فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ المنطق واختيار الألفاظ

8 paragraphs · vol. 3, p. 419

  1. كان يتخيَّر في خطابه، ويختار لأمَّته أحسنَ الألفاظ وأجملَها وألطفَها، وأبعدَها من ألفاظ أهل الجفاء والغِلْظة والفُحش (١) ، فلم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا ولا فظًّا.

    vol. 3, p. 419
  2. وكان يكره أن يستعمل اللَّفظ الشَّريف المَصُون في حقِّ من ليس كذلك، وأن يستعمل اللَّفظ المَهِين المكروه في حقِّ من ليس من أهله.

  3. فمن الأوَّل: منعُه أن يقال للمنافق: «يا سيِّدنا» (٢) وقال: «فإنْ يَكُ (٣) سيِّدًا فقد أسخطتم (٤) ربَّكم عزَّ وجلَّ» (٥) ، ومنْعُه أن يُسمَّى شجر العنب كَرْمًا (٦) ، ومنْعُه تسمية أبي جهل بأبي الحَكَم (٧) ، وكذلك تغييره لاسم أبي

    vol. 3, p. 420الحكم من الصَّحابة بأبي شُرَيح، وقال: «إنَّ الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْم» (١) .

  4. ومن ذلك نهيه للمملوك أن يقول لسيِّده وسيِّدته: ربِّي وربَّتي، وللسَّيِّد أن يقول لمملوكه: عبدي، ولكن يقول المالك: فتاي وفتاتي، ويقول المملوك: سيِّدي وسيِّدتي (٢) . وقال لمن ادَّعى أنَّه طبيبٌ: «أنت رفيقٌ، وطبيبها الذي خلَقَها» (٣) . والجاهلون يسمُّون الكافر الذي له علمٌ ما بشيءٍ من الطَّبيعة حكيمًا، وهو من أسفهِ الخلق.

  5. ومن هذا قوله للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يعصهما فقد غوى: «بئسَ الخطيبُ أنتَ» (٤) .

  6. ومن ذلك قوله: «لا تقولوا (٥) : ما شاء الله وشاء فلانٌ، ولكن قولوا: ما

    vol. 3, p. 421شاء الله ثمَّ شاء فلانٌ» (١) . وقال له رجلٌ: ما شاء الله وشئتَ، فقال: «أجعلَتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده» (٢) .

  7. وفي معنى هذا الشِّركِ المنهيِّ عنه قولُ من لا يتوقَّى الشِّرك: أنا بالله (٣) وبك، وأنا في حسب الله وحسبِك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا مُتَّكلٌ (٤) على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، والله لي في السَّماء وأنت في الأرض، وواللَّهِ وحياتِك، وأمثال هذا من الألفاظ الَّتي يجعل (٥) قائلُها المخلوقَ نِدًّا للخالق، وهي أشدُّ منعًا وقبحًا من قوله: ما شاء الله وشئتَ.

  8. فأمَّا إذا (٦) قال: أنا بالله ثمَّ بك، وما شاء الله ثمَّ شئتَ، فلا بأسَ بذلك، كما في حديث الثَّلاثة: «لا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثمَّ بك» (٧) ، وكما في الحديث المتقدِّم الإذنُ أن يقال: ما شاء الله ثمَّ شاء فلانٌ.