الخضاب، فلهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّه يَشُبُّ الوجهَ» .

    قال: ولا تُمنع من تقليم الأظفار ونَتْف الإبط وحلق الشَّعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسِّدر والامتشاط به، لحديث أم سلمة، ولأنَّه يراد للتَّنظيف لا للطِّيب.

    وقال إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوريُّ في «مسائله» (٣) : قيل لأبي عبد الله: المتوفَّى عنها أتكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن (٤) أرادت اكتحلت بالصَّبر إذا خافت على عينها، أو اشتكت شكوى شديدةً.

    vol. 7, p. 361
  13. فصل

    النَّوع الثَّاني: زينة الثِّياب، فيحرم عليها ما نهاها عنه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثله. وقد صحَّ عنه أنَّه قال: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا» (٥) ، وهذا يعمُّ المعصفرَ والمزعفر، وسائرَ المصبوغ بالأحمر

    vol. 7, p. 362والأصفر والأخضر والأزرق الصَّافي، وكلَّ ما يُصبغ للتَّحسين والتَّزيين. وفي اللَّفظ الآخر: «ولا تلبسُ المعصفرَ من الثِّياب، ولا المُمَشَّقَ» (١) .

  14. وههنا نوعان آخران:
  15. أحدهما: مأذونٌ فيه، وهو ما نُسِج من الثِّياب على وجهه ولم يدخل عليه صبغٌ: من خَزٍّ (٢) ، أو قُطنٍ، أو كتَّانٍ، أو صوفٍ، أو وبرٍ، أو شعرٍ، أو صُبِغ غزلُه ونُسِج مع غيره كالبرود (٣) .

  16. والثَّاني: ما لا يراد بصبغه الزِّينة، مثل السَّواد وما صُبغ ليقبح (٤) أو ليستُرَ الوسخَ، فهذا لا يُمنع منه.

    قال الشَّافعيُّ (٥) - رحمه الله - : في الثِّياب زينتان، إحداهما: جمال الثِّياب على اللَّابسين، والسُّترة للعورة. فالثِّياب زينةٌ لمن لبسها، وإنَّما نُهِيت الحادَّة (٦) عن زينة بدنها ولم تُنْهَ عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كلَّ ثوبٍ من البياض؛ لأنَّ البياض ليس بمزيِّنٍ، وكذلك الصُّوف والوبَر وكلُّ ما يُنسَج على وجهه ولم يدخل عليه صَبْغٌ من خزٍّ أو غيره، وكذلك كلُّ صبغٍ لم يُرَد به

    vol. 7, p. 363التزيُّن، مثل السَّواد وما صُبِغ ليقبح أو لنفي الوسخ عنه، فأمَّا ما كان من زينةٍ أو وَشْيٍ (١) في ثوب أو غيره، فلا تلبسه الحادُّ، وذلك لكلِّ حرَّةٍ أو أمةٍ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ، مسلمةٍ أو ذمِّيَّةٍ. انتهى كلامه.

    قال أبو عمر (٢) : وقول الشَّافعيِّ في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوبَ عَصْبٍ ولا خَزٍّ وإن لم يكن مصبوغًا إذا أرادت به الزِّينة، وإن لم تُرِد بلبس (٣) الثَّوب المصبوغ الزِّينةَ فلا بأسَ أن تلبسه. وإذا اشتكت عينَها اكتحلت بالأسود وغيره، وإن لم تشتكِ عينَها (٤) لم تكتحل.

  17. فصل

    وأمَّا الإمام أحمد فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزيَّن المعتدَّة، ولا تتطيَّب بشيءٍ من الطِّيب، ولا تكتحل بكحلِ زينةٍ، وتَدَّهن بدهنٍ ليس فيه طيبٌ، ولا تقرب مسكًا ولا زعفرانًا للطِّيب، والمطلَّقة واحدةً أو اثنتين تتزيَّن وتتشوَّف لعلَّه أن يراجعها.

    وقال أبو داود في «مسائله» (٥) : سألت أحمد قال: المتوفَّى عنها زوجُها والمطلَّقة ثلاثًا والمُحرِمة يجتنبن الطِّيبَ والزِّينة.

    vol. 7, p. 364وقال حرب في «مسائله» (١) : سألت أحمد قلت: المتوفَّى عنها زوجها والمطلَّقة هل تلبسانِ البُردَ ليس بحريرٍ؟ فقال: لا تتطيَّب (٢) المتوفَّى عنها، ولا تتزيَّنُ (٣) بزينةٍ، وشدَّد في الطِّيب إلا أن يكون قليلًا عند طهرها. ثمَّ قال: وشبِّهت المطلَّقة ثلاثًا بالمتوفَّى عنها لأنَّه ليس لزوجها عليها رجعةٌ. ثمَّ ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قالت: المتوفَّى عنها لا تلبس المعصفر من الثِّياب، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيَّب (٤) ، ولا تمتشط بطيبٍ (٥) .

