فصل: هديه - صلى الله عليه وسلم - في عقد الذمة وأخذ الجزية
9 paragraphs · vol. 4, p. 176
- vol. 4, p. 176
فينظر: كم يجيءُ منها، فيضمِّنهم نصيبَ المسلمين ويتصرفون (١) فيها، وكان يكتفي بخارص واحد.
-
ففي هذا دليل على جواز خرص الثَّمَر البادي كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رؤوس النخل ويصير نصيبُ أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعدُ لمصلحة النماء (٢) ، وعلى أن القسمة إفراز (٣) لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارصٍ واحد وقاسم واحد، وعلى أن لِمن الثمار في يديه أن يتصرف فيها بعد الخرص ويَضْمنَ نصيبَ شريكه الذي خرص عليه.
-
فلما كان في زمن عمر ذهب عبدُ الله ابنُه إلى ماله بخيبر، فعَدَوا عليه وألقَوه من فوق بيتٍ ففكُّوا يده، فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية (٤) .
-
فصل
وأما هديه في عقد الذمة وأهلِ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، فأخذها من النصارى، وبعث معاذًا إلى اليمن فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذمةَ وضرب عليهم الجزية.
- vol. 4, p. 177
ولم يأخذها من يهود خيبر، فظنَّ بعضُ الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختصٌّ بأهل خيبر، وأنه لا تؤخذ منهم جزية وإن أُخِذت من سائر أهل الكتاب. وهذا من عدم فقهه في السيَّر والمغازي، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم وصالحهم على أن يُقرَّهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعدُ، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارِهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمره الله سبحانه أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (١) ، فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قد تمَّ (٢) بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عُمَّالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيءٍ غيرِ ذلك، وطالب سواهم من أهل الكتاب مِمَّن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية، كنصارى نجران ويهودِ اليمن وغيرهم. فلمّا أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب.
-
ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنةُ وأعلامُها أظهر منهم طائفةٌ كتابًا قد عَتَّقُوه وزوَّرُوه، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسقط عن أهل خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعدِ بن معاذ وجماعةٍ من الصحابة، فراج ذلك على من جهل سنةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومغازيه وسيره، وتوهَّمُوا بل ظنُّوا صحتَه، فأُجِيزُوا (٣) على حكم هذا الكتاب المزوَّر، حتى أُلقِي إلى
vol. 4, p. 178شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه (١) ــ وطُلِب منه أن يعين على تنفيذه والعمل به، فبصق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجه (٢) ، منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعدٌ توفي قبل خيبر قطعًا.
-
ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزيةُ لم تكن نزلت بعدُ ولا يعرفها الصحابةُ حينئذ، فإن نزولها كان عامَ تبوكٍ بعد خيبر بثلاثة أعوام.
-
ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَف والسُّخَر (٣) ، وهذا محال؛ فلم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) كُلَف ولا سُخَر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكُلَف والسُّخَر، وإنما هي من وضع الملوك الظَّلَمة واستمرَّ الأمرُ عليها.
-
ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير، ولا أحدٌ من أهل الحديث والسنة، ولا أحدٌ من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحدٌ من أهل التفسير؛ ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوَّرُوا (٥) مثلَ ذلك عرفوا كذبَه