فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره

19 paragraphs · vol. 2, p. 384

  1. فقد حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعةً، واختلف في الركعتين الأخيرتين (١) : هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما؟

    vol. 2, p. 384
  2. فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها= جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعةً، كان يحافظ عليها دائمًا: سبعة عشر فرضًا، وعشر ركعات أو ثنتا عشرة سنَّةً راتبةً، وإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعةً قيام الليل، فالمجموع أربعون. وما زاد على ذلك فعارضٌ غير راتب، كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قدِم من مغيبه، وصلاته عند من يزوره، وتحية المسجد، ونحو ذلك. فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائمًا إلى الممات، فما أسرَعَ الإجابةَ وأعجَلَ فتحَ الباب لمن يقرعه كلَّ يوم وليلة أربعين مرةً! والله المستعان.

  3. فصل

    في سياق صلاته بالليل ووتره

    ذكر صلاته (٢) أول الليل (٣) : قالت عائشة: «ما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء قطُّ، فدخل عليَّ، إلا صلَّى أربعَ ركعات أو ستَّ ركعات، ثم يأوي إلى فراشه» . وقال ابن عباس لما بات عنده: «صلَّى العشاء، ثم جاء، فصلَّى [أربعًا] (٤) ، ثم نام». ذكرهما أبو داود (٥) .

  4. وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك، ثم يذكر الله ــ وقد تقدَّم ذكرُ ما كان يقوله عند استيقاظه ــ ثم يتطهَّر، ثم يصلِّي ركعتين خفيفتين؛ كما في «صحيح مسلم» (١) عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.

    vol. 2, p. 385
  5. وأمر بذلك في حديث أبي هريرة، فقال: «إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» . رواه مسلم (٢) .

  6. وكان يقوم تارةً إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل. وربما كان يقوم إذا سمع الصَّارخ، وهو الدِّيك، وهو إنما يصيح في النصف الثاني.

  7. وكان يقطع ورده تارةً، ويصله تارةً وهو الأكثر. فيقطعه (١) كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده أنه - صلى الله عليه وسلم - استيقظ، فتسوَّك، وتوضَّأ، وهو يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة [آل عمران: ١٩٠ - ٢٠٠] ، ثم قام فصلَّى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ. ثم فعل ذلك ثلاثَ مرَّات ستَّ ركعات، كلَّ ذلك يستاك ويتوضَّأ، ويقرأ هؤلاء الآيات. ثم أوترَ بثلاث، فأذَّن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا. اللهمَّ أعطني نورًا» . رواه مسلم (٢) .

    vol. 2, p. 386
  8. ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، فإمَّا أنَّه كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه (٣) ابن عباس؛ وهو الأظهر لمواظبتها (٤) له ومراعاتها ذلك (٥) ، ولكونها (٦) أعلمَ الخلق بقيامه بالليل. وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته.

  9. وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل، فالقول ما قالت عائشة.

    vol. 2, p. 387
  10. وكان قيامه - صلى الله عليه وسلم - بالليل ووتره أنواعًا، فمنها:

    هذا الذي ذكره ابن عباس.

  11. النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة أنه يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتمِّم (١) ورده إحدى عشرة ركعةً، يسلِّم من كلِّ ركعتين ويوتر بركعة.

  12. النوع (٢) الثالث: ثلاث عشرة ركعةً كذلك.

  13. النوع الرابع: يصلِّي ثمان ركعات، يسلِّم بين (٣) كلِّ ركعتين، ثم يوتر بخمسٍ سردًا متواليةً، لا يجلس (٤) إلا في آخرهن (٥) .

  14. النوع الخامس: تسع ركعات، يسرُد منهن ثمانيًا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، يجلس يذكر (٦) الله ويحمده ويدعوه. ثم ينهض، ولا يسلِّم (٧) . ثم يصلِّي التاسعة، ثم يقعد، فيتشهَّد، ويسلِّم. ثم يصلِّي ركعتين بعدما يسلِّم (٨) .

  15. النوع السادس: يصلِّي سبعًا كالتسع المذكورة، ثم يصلِّي بعدها ركعتين جالسًا (١) .

    vol. 2, p. 388
  16. النوع السابع: أنه كان يصلِّي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل فيهنَّ. فهذا رواه الإمام أحمد (٢) عن عائشة أنه كان يوتر بثلاثٍ لا فصلَ فيهنَّ. وروى النسائي (٣) عنها: «كان لا يسلِّم في ركعتي الوتر» . وهذه الصفة فيها نظرٌ، فقد روى أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه» (٤) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

    vol. 2, p. 389«لا تُوتروا بثلاث، أوتِروا بخمس أو سبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب» ، وقال الدارقطني: إسناده كلُّهم ثقات.

    قال مهنَّا: سألت أبا عبد الله: إلى أي شيء تذهب في الوتر، تسلِّم في الركعتين؟ قال: نعم. قلت: لأي شيء؟ قال: إنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين. الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلَّم من الركعتين.

    وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يسلِّم (١) في الركعتين، وإن لم يسلِّم رجوت أن لا يضُرَّه، إلا أن التسليم أثبَتُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أيِّ حديث تذهب في الوتر؟ قال: أذهب إليها كلِّها: من صلَّى خمسًا لا يجلس إلا في آخرهن. ومن صلَّى سبعًا لا يجلس إلا في آخرهن. وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: «كان يوتر بتسع يجلس في الثامنة» ، قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعةٌ، فأنا أذهب إليها (٢) . قلت: ابن مسعود يقول: ثلاث. قال: نعم، قد عاب على سعد ركعةً، فقال له سعد أيضًا شيئًا، يردُّ عليه (٣) .

  17. النوع الثامن: ما رواه النسائي (١) عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فركع، فقال في ركوعه: «سبحان ربِّي العظيم» مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» مثل ما كان قائمًا، [ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى» مثل ما كان قائمًا] (٢) ، فما صلَّى إلا أربع ركعات حتى جاء بلالٌ يدعوه إلى الغداة.

    vol. 2, p. 390
  18. وأوتر أول الليل، ووسطه، وآخره.

  19. وقام ليلةً (٣) بآية يتلوها ويردِّدها حتى الصباح (٤) : {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] » (٥) .