    وقال إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوريُّ في «مسائله» (٦) : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدَّتها أو تَدَّهن في عدَّتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كُرِه للمتوفَّى عنها زوجها أن تتزيَّن. وقال أبو عبد الله: كلُّ دهنٍ فيه طيبٌ فلا تَدَّهِن به.

  18. فقد دار كلام الإمام أحمد والشَّافعيِّ وأبي حنيفة على أنَّ الممنوع منه من الثِّياب ما كان من لباس الزِّينة من أيِّ نوعٍ كان. وهذا هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ المعنى الذي مُنِعت من المعصفر والممشَّق لأجله مفهومٌ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خصَّه بالذِّكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبرود المحرَّرة (٧) الرَّفيعة الغالية الأثمان ممَّا يراد للزِّينة

    vol. 7, p. 365لارتفاعهما وتَناهِي جودتهما كانا (١) أولى بالمنع من الثَّوب المصبوغ.

  19. وكلُّ من عقَلَ عن الله ورسوله لم يسترِبْ في ذلك، لا كما قال أبو محمَّد بن حزمٍ (٢) : إنَّها تجتنب الثِّياب المصبَّغة فقط، ومباحٌ لها أن تلبس بعدُ ما شاءت من حريرٍ أبيض وأصفر من لونه الذي لم يُصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه، وغير ذلك. ومباحٌ لها أن تلبس المنسوج بالذَّهب والحليِّ كلّه من الذَّهب والفضَّة والجوهر والياقوت والزُّمرُّد وغير ذلك. فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط، وهي الكحلُ كلُّه لضرورةٍ أو لغير ضرورةٍ، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا. وتجتنب فرضًا كلَّ ثوبٍ مصبوغٍ ممَّا يُلبس في الرَّأس أو على الجسد أو على شيءٍ منه، سواءٌ في ذلك السَّواد والخضرة والحمرة والصُّفرة وغير ذلك، إلا العَصب وحده، وهي (٣) ثيابٌ موشَّاةٌ تُعمل باليمن، فهو مباحٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الخضابَ كلَّه جملةً. وتجتنب الامتشاطَ حاشا التَّسريح بالمُشْط فقط فهو حلالٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الطِّيبَ كلَّه ولا تقربه، حاشا شيئًا من قُسْطٍ أو أظفارٍ عند طهرها فقط. فهذه الخمسة الَّتي ذكرها، حكينا كلامه فيها بنصِّه.

  20. وليس بعجيبٍ منه تحريمُ لبسِ ثوبٍ أسودَ عليها ليس (٤) من الزِّينة في شيءٍ، وإباحةُ ثوبٍ يتَّقد ذهبًا ولؤلؤًا وجواهرَ، ولا تحريمُ (٥) المصبوغِ

    vol. 7, p. 366الغليظ لحمل الوسخ، وإباحةُ الحرير الذي هو يأخذ بالعيون حسنُه وبهاؤه ورُواؤه، وإنَّما العجب منه أن [يقول] (١) : هذا دين الله في نفس الأمر وأنَّه لا يحلُّ لأحدٍ خلافه.

  21. وأعجبُ من هذا إقدامُه على خلاف الحديث الصَّحيح في نهيه - صلى الله عليه وسلم - لها عن لباس الحُليِّ.

  22. وأعجبُ من هذا أنَّه ذكر الخبر بذلك، ثمَّ قال (٢) : ولا يصحُّ لأنَّه من رواية إبراهيم بن طَهْمان، وهو ضعيفٌ، ولو صحَّ لقلنا به. فللَّه ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمَّد بن حزمٍ! وهو من الحفَّاظ الأثبات الثِّقات الذين اتَّفق الأئمَّة السِّتَّة على إخراج حديثه، واتَّفق أصحاب الصَّحيح ــ وفيهم الشَّيخان ــ على الاحتجاج بحديثه، وشهدَ له الأئمَّة بالثِّقة والصِّدق، ولم يُحفظ عن أحدٍ منهم فيه جرحٌ ولا خَدْشٌ، ولا يُحفظ عن أحدٍ من المحدِّثين قطُّ تعليلُ حديثٍ رواه، ولا تضعيفُه به.

  23. وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في «التَّهذيب» وأنا أسمع قال (٣) : إبراهيم بن طهمان بن سعيد (٤) الخراساني أبو سعيدٍ الهرويُّ، ولد بهراةَ، وسكن نيسابور، وقدم بغداد وحدَّث بها، ثمَّ سكن بمكَّة حتَّى مات بها.

