الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها
12 paragraphs · vol. 2, p. 540
- vol. 2, p. 540
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجلٌ حضَرها بلغْوٍ، وهو حظُّه منها. ورجل حضَرها بدعاءٍ، فهو رجل دعا الله عزَّ وجلَّ، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضَرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطَّ رقبةَ مسلم، ولم يؤذِ أحدًا فهي كفَّارةٌ إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام. وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: ١٦٠] » . ذكره أحمد وأبو داود (١) .
-
وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذان واحد. وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها. وهذا أصحُّ قولَي العلماء، وعليه تدل السنَّة، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة من غير فصل. وهذا كأنَّه (٢) رأيُ عين، فمتى كانوا يصلُّون السنَّة؟ ومن ظنَّ أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلُّهم،
vol. 2, p. 541فركعوا ركعتين، فهو من (١) أجهل الناس بالسنَّة. وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنَّة لها قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه, وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي (٢) .
-
والذين قالوا: لها (٣) سنة، منهم من احتجَّ بأنها ظهرٌ مقصورةٌ, فيثبت (٤) لها أحكام الظهر. وهذه حجَّة ضعيفة جدًّا، فإنَّ الجمعة صلاة مستقلَّة بنفسها تُخالِف الظهرَ في الصفة (٥) والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت. وليس إلحاق مسألة النزاع بمورد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقُها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا (٦) فيه.
-
ومنهم من أثبت السنَّة لها بالقياس على الظهر. وهذا أيضًا قياس فاسد، فإن السنَّة ما كان ثابتًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله أو فعله أو سنَّة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. ولا يجوز إثبات السُّنن في مثل هذا بالقياس، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة.
-
ونظير هذا أن يُشرَع لصلاة العيد سنَّةٌ قبلها أو بعدها بالقياس. ولذلك كان الصحيح أنه لا يُسَنّ الغسلُ للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا
vol. 2, p. 542للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء (١) ، لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات.
-
ومنهم من احتجَّ بما ذكره البخاري في «صحيحه» (٢) فقال: «باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها. ثنا عبد الله بن يوسف، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين. وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلِّي ركعتين» . وهذا لا حجَّة. فيه ولم يُرِد به البخاري إثبات السنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها وبعدها (٣) شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يَرِد (٤) عنه فعلُ السنة (٥) إلا بعدها، ولم يَرِد قبلها شيء.
-
وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين (٦) فإنه قال: «باب الصلاة قبل العيد (٧) وبعدها. وقال أبو المعلَّى (٨) : سمعتُ سعيدًا عن ابن عباس: كره الصلاة قبل العيد». ثم ذكر حديث سعيد بن جبير «عن ابن عباس أن النبي
vol. 2, p. 543- صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها ومعه بلال» الحديث.
-
فترجَم للعيد مثل ما ترجَم للجمعة، وذكر للعيد حديثًا دالًّا على أنه لا تُشرَع (١) الصلاة قبلها ولا بعدها، فدلَّ على أن مراده من الجمعة ذلك.
-
وقد ظنَّ بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلًا عن الظهر، وقد ذكر في الحديث السنَّة قبل الظهر وبعدها، دلَّ على أنَّ الجمعة كذلك. وإنما قال: «وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف» بيانًا لموضع صلاة السنَّة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف. وهذا الظنُّ غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوُّع بعد المكتوبة حديث ابن عمر (٢) : «صلَّيتُ مع النبي (٣) - صلى الله عليه وسلم - سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة». فهذا صريح في أنَّ الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلَّة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتَجْ إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر. فلمَّا لم يذكر لها سنةً إلا بعدها عُلِم أنه لا سنةَ لها قبلها.
-
ومنهم من احتجَّ بما رواه ابن ماجه في «سننه» (٤) عن أبي هريرة وجابر
vol. 2, p. 544قالا: جاء سُلَيك الغطفاني، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال له: «أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟» . قال لا. قال: «فصلِّ ركعتين، وتجوَّزْ فيهما» . وإسناده ثقات.
قال أبو البركات ابن تيمية (١) : وقوله «قبل أن تجيء» يدل عن أنَّ هاتين الركعتين سنة للجمعة، وليست تحية للمسجد. قال شيخنا حفيده (٢) أبو العباس ابن تيمية (٣) : وهذا غلط، والحديث المعروف في «الصحيحين» (٤) عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال: «صلَّيتَ؟» . قال: لا. قال: «فصلِّ ركعتين» . وقال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما» . فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة. هذا معنى كلامه.
وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المِزِّي: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو «أصلَّيتَ قبل أن تجلس» ، فغلط فيها الناسخ. قال: وكتاب ابن ماجه إنما تداوله شيوخٌ لم يعتنوا به، بخلاف «صحيح (٥) البخاري ومسلم»، فإنَّ
vol. 2, p. 545الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما. قال: ولذلك يقع فيه أغلاط وتصحيف (١) .
قلت (٢) : ويدل على صحة هذا أنَّ الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنَّفوا في ذلك من أهل السنن والأحكام وغيرها، لم يذكر أحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيَّة المسجد والإمامُ على المنبر، واحتجُّوا به على مَن منع فعلَها (٣) في هذه الحال. فلو كانت هذه هي سنَّة الجمعة لكان ذكرُها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد.
-
ويدل عليه أيضًا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخلَ لأجل أنهما تحية المسجد. ولو كانت سنَّةً للجمعة لأمرَ بها القاعدين أيضًا ولم يخُصَّ بالأمر بها الداخلَ (٤) وحده.
-
ومنهم من احتجَّ بما رواه أبو داود في «سننه» (٥) : حدثنا مسدَّد، ثنا