فصل في زكاة العسل وما ورد فيه واختلاف العلماء في ذلك
14 paragraphs · vol. 3, p. 12
- vol. 3, p. 12
عِدَّتكم من القِرَدة والخنازير، ولا يَحمِلُني بُغضي لكم وحُبِّي إيَّاه أن لا أَعدِلَ عليكم»، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (١) .
-
ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، ولا (٢) الرقيق، ولا البِغال، ولا الحمير، ولا الخضراوات، ولا المباطخ، والمَقَاثي، والفواكه التي لا تُكال وتُدَّخَر (٣) إلا العنب والرُّطَب، فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملةً، ولم يفرِّق بين ما يَبِسَ منه وما لم يَيْبَسْ.
-
فصل
واختُلِف عنه في العسل، فروى أبو داود (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جاء هلال أحد بني مُتْعَان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُشُور نَحْلٍ له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له سَلَبَة، فحمى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب إليه (٥) عمر: «إن أدَّى إليك ما كان يؤدِّي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عُشُورِ نحله فَاحْمِ له سَلَبة، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء» . وفي
vol. 3, p. 13رواية (١) في هذا الحديث: «من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِربةٌ» .
-
وروى ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنه أخذ من العسلِ العُشرَ.
-
وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عن أبي سيَّارة المُتَعِي قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نَحْلًا، قال: «أَدِّ العُشْرَ» . قلت: يا رسول الله، احْمِها لي، فحماها لي.
-
وروى عبد الرزاق (٤) عن عبد الله بن محرَّر (٥) عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن أن يُؤخذَ من العسل العُشْرُ.
vol. 3, p. 14قال الشافعي (١) : أخبرنا أنس بن عِياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذُباب قال: قدمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمتُ ثم قلت: يا رسول الله، اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم، قال: ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم عمر. قال: وكان يُعدُّ (٢) من أهل السَّراة، قال: فكلَّمتُ قومي في العسل، فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خيرَ في ثمرةٍ لا تُزكَّى. فقالوا: كم ترى؟ فقلتُ: العشر. فأخذتُ منهم العُشرَ، فلقيتُ عمر بن الخطاب فأخبرتُه بما كان، قال: فقبضَه عمر ثم جعل ثمنَه في صدقات المسلمين. ورواه الإمام أحمد، ولفظه للشافعي.
-
واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري (٣) : ليس في زكاة العسل شيء يصح. وقال الترمذي (٤) : لا يصحُّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في
vol. 3, p. 15هذا الباب كبيرُ (١) شيءٍ. وقال ابن المنذر (٢) : ليس في وجوب صدقة العسل حديثٌ يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا إجماعٌ، فلا زكاةَ فيه. وقال الشافعي (٣) : الحديث في أنَّ في العسلِ العشرَ ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشرُ ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز (٤) .
قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلُّها معلولة:
أما حديث ابن عمر (٥) ، فهو من رواية صَدَقة بن عبد الله عن (٦) موسى بن يسار عن نافع عنه، وصدقة ضعَّفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (٧) . وقال البخاري (٨) : هو عن نافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل. وقال
vol. 3, p. 16النسائي (١) : صدقة ليس بشيء، وهذا حديث منكر.
-
وأما حديث أبي سيَّارة المُتَعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال البخاري (٢) : سليمان بن موسى لم يُدرِك أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من العسل العُشْرَ، ففيه أسامة بن زيد (٣) يرويه عن عمرو، هو ضعيف عندهم. قال ابن معين (٤) : بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء. وقال الترمذي (٥) : ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة.
-
وأما حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فما أظهرَ دلالتَه لو سلم من عبد الله بن محرَّر (٦) راويه عن الزهري (٧) ! قال البخاري في حديثه هذا (٨) : عبد الله بن محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح.
- vol. 3, p. 17
وأما حديث الشافعي فقال البيهقي (١) : رواه الصَّلْت بن محمد عن أنس بن عِياضٍ، عن الحارث بن أبي ذُباب، عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد. وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن (٢) بن أبي ذُباب. قال البخاري (٣) : عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب، لم يصحَّ حديثه. وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، كذا قال لي.
قال الشافعي (٤) : وسعد بن أبي ذُباب يَحكي ما يدلُّ على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتَطوَّع له به أهلُه. قال الشافعي (٥) : واختياري أن لا يؤخذَ منه لأن السنن والآثار ثابتة فيما يُؤخَذ منه، وليست فيه ثابتةً، فكأنه عفْوٌ.
-
وقد روى يحيى بن آدم (٦) : حدثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: ليس في العسل زكاة. قال يحيى (٧) : وسئل حسن بن صالح عن العسل، فلم يرَ فيه شيئًا.
- vol. 3, p. 18
وذُكِر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئًا. قال الحميدي (١) : ثنا سفيان، ثنا إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس، عن معاذ بن جبل أنه أُتِيَ بوَقْصِ البقر والعسل حسبتُه (٢) ، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء.
وقال الشافعي (٣) : أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاءنا كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنًى، أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقةً. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي.
-
وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعةٌ إلى أن في العسل زكاةً (٤) ، ورأوا أنَّ هذه الآثارَ يقوِّي بعضُها بعضًا، وقد تعددتْ مخارجُها واختلفتْ طرقُها، ومرسَلُها يُعْضَد (٥) بمسندها. وقد سئل أبو حاتم الرازي (٦) عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذُباب: يصح حديثه؟ قال: نعم.
قال هؤلاء: ولأنه يتولَّد من نَوْرِ الشجر والزَّهر، ويُكَال ويُدَّخر، فوجبتْ فيه الزكاة كالحبوب والثِّمار.