  24. ثمَّ ذكر عمَّن روى ومن روى عنه، ثمَّ قال: قال نوح أبو عمرو المروزي (١) عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك: صحيح الحديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه وأبو (٢) حاتم: ثقةٌ. وقال عبد الله بن أحمد عن يحيى بن معينٍ: لا بأس به. وكذلك قال العجلي. وقال أبو حاتم: صدوقٌ حسن الحديث. وقال عثمان بن سعيدٍ الدَّارميُّ: كان ثقةً في الحديث، لم يزل الأئمَّة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثِّقونه. وقال أبو داود: ثقةٌ. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرِّواية، كثير السَّماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقةٌ. روى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبلِ من حدَّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم، وأوسعهم علمًا. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمانٍ وستِّين ومائةٍ بمكَّة، ولم يخلف مثله.

    vol. 7, p. 367
  25. وقد أفتى الصَّحابة - رضي الله عنهم - بما هو مطابقٌ لهذه النُّصوص وكاشفٌ عن معناها ومقصودها، فصحَّ عن ابن عمر أنَّه قال: لا تكتحل، ولا تطيَّبُ، ولا تختضب، ولا تلبس المعصفر ولا ثوبًا مصبوغًا إلّا (٣) بردًا، ولا تتزيَّن بحليٍّ، ولا تلبس شيئًا تريد به الزِّينة، ولا تكتحل بكُحلٍ تريد به الزِّينة إلا أن تشتكي عينَها (٤) .

  26. وصحَّ عنه (١) من طريق عبد الرزاق (٢) عن سفيان الثَّوريِّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: لا تمسُّ المتوفَّى عنها طيبًا، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ (٣) تتجلببُ به.

    vol. 7, p. 368
  27. وصحَّ عن أم عطية: لا تلبس الثِّياب المصبَّغة إلا العَصْب، ولا تمسُّ طيبًا إلا أدنى الطِّيب بالقُسْط والأظفار، ولا تكتحل بكُحلِ زينةٍ (٤) .

  28. وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: تجتنب الطِّيب والزِّينة (٥) .

  29. وصحَّ عن أم سلمة: لا تلبس من الثِّياب المصبَّغة شيئًا، ولا تكتحل، ولا تلبس حُليًّا، ولا تختضب، ولا تتطيَّب (٦) .

    vol. 7, p. 369وقالت عائشة أمُّ المؤمنين: لا تلبس معصفرًا، ولا تقرب طيبًا، ولا تكتحل، ولا تلبس حليًّا، وتلبس إن شاءت ثيابَ العَصْب (١) .

  30. فصل

    وأمَّا النِّقاب فقال الخِرَقي في «مختصره» (٢) : وتجتنب الزَّوجة المتوفَّى عنها زوجُها الطِّيبَ والزِّينة، والبيتوتةَ في غير منزلها، والكحلَ بالإثمد، والنِّقابَ.

  31. ولم أجد بهذا نصًّا عن أحمد، وقد قال إسحاق بن هانئ في «مسائله» (٣) : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدَّتها أو تدَّهن في عدَّتها؟ قال لا بأسَ به، وإنَّما كره للمتوفَّى عنها زوجها أن تتزيَّن.

  32. ولكن قد قال أبو داود في «مسائله» (٤) : قال أحمد: المتوفَّى عنها زوجها والمطلَّقة ثلاثًا والمُحرِمة يجتنبنَ (٥) الطِّيبَ والزِّينة.

  33. فجعل المتوفَّى عنها بمنزلة المُحرِمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنَّها تجتنب النِّقاب، فلعلَّ أبا القاسم أخذ من نصِّه هذا، فالله أعلم. وبهذا علَّله أبو محمد في

    vol. 7, p. 370«المغني» فقال (١) : فصل، الثَّالث مما (٢) تجتنبه الحادَّة النِّقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه؛ لأنَّ المعتدَّة مشبَّهةٌ بالمحرِمة، والمحرمة تُمنَع من ذلك. وإذا احتاجت إلى سَتْر وجهها سَدَلتْ عليه كما تفعل المحرمة.

  34. فصل

    فإن قيل: فما تقولون في الثَّوب إذا صُبِغ غَزْلُه، ثمَّ نُسِجَ، هل لها لُبْسُه؟

  35. قيل: فيه وجهان، وهما احتمالان في «المغني» (٣) :
  36. أحدهما: يحرم لبسه؛ لأنَّه أحسن وأرفع، ولأنَّه مصبوغٌ للحسن فأشبهَ ما صُبِغ بعد نسجه.

  37. والثَّاني: لا يحرم، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة: «إلَّا ثوبَ عَصْبٍ» ، وهو ما صُبِغ غزله قبل نسجه. ذكره القاضي.

    قال الشَّيخ (٤) : والأوَّل أصحُّ، وأمَّا العَصْب فالصَّحيح أنَّه نبتٌ تُصْبَغ به الثِّياب. قال السهيلي (٥) : الورس والعَصْب نبتانِ باليمن لا ينبتان إلا به. فأرخص النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للحادَّة في لبس ما يُصْبغ بالعَصْب، لأنَّه في معنى ما يُصبغ لغير التحسين كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لُبسه مع حصول الزِّينة بصبغه، كحصولها بما صُبِغ بعد نسجه. والله أعلم.