حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمن الكلب والسنور
24 paragraphs · vol. 7, p. 444
- vol. 7, p. 444
في «الصَّحيحين» (٥) عن ابن مسعود (٦) : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمنِ الكلب، ومَهْر البَغِيِّ، وحُلوان الكاهن.
- vol. 7, p. 445
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي الزبير قال: سألتُ جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور، فقال: زجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
-
وفي «سنن أبي داود» (٢) عنه أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور.
-
وفي «صحيح مسلم» (٣) من حديث رافع بن خَدِيجٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «شرُّ الكسب مَهْر البغيِّ، وثمن الكلب، وكَسْب الحجَّام» .
- فتضمَّنت هذه السُّنن أربعة أمورٍ:
-
أحدها: تحريم بيع الكلب، وذلك يتناول كلَّ كلبٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، للصَّيد أو للماشية (٤) أو للحرث. وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبةً، والنِّزاع في ذلك معروفٌ عن أصحاب مالك وأبي حنيفة، فجوَّز أصحاب أبي حنيفة بيعَ الكلاب وأكْلَ أثمانها. وقال القاضي عبد الوهَّاب (٥) : اختلف أصحابنا في بيع ما أُذِن في اتِّخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم. انتهى.
-
وعقد بعضهم (٦) عقدًا لما يصحُّ بيعه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ما كانت منافعه كلُّها محرَّمةً لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حسًّا
vol. 7, p. 446والممنوع شرعًا، وما تنوَّعت منافعه إلى محلَّلةٍ ومحرَّمةٍ، فإن كان المقصود من العين خاصَّةً كان الاعتبار بها، والحكم تابعٌ لها، فاعتُبِر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزَّعتْ في النَّوعين لم يصحَّ البيع؛ لأنَّ ما يقابل ما حرم منها أكْلُ مالٍ بالباطل، وما سواه من بقيَّة الثَّمن يصير مجهولًا.
قال (١) : وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصَّيد، فإذا بُنِي الخلاف فيها على هذا الأصل قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعُدِّدت جملة منافعه، ثمَّ نُظِر فيها، فمن رأى أنَّ جملتها محرَّمةٌ مَنَع، ومن رأى جميعها محلَّلةً أجاز، ومن رآها متنوِّعةً نَظَر: هل المقصود المحلَّل أو المحرَّم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى منفعةً واحدةً منها محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع أيضًا، ومن التبسَ عليه كونُها مقصودةً وَقَفَ أو كره.
-
فتأمَّلْ هذا التَّأصيل والتَّفصيل، وطابِقْ بينهما يظهَرْ لك ما فيهما من التَّناقض والخلل، وأنَّ بناء بيع كلب الصَّيد على هذا الأصل من أفسد البناء، فإنَّ قوله: «من رأى أنَّ جملة منافع كلب الصَّيد محرَّمةٌ بعد تعديدها (٢) لم يُجِز بيعه»، فإنَّ هذا لم يقلْه أحدٌ من النَّاس قطُّ، وقد اتَّفقت الأمَّة على إباحة منافع كلب الصَّيد من الاصطياد والحراسة، وهما جُلُّ منافعه، ولا يُقتنى إلا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلَّها محرَّمةٌ؟ ولا يصحُّ أن تُراد منافعه الشَّرعيَّة، فإنَّ إعارته جائزةٌ.
-
وقوله: «من رأى جميعها محلَّلةً أجاز» ، كلامٌ فاسدٌ أيضًا، فإنَّ منافعه
vol. 7, p. 447المذكورة محلَّلةٌ اتِّفاقًا، والجمهور على عدم جواز بيعه.
-
وقوله: «ومن رآها متنوِّعةً نَظر: هل المقصود المحلَّل أو (١) المحرَّم؟» كلامٌ لا فائدة تحته البتَّة، فإنَّ منفعة كلب الصَّيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين التَّنوُّع؟ وما يُقدَّر في المنافع من التَّحريم يُقدَّر مثله في الحمار والبغل.
