السادسة عشرة: عدم جواز السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه بعد دخول وقتها
15 paragraphs · vol. 2, p. 471
- vol. 2, p. 471
منصور (١) عن نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر (٢) أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر أن يُجْمِر المسجدَ مسجدَ المدينة كلَّ يوم جمعة حين ينتصف النهار. قلت: ولذلك سمِّي نُعيمًا (٣) المُجْمِر (٤) .
-
السادسة عشر: أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها. وأما قبله ففيه ثلاثة أقوال للعلماء، وهي روايات منصوصات عن أحمد. إحداها (٥) : لا يجوز أيضًا (٦) . والثانية: يجوز. والثالثة: يجوز للجهاد خاصةً (٧) .
-
وأما مذهب الشافعي، فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال. ولهم في سفر الطاعة وجهان, أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النواوي (٨)
- vol. 2, p. 472
وغيره. والثاني: جوازه، وهو اختيار الرافعي. وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان, القديم: جوازه، والجديد: أنه كالسفر بعد الزوال (١) .
-
وأما مذهب مالك فقال صاحب «التفريع» (٢) : «ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد الزوال حتى يصلي الجمعة، ولا بأس أن يسافر قبل الزوال، والاختيار: أن لا يسافر إذا طلع له (٣) الفجر وهو حاضر حتى يصلِّي الجمعة».
-
وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقًا (٤) .
-
وقد روى الدارقطني في «الأفراد» (٥) من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن سافر من دار إقامةٍ يومَ الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصْحَب في سفره» . وهو من حديث ابن لهيعة.
-
وفي «مسند الإمام أحمد» (٦) من حديث الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس
vol. 2, p. 473قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في سريَّة، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فغدا أصحابه، وقال: أتخلَّف، فأصلِّي مع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم ألحقُهم. فلما صلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» ، قال: أردت أن أصلِّي معك، ثم ألحقهم. فقال: «لو أنفقتَ ما في الأرض ما أدركتَ فضلَ غَدوتهم» . وأُعِلَّ هذا الحديث أيضًا بأنَّ الحكمَ لم يسمعه من مِقْسَم (١) .
-
هذا إذا لم يخَف المسافر فوتَ رفقته. فإن خاف فوتَ رفقته وانقطاعَه بعدهم جاز له (٢) السفر مطلقًا، لأنَّ هذا عذرٌ يُسقِط الجمعة والجماعة. ولعل ما روي عن الأوزاعي أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرَج دابَّتَه، فقال: «لِيَمْضِ في سفره» (٣) = محمولٌ على هذا. وكذلك قول عمر (٤) : «الجمعة لا تحبس عن سفر» .
- vol. 2, p. 474
وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقًا فهي مسألة نزاع، والدليل هو الفاصل؛ على أن عبد الرزاق قد روى في «مصنفه» (١) عن مَعْمر، عن خالد الحذَّاء، عن ابن سيرين أو غيره أنَّ عمر بن الخطاب رأى رجلًا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ فقال (٢) : أردت سفرًا، فكرهت أن أخرج حتى أصلِّي. فقال له عمر: «إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها» . فهذا هو قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله.
-
وذكر عبد الرزاق (٣) أيضًا عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا عليه هيئة السفر، فقال الرجل: إنَّ اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجتُ. فقال عمر: إنَّ الجمعة لا تحبِس مسافرًا، فاخرُجْ ما لم يحِن الرَّواح.
-
وذكر (٤) أيضًا عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن دينار (٥) ، عن
vol. 2, p. 475الزهري قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسافرًا يوم الجمعة ضحًى قبل الصلاة.
-
وذكر (١) عن معمر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يوم الجمعة؟ فكرهه، فجعلت أحدِّثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلَّما خرج رجل في يوم الجمعة إلا رأى ما يكره. لو نظرتَ في ذلك وجدته كذلك.
-
وذكر ابن المبارك (٢) عن الأوزاعي عن حسان بن عطية (٣) قال: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهارُ أن لا يعان على حاجته ولا يصاحَب في سفره. وذكر الأوزاعي عن ابن المسيب أنه قال: السفر في يوم الجمعة بعد الصلاة.
قال ابن جريج (٤) : قلت لعطاء: أبَلَغَك أنه كان يقال: إذا أمسى في قريةٍ جامعةٍ من ليلة الجمعة فلا يذهب حتى يجمِّع؟ قال: إنَّ ذلك لَيُكْرَه. قلت: فمن يوم الخميس؟ قال: لا, ذلك النهار فلا يضرُّه.
-
السابعة عشر: أنَّ للماشي إلى الجمعة بكلِّ خطوة أجرَ سنةٍ صيامِها