- معنى إثابتهم غما بغم
9 paragraphs · vol. 4, p. 263
- vol. 4, p. 263
قتلوا ومَثَّلوا بهم ونالوا منهم من (١) نالوه؟ فقال: لولا عَفْوُه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوَّهم بعد أن كانوا مُجمعين (٢) على استئصالهم (٣) .
-
ثم ذكَّرهم بحالهم وقت الفرار مُصْعِدين أي جادِّين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل، لا يلوون على (٤) نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم في أخراهم: «إليَّ عبادَ الله! أنا رسول الله!» (٥) .
-
فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غم: غمَّ الهزيمة والكسرة، وغمَّ صرخة الشيطان فيهم (٦) بأن محمدًا قد قتل.
-
وقيل: جازاكم غمًّا بما غممتم رسولَه بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوِّه، فالغم الذي حصل لكم جزاءً على الغم الذي أوقعتموه بنبيِّه (٧) .
- والقول الأول أظهر لوجوه:
-
أحدها: أن قوله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا (٨) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا
vol. 4, p. 264أَصَابَكُمْ} تنبيهًا (١) على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن يُنْسِيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السَّلَب (٢) ، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يَعقُبه غم آخر.
-
الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غمُّ فوات الغنيمة، ثم أعقبه غمُّ الهزيمة، ثم غمُّ الجراح التي أصابتهم (٣) ، ثم غمُّ القتل، ثم غمُّ سماعِهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قتل، ثم غمُّ ظهور أعدائهم على الجبل فوقَهم؛ وليس المراد غمَّين اثنين خاصةً، بل غمًّا متتابعًا لتمام الابتلاء والامتحان.
-
الثالث: أن قوله: {بِغَمٍّ} من تمام الثواب، لا أنه سببُ (٤) الثواب، والمعنى: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ جزاءً على ما وقع منهم من الهرب (٥) ، وإسلامهم نبيَّهم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَهم، وتركِ استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتِهم له في لزوم مركزهم، وتنازعِهم في الأمر وفَشَلِهم؛ وكلُّ واحد من هذه الأمور يوجب غمًّا يخصُّه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجِباتُها، ولولا أن تدارَكهم بعفوه لكان أمرًا آخر.
-
ومِن لطفه بهم ورأفته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من