-
وقوله: «ومن رأى منفعةً واحدةً محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع» ، أظهرُ فسادًا ممَّا قبله، فإنَّ هذه المنفعة المحرَّمة ليست هي المقصودة من كلب الصَّيد، وإن قُدِّر أنَّ مشتريه قصدَها، فهو كما لو قصد منفعةً محرَّمةً من سائر ما يجوز بيعه. وتبيَّنَ فسادُ هذا التَّأصيل، وأنَّ الأصل الصَّحيح هو الذي دلَّ عليه النَّصُّ الصَّريح الذي لا معارِضَ له البتَّة من تحريم بيعه.
-
فإن قيل: كلب الصَّيد مستثنًى من النَّوع الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بدليل ما رواه الترمذي (٢) من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب، إلّا كلبَ الصَّيد.
vol. 7, p. 448وقال النَّسائيُّ (١) : أخبرني إبراهيم بن الحسن المِصِّيصي، ثنا حجَّاج بن محمَّدٍ، عن حمَّاد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن السِّنَّور والكلب، إلا كلبَ صَيْدٍ.
وقال قاسم بن أصبغ (٢) : حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل، ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني المثنَّى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثمن الكلب سُحْتٌ إلا كلبَ صيدٍ» .
وقال ابن وهب (٣) : عمَّن أخبره، عن ابن شهابٍ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثٌ هنَّ سُحْتٌ: حُلوان الكاهن، ومَهْر الزَّانية، وثمن الكلب العَقُور» .
وقال ابن وهب (٤) : حدَّثني الهيثم (٥) بن نُمير، عن حسين (٦) بن عبد الله بن ضمرة (٧) ، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب العَقُور.
-
ويدلُّ على صحَّة هذا الاستثناء أيضًا أنَّ جابرًا أحد من روى عن النَّبيِّ
vol. 7, p. 449- صلى الله عليه وسلم - النَّهيَ عن ثمن الكلب، وقد رخَّص جابر نفسُه في ثمن كلب الصَّيد (١) ، وقول الصَّحابيِّ صالحٌ لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجَّةً، فكيف إذا كان معه النَّصُّ باستثنائه والقياس أيضًا؟ لأنَّه يُباح الانتفاع به، ويصحُّ نقل اليد فيه بالميراث والوصيَّة والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، وهما وجهان للشَّافعيَّة، فجاز بيعه كالبغل والحمار.
-
فالجواب (٢) : أنَّه لا يصحُّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - استثناء كلب الصَّيد بوجهٍ:
أمَّا حديث جابر، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيفٌ (٣) . وقال الدَّارقطنيُّ (٤) : الصَّواب أنَّه موقوفٌ على جابر. وقال الترمذي (٥) : لا يصحُّ إسناد هذا الحديث.
vol. 7, p. 450وقال في حديث أبي هريرة (١) : هذا لا يصحُّ، أبو المُهزِّم ضعيفٌ. يريد راويَه عنه.
وقال البيهقي (٢) : روى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّهيَ عن ثمن الكلب جماعةٌ، منهم: ابن عبَّاسٍ (٣) ، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، ورافع بن خَدِيجٍ (٤) ، وأبو جُحَيفة (٥) ، اللَّفظ مختلفٌ والمعنى واحدٌ. والحديث الذي رُوِي في استثناء كلب الصَّيد لا يصحُّ، وكأنَّ من رواه أراد حديث النَّهي عن اقتنائه فشُبِّه عليه، والله أعلم.
-
وأمَّا حديث حمَّاد بن سلمة عن أبي الزبير، فهو الذي ضعَّفه الإمام أحمد بالحسن بن أبي جعفر، وكأنَّه لم يقع له طريق حجَّاج بن محمَّدٍ، وهو الذي قال فيه الدَّارقطنيُّ: الصَّواب أنَّه موقوفٌ، وقد أعلَّه ابن حزمٍ (٦) بأنَّ أبا الزبير (٧) لم يصرِّح فيه بالسَّماع من جابر، وهو مدلِّسٌ، وليس من رواية الليث عنه. وأعلَّه البيهقي (٨) بأنَّ أحد رواته وهم من استثناء كلب الصَّيد ممَّا نهي عن اقتنائه من الكلاب فنقله إلى البيع.
vol. 7, p. 451قلت: وممَّا يدلُّ على بطلان حديث جابر هذا وأنَّه خُلِّط عليه: أنَّه صحَّ عنه أنَّه قال: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفَحْل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام (١) . وهذا علَّةٌ أيضًا للموقوف عليه من استثناء كلب الصَّيد، فهو علَّةٌ للموقوف والمرفوع.
