فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة

6 paragraphs · vol. 4, p. 366

  1. وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.

    vol. 4, p. 366
  2. فمنها: أنها كانت مقدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومُؤْذِنًا بين يديه. وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العِظام التي يقضيها (١) شرعًا وقدرًا أن يُوطِّئ لها بين يديها مقدِّماتٍ وتوطئاتٍ تؤذن بها وتدل عليها.

    vol. 4, p. 367
  3. ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناسَ أَمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤُوهم (٢) بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة مَن شاء الله أن يدخل؛ ولهذا سمَّاه الله {فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: ١] . قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية (٣) .

  4. وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة: فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين (٤) بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضَيمًا وهضمًا للمسلمين وفي الباطن عزًّا ونصرًا وفتحًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر مِن وراء سترٍ رقيق، وكان

    vol. 4, p. 368يعطي المشركين كلَّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ٢١٦] .

    وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مِثلُه سببُ (١)

  5. فكان يدخل على تلك الشروط دخولَ واثقٍ بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروطِ واحتمالَها هو عين النصرة، وهي من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذَلُّوا من حيث طلبوا العزَّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه؛ فدار الدَّورُ وانعكس الأمر وانقلب العزُّ بالباطل ذلًّا بحقٍّ وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمةُ الله وآياتُه وتصديقُ وعدِه ونَصْرُ رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.

  6. ومنها: ما سبَّبه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده وانتظارِ ما وُعِدوا به وشهودِ منة الله عليهم ونعمته بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوجَ ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزعزَعُ لها الجبال، فأنزل عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسُهم