- هل كان فتح خيبر كلها عنوة، أو كان بعضها صلحا وبعضها عنوة؟
11 paragraphs · vol. 4, p. 422
- vol. 4, p. 422
فإن قيل: فهلا قُتلت بنقض العهد؟ قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخيَّر في ناقض العهد كالأسير.
-
فإن قيل: فأنتم توجبون قتلَه حتمًا كما هو منصوص أحمد (١) ، وإنما القاضي أبو يعلى ومن تبعه قالوا: يُخيَّر الإمام فيه.
-
قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح فلا حجة فيها، وإن كانت بعد الصلح فقد اختُلِف في نقض العهد بقتل المسلم على قولين، فمن لم يرَ النقض به فظاهر، ومن رأى النقض به فهل يتحتَّم قتلُه أو يخيَّر فيه؟ أو يُفصَّل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتَّم قتلُه بسبب السبِّ (٢) ويُخيَّر فيه إذا نقضه بحِرابه ولحوقه بدار الحرب؟ وإن نقضه بسواهما، كالقتل، والزنا بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدوِّ على عوراتهم، فالمنصوص: تعيُّنُ القتل.
-
وعلى هذا، فهذه المرأة لما سمَّت الشاة صارت بذلك محارِبةً، وكان قتلها مخيَّرًا فيه، فلما مات بعض المسلمين من السم قُتِلت حتمًا، إما قِصاصًا وإما لنقض العهد بقتلها المسلمَ، فهذا محتمل. والله أعلم.
-
واختُلِف في فتح خيبر: هل كان عنوةً، أو كان بعضها صلحًا وبعضها عنوةً؟
-
فروى أبو داود (٣) من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر فأصبناها
vol. 4, p. 423عنوةً فجُمِع السبي.
وقال ابن إسحاق (١) : سألت ابن شهاب فأخبرني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتتح خيبر عنوةً بعد القتال.
-
وذكر أبو داود (٢) عن ابن شهاب: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتتح خيبر عنوةً بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعدَ القتال.
قال ابن عبد البر (٣) : هذا هو الصحيح في أرض خيبر: أنها كانت عنوةً كلُّها مغلوبًا عليها بخلاف فَدَك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم جميع أرضها على الغانمين لها، المُوجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية. ولم يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تُقسَم الأرضُ إذا غُنِمت البلادُ أو توقف؟
فقال الكوفيون (٤) : الإمام مخيَّر بين قسمتها كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض خيبر، وبين إيقافها كما فعل عمرُ بسواد العراق.
وقال الشافعي (٥) : تقسم الأرض كلُّها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار.
- vol. 4, p. 424
وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة مِن إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين. وروى مالك (١) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: «لولا أن يُترك آخِرُ الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قريةً إلا قسمتُها سُهمانًا كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر سهمانًا» .
-
وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانًا كما قال ابن إسحاق.
-
وأما من قال: إن خيبر كان بعضُها صلحًا وبعضُها عنوةً، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليه الشبهة بالحِصنَين اللَّذَين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهلُ ذينك الحِصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظَنَّ أن ذلك صلحٌ، ولعَمْري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية لضربٌ (٢) من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكمُ أرضهما (٣) حكمَ سائرِ أرضِ خيبر كلِّها عنوةً غنيمةً مقسومةً بين أهلها.
-
وربما شُبِّه على من قال: إن نصفَ خيبر صلحٌ ونصفَها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بُشَير بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر نصفين: نصفًا له ونصفًا للمسلمين (٤) .