-
وأمَّا حديث المثنَّى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة فباطلٌ؛ لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرَّحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفُه عندهم مشهورٌ. ويدلُّ على بطلان الحديث ما رواه النَّسائيُّ (٢) : ثنا الحسن بن أحمد بن شبيب (٣) ، حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن بهز (٤) ، ثنا أسباط، ثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: قال أبو هريرة: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفحل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام.
- vol. 7, p. 452
وأمَّا الأثر عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فلا ندري من أخبر ابن وهب عن ابن شهابٍ، ولا من أخبر ابنَ شهابٍ عن الصِّدِّيق، ومثل هذا لا يُحتجُّ به.
-
وأمَّا الأثر عن علي، ففيه ابن ضمرة (١) في غاية الضَّعف.
-
ومثلُ هذه الآثار السَّاقطة المعلولة لا تُقدَّم على الآثار الَّتي رواها الأئمَّة الثِّقات الأثبات، حتَّى قال بعض الحفَّاظ: إنَّ نقْلها نقلُ تواترٍ، وقد ظهر أنَّه لم يصحَّ عن صحابيٍّ خلافُها البتَّة، بل هذا جابر وأبو هريرة وابن عبَّاسٍ يقولون: ثمن الكلب خبيثٌ.
قال وكيعٌ (٢) : ثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتَر (٣) ، عن ابن عبَّاسٍ رفعَه: «ثمنُ الكلب، ومَهْر البغيِّ، وثمنُ الخمر حرامٌ» .
-
وهذا أقلُّ ما فيه أن يكون قول ابن عبَّاسٍ.
-
وأمَّا قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسدِ القياس، بل قياسه على الخنزير أصحُّ من قياسه عليهما؛ لأنَّ الشَّبّه الذي بينه وبين الخنزير أقربُ من الشَّبَه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيَّد بالنَّصِّ الموافق له أصحَّ وأولى من القياس المخالف له.
-
فإن قيل: كان النَّهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلمَّا حُرِّم قتلُها
vol. 7, p. 453وأُبيح اتِّخاذ بعضها نُسِخ النَّهي، فنُسِخ تحريم البيع.
-
قيل: هذه دعوى باطلةٌ، ليس مع مدَّعيها بصحَّتها دليلٌ ولا شبهةٌ، وليس في الأثر ما يدلُّ على صحَّة هذه الدَّعوى البتَّةَ بوجهٍ من الوجوه. ويدلُّ على بطلانها: أنَّ أحاديث تحريم بيعها وأكلِ ثمنها مطلقةٌ عامَّةٌ كلُّها، وأحاديث الأمر بقتلها والنَّهي عن اقتنائها نوعان: نوعٌ كذلك وهو المتقدِّم، ونوعٌ مقيَّدٌ مخصَّصٌ وهو المتأخِّر، فلو كان النَّهي عن بيعها مقيَّدًا مخصوصًا لجاءت به الآثار كذلك، فلمَّا جاءت عامَّةً مطلقةً عُلِم أنَّ عمومها وإطلاقها مرادٌ، فلا يجوز إبطاله. والله أعلم.
-
فصل
الحكم الثَّاني: تحريم بيع السِّنَّور، كما دلَّ عليه الحديث الصَّحيح الصَّريح الذي رواه جابر، وأفتى بموجبه، كما رواه قاسم بن أصبغ (١) : ثنا محمَّد بن وضَّاحٍ، ثنا محمد بن آدم، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه أنَّه كره ثمنَ الكلب والسِّنَّور.
قال أبو محمد (٢) : فهذه فتيا جابر بن عبد اللَّه بما رواه (٣) ، ولا يُعرف له مخالفٌ من الصَّحابة. وكذلك أفتى أبو هريرة (٤) ، وهو مذهب طاوسٍ