- أصناف الظانين بالله ظن السوء من شتى الملل والنحل
26 paragraphs · vol. 4, p. 267
- vol. 4, p. 267
وأن تلك الأسباب المكروهةَ المفضيةَ إليها لا يَخرج تقديرُها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهةً له، فما قدَّرها سدًى ولا شاءَها (١) عبثًا ولا خلقها باطلًا، {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: ٢٧] .
-
وأكثر الناس يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ السَّوءِ فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءَه وصفاتِه، وعرف موجَب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأَيِس من رَوحه فقد ظن به ظن السوء.
-
ومن جوَّز عليه أن يُعذِّبَ أولياءَه مع إحسانهم وإخلاصهم ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء.
-
ومن ظن أنه يترك خلقَه سدًى مُعَطَّلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلًا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.
-
ومن ظنَّ أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي المُحسن فيها بإحسانه والمسيءَ بإساءته، ويبيّن لخلقه حقيقةَ ما اختلفوا فيه، ويُظهر للعالمين كلِّهم صِدقَه وصدق رُسُلِه، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين= فقد ظن به ظن السوء.
-
ومن ظن أنه يُضِيع عليه عملَه الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه على امتثال أمره، ويُبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه
vol. 4, p. 268به، أو ظنَّ به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءَه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءَه ورسله، ويُجريها على أيديهم يُضِلُّون بها عباده، وأنه يَحْسُن منه كلُّ شيءٍ حتى تعذيبُ من أفنى عمره في طاعته فيُخلِّده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفد عمرَه في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحُسن سواء عنده (١) ، ولا يُعرَف امتناعُ أحدِهما ووقوعُ الآخَر إلا بخبرٍ صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقُبح أحدهما وحُسنِ الآخر= فقد ظن به ظن السوء (٢) .
-
ومن ظن به (٣) أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطلٌ وتشبيه وتمثيل، وتَرَك الحقَّ لم يُخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدةً، وأشار إليه (٤) إشاراتٍ ملغزةً؛ لم يُصرِّح به وصرَّح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يُتعبوا (٥) أذهانهم وقُواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلَّبوا له وجوهَ الاحتمالات المستكرهة (٦) والتأويلاتِ التي هي بالألغاز والأحاجي أشبهُ منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على
vol. 4, p. 269كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامَه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يُصرِّح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويُريحَهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل بل سلك بهم خلافَ طريق الهدى والبيان= فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز؛ وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعَدَل عن البيان ــ عن (١)
-
التصريح بالحق ــ إلى ما يُوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد فقد ظن بحكمته ورحمته ظنَّ السوء، وظن أنه وسلَفَه عبَّروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهرُ كلام المتهوِّكين الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله؛ فكلُّ هؤلاء من الظانين بالله ظنَّ السوء ومن الظانين به غير الحق ظنَّ الجاهلية.
-
ومن ظن به أن يكون في مُلكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء (٢) .
-
ومن ظن به أنه كان معطَّلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظن به ظن السوء (٣) .
-
ومن ظنَّ به أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات ولا عددَ
vol. 4, p. 270السماوات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان= فقد ظن به ظن السوء (١) .
-
ومن ظنَّ به أنه لا سَمْعَ له ولا بصر (٢) ، ولا علم ولا إرادة، ولا كلام يقوم (٣) به، وأنه لم يكلِّم أحدًا من الخلق ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به= فقد ظن به ظن السوء (٤) .
-
ومن ظن به أنه ليس (٥) فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته تبارك وتعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين وإلى الأمكنة التي يُرغَب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: «سبحان ربي الأسفل» كان كمن قال: «سبحان ربِّي الأعلى» (٦) = فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأَه.
-
ومن ظن به أنه (٧) يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح، فقد ظن به ظن السوء (٨) .
- vol. 4, p. 271
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يُعادي، ولا يَقْرُب مِن أحدٍ من خلقه ولا يقرُب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القُرْب من ذاته كذوات الملائكة المقرَّبين وأوليائه المفلحين= فقد ظنَّ به ظن السوء.
-
ومن ظن به أنه يُسوِّي بين المتضادَّين، أو يفرِّق بين المتساويين من كل وجه، أو يُحبِط طاعاتِ العمر المديد الخالصةَ الصوابَ بكبيرةٍ واحدة تكون بعدها، فيُخلِّد فاعلَ تلك الطاعات في الجحيم أبدَ الآبدين لتلك الكبيرة ويُحبِط بها جميعَ طاعاته، ويُخلِّده في العذاب كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عينٍ واستنفد ساعاتِ عمره في مَساخطه (١) ومُعاداة رسله ودينه= فقد ظن به ظن السوء (٢) .
-
وبالجملة فمن ظن به خلافَ ما وصف به نفسَه ووصفَتْه (٣) به رسلُه، أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسَه ووصفته به رسلُه، فقد ظن به ظن السوء.
-
ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائطَ يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياءَ من دونه يتقرَّبون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم (٤) ويخافونهم ويرجونهم= فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
- vol. 4, p. 272
ومن ظن أنه يُنال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يُنال بطاعته والتقرُّبِ إليه فقد ظن به خلافَ حكمته وخلافَ موجَبِ أسمائه وصفاته، وهو مِن ظنِّ السوء.
-
ومن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يُعوِّضه خيرًا منه، ومن فعل لأجله شيئًا لم يُعطه أفضل منه، فقد ظن به (١) ظن السوء.
-
ومن ظنَّ به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويَحْرِمه بغير جرمٍ ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحضِ الإرادة، فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
-
ومن ظن به أنه إذا صَدَقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه وسأله، واستعان به وتوكَّل عليه، أنه يُخيبه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلافَ ما هو أهلُه.
-
ومن ظن به أنه يُثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظنَّ به خلافَ ما تقتضيه حكمتُه وحمدُه وخلافَ ما هو أهله، وما لا يفعله.
-
ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأَوضَع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًّا ودعا مِن دونه ملكًا أو بشرًا حيًّا أو ميتًا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربِّه ويُخلِّصه من عذابه= فقد ظن به ظن السوء، بل ذلك زيادةٌ في بُعده من الله وفي عذابه.
-
ومن ظن أنه يُسلِّط على رسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أعداءَه تسليطًا مستقرًّا دائمًا في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلمّا مات استبدُّوا بالأمر دون
vol. 4, p. 273وَصِيِّه (١) ، وظلموا (٢) أهلَ بيته وسلبوهم حقَّهم وأذلُّوهم، وكانت العزَّة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائمًا من غير جُرم ولا ذنب لأوليائه وأهلِ الحق، وهو يرى قهرَهم لهم وغَصْبهم إياهم حقَّهم (٣) وتبديلهم دينَ نبيِّه، وهو يقدر على نُصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يُديلهم، بل يديل أعداءَهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يَقدِر على (٤) ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل المُبدِّلين لدينه مُضاجِعِيه في حفرته تُسلِّم أمته عليه وعليهم في (٥) كلِّ وقت، كما تظنُّه الرافضة= فقد ظن به أقبحَ الظن وأسوأَه، سواءٌ قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم ويجعلَ لهم الدَّولة والظَّفَر أو أنَّه غيرُ قادرٍ على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك مِن ظن السوء به. ولا ريب أن الربَّ الذي فعل هذا بغيض إلى من ظنَّ به ذلك غيرُ محمودٍ عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلافَ ذلك، لكن رَفَوا (٦)
-
هذا الظن الفاسد بخَرْقٍ أعظمَ منه واستجاروا من الرمضاء بالنار فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصرِ أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ولا هي داخلة تحتَ قدرته، فظنُّوا به ظنَّ إخوانِهم المجوس والثَّنَويَّة بربِّهم.