فصل: أول من أسلم من الأنصار وبيعة العقبة الأولى والثانية

15 paragraphs · vol. 4, p. 54

  1. فنتَّبعه ونقتلكم معه قتلَ عادٍ وإِرَم، وكان الأنصار يحجون البيت ــ كما كانت العرب تحجُّه ــ دون اليهود، فلما رأى الأنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى الله وتأمَّلُوا أحوالَه قال بعضهم لبعض: تعلمون ــ واللهِ يا قومُ ــ أن هذا الذي تَوَعَّدكم به يهود، فلا يَسبقُنَّكم إليه!

    vol. 4, p. 54
  2. وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُبْعِد ولم يُجِب (١) .

  3. ثم قدم مكّة أنسُ بن رافع أبو الحَيْسَر في فِتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحِلْف (٢) ، فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ ــ وكان شابًّا حدثًا ــ: يا قومِ، هذا والله خير مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر وانتهره فسكت، ثم لم يتمَّ لهم الحلف فانصرفوا إلى المدينة (٣) .

  4. فصل

    ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي عند العقبة في الموسم ستة نفرٍ من الأنصار كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زُرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقُطْبة بن عامر، وعُقْبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن

    vol. 4, p. 55رئاب؛ فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام فأسلموا.

  5. ثم رجعوا إلى المدينة فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبقَ دار إلا وقد دخلها الإسلام، فلما كان العام المقبل (١) جاء منهم اثنا عشر رجلًا: الستة الأُوَل (٢) خلا جابرَ بن عبد الله، ومعهم: معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم، وذكوان بن عبد قيس (٣) ــ وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري ــ، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعُوَيمُ (٤) بن مالك؛ هم (٥) اثنا عشر (٦) .

    وقال أبو الزبير عن جابر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبث عشر سنين يتبع الناس في

    vol. 4, p. 56منازلهم في الموسم ومَجَنَّة وعُكاظ ومنازلهم من منى: «من يؤويني، ومن ينصرني حتى أبلِّغ رسالاتِ ربي فله الجنة؟» ، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليَرْحَل من مُضَر أو اليمن إلى ذي رَحِمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذَرْ غلام قريش لا يفتنك (١) ، ويمشي بين رحالهم (٢) يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منَّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسْلمون بإسلامه، حتّى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام، وبعثَنا اللهُ إليه، فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُطرَد في جبال مكة ويُخاف، فرحلنا حتى قدِمنا عليه في الموسم فواعَدْنا بيعةَ العقبة (٣) ، فقال له عمُّه العباس: يا ابن أخي، ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباسُ في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله، على ما (٤) نبايعك؟ قال: «على السمع والطاعة في النَّشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا (٥)

  6. في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم،

    vol. 4, p. 57وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم؛ ولكم الجنة»، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة ــ وهو أصغر السبعين ــ فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنّا لم نضرب إليه أكباد المَطيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافَّةً وقَتْلُ خياركم وأن تَعَضَّكم السيوفُ، فإما أنتم تصبرون (١) على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من (٢) أنفسكم خيفةً فذروه، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أَمِطْ عنَّا يدك! فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها؛ فقمنا إليه رجلًا رجلًا فأخذ علينا يعطينا بذلك الجنة (٣) .

  7. ثم انصرفوا (٤) إلى المدينة وبعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أم مكتوم ومصعب بن عمير يُعلِّمان مَن أَسلَم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله عز وجل،

    vol. 4, p. 58فنزلا على أبي أمامة أسعدَ بنِ زرارة (١) .

  8. وكان مصعب بن عمير يؤمهم وجمَّع بهم لمّا بلغوا أربعين (٢) .

  9. فأسلم على يديهما بشر كثير، منهم: أُسَيد بن الحُضَير وسعد بن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذٍ جميعُ بني عبد الأشهل الرجال والنساء، إلا الأُصَيرِم عمرو بن ثابت بن وَقْش، فإنه تأخر إسلامُه إلى يوم أحدٍ فأسلم حينئذ وقاتَل فقُتِل قبل أن يسجد لله سجدةً، فأُخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «عمل قليلًا وأُجِر كثيرًا» (٣) .

  10. وكثر الإسلام بالمدينة وظهر ثم رجع مصعب إلى مكة، ووافى الموسم ذلك العامَ خلقٌ كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين، وزعيم القوم البراء بن مَعْرُور، فلما كانت ليلةُ العقبة ــ الثلثُ الأول من الليل ــ تسلَّل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُفيةً من قومهم ومن كفَّار مكة على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه نساءَهم وأبناءهم وأُزُرَهم (١) ، فكان أول من بايعه ليلتئذ البراءُ بن معرور (٢) ، وكانت له اليد البيضاء إذ أكَّد العقدَ وبادر إليه، وحضر العباس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤكدًا لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دين قومه. واختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبًا وهم: أسعد بن زُرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ــ وكان إسلامه تلك الليلة ــ، وسعد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو، وعُبادة بن الصامت، فهؤلاء تسعة من الخزرج؛ ومن الأوس ثلاثة: أُسَيد بن الحُضَير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وقيل: بل أبو الهيثم بن التَّيهان مكانه.

    vol. 4, p. 59
  11. وأما المرأتان: فأم عُمارة نُسَيبة بنت كعب بن عمرو ــ وهي التي قتل مسيلمة ابنَها حبيبَ بن زيد ــ، وأسماء بنت عمرو بن عدي.

  12. فلما تمَّت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم، فلم يأذن لهم في ذلك. وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صوتٍ سُمع: يا أهل الأخاشب (١) ، هل لكم في محمَّد والصُّباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا أزبُّ العقبة، أما والله يا عدوَّ الله لأتفرَّغنَّ لك» ، ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم (٢) .

    vol. 4, p. 60
  13. فلما أصبح القومُ غدت عليهم جِلَّة قريش وأشرافُهم حتى وصلوا (٣) شِعبَ الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حيٌّ من العرب أبغضَ إلينا أن ينشب بيننا وبينه (٤) الحرب منكم، فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله: ما كان هذا وما علمنا، وجعل عبد الله بن أُبيٍّ يقول: هذا باطل وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا عليَّ بمثل هذا، لو كنتُ بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني، فرجعت قريش من عندهم.

  14. ورحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يَأجَجَ (٥) ، وتلاحق أصحابه من

    vol. 4, p. 61المسلمين. وتطلَّبتهم قريش (١) ، فأدركوا سعد بن عبادة فجعلوا يدَه إلى عنقه بِنِسعةٍ، وجعلوا يضربونه ويجُرُّون شعرَه حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلَّصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكُرُّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل (٢) القوم جميعًا إلى المدينة (٣) .

  15. وأذِنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك، فكان أولَ من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة، ولكنها احتبست دونه ومُنِعت من اللَّحاق به سنةً وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيَّعها عثمان بن أبي طلحة (